أمريكا في مفترق طرق …! و أي مصير و أي أفق ينتظران أمريكا ؟

متابعة أبو أيوب

    تدخل الأحداث التي تنفجر عنفا في الشوارع الأمريكية و تشمل عددا كبيرا من المدن و الولايات طريق التعاظم ، و أسبوعا إضافيا ، و بمعزل عن حماسة الترحيب بهذه الأحداث أو الدعوات لعدم الإحتفال بها ، فهي لا تبدو مجرد احتجاج عابر على إثر مقتل الرجل الأسود جورج فويد على أيدي الشرطة ، بمقدار ما شكل الحادث الصادم طريقته و ظروفه ، عنصر التفجير لمخزون غضب كان ينتظر فرصة التحول إلى الشارع في المشهد الأمريكي ، و مخزون الغضب هذا يتجمع مع الخطاب العنصري للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب الحدث المؤلم .

    حدث زاد تعاظما بإضعاف مضاعفة الأزمات الإجتماعية الناجمة عن تداعيات وباء كورونا ، و تشرد ملايين العاطلين عن العمل من وظائفهم و انضمامهم إلى طالبي الإعانات “أكثر من 50 مليون مواطن أمريكي فقدوا وظائفهم” ، في ظل تراكم مجموعة أحداث سياسية دولية أصابت الهيبة الأمريكية “إسقاط طائرة التجسس الأمريكية فوق مياه الخليج/ استهداف قاعدة عين الأسد الأمريكية بالعراق مثال”، خصوصا في الجوار المباشر و الحديقة الخلفية لأمريكا الذي تمثله الجمهورية البوليفارية فنزويلا ، أكبر احتياطي عالمي للنفط ، بعدما قدمها ترامب كثمرة ناضجة للقطاف العنصري لنظامه .

    متغيرات جيوستراتيجية دراماتيكية تعيش على وقعها المنطقة حاليا ، خاصة بعد وصول الخمس حاملات لمشتقات النفط الإيرانية ، متغيرات تحولت إلى عنوان للفشل الأمريكي فيما لا تبدو الإنتخابات الفرصة التي كان ينتظرها الشارع الغاضب على ترامب و إدارته لتغيير ديموقراطي ، في ظل الصورة الباهتة التي يقدمها الحزب الديموقراطي و المشاكل التي تحيط بأهلية مرشحه جو بايدن لمواصلة السباق الإنتخابي ، خاصة بعد ظهور بوادر للتلاعب بالعملية الإنتخابية برمتها وصولا لفرضيات التأجيل حتى إشعار آخر ، في الوقت الذي لا زالت الذاكرة الجماعية تحتفظ بما شاب الإنتخابات السابقة من شبهات التدخل الروسي في مجرياتها .

    الغضب و انعدام الأمل هما طريق النزول إلى الشارع ، و هما عنصران متوافران بقوة في شارع أمريكي غير محصور بأصحاب البشرة السوداء ، فضحايا العنصرية التي يضخها خطاب ترامب تتخطاهم لتطال ذوي الأصول اللاثينية و المسلمين و النساء على حد سواء ، و الأزمة الإقتصادية الإجتماعية تمس شرائح كانت تحسب على الطبقة الوسطى من البيض المتنورين ، و تحرك مجموعات الوسط الليبرالي و اليساري الذين أظهرت حملة المرشح المستقل بيرني ساندرز أنهم شريحة وازنة في معظم الولايات الأمريكية .

    هذا الشارع المتنوع يبدو أنه ينضم تدريجيا للحركة الإحتجاجية التي تتسع بصورة ملفتة على مستوى تنوع مكوناتها و تعدد ولاياتها ، لتصير أقرب نحو تشكيل شارع وطني أمريكي يواجه سلطة حكم متوحشة إقتصاديا/إجتماعيا/سياسيا و إعلاميا “، غضب أمريكي على أغلب القنوات “CNN/FOXNEWS مثال” لتسليطها الأضواء فقط على أحداث الشغب ، سلطة يقودها وحش مالي عنصري إسمه ترامب دون وجود أفق راهن لتسوية في منتصف الطريق ، على ضوء أزمة إقتصادية مرشحة للمزيد من التفاقم و شح متزايد في الموارد مع تراجع عام تعانيه الشخصية الأمريكية في العالم .

    تراجع سجل في ظل فقدان السيطرة على الملفات السياسية الخارجية كحاكم منفرد بالعالم من جهة ، و تراجع كبير في الصورة العلمية و الأخلاقية و الحقوقية التي حرص الأمريكيون دائما على إظهار تفوق نموذجهم في تمثيلها من جهة ثانية ، و كان ما شهدته الولايات الأمريكية و خصوصا نيويورك ، في مواجهة جائحة كورونا ، أقوى تعبير على هذا السقوط العلمي و الأخلاقي المدوي .

    المخاض الأمريكي يبدو مفتوحا على كل الإحتمالات و بلا أفق واضح لخاتمة قريبة ، و الحديث هنا ليس عن ثورة و لا عن تغيير نظام حكم ، بل هو الغضب الشعبي اليائس من قدرة هذا النظام على احتواء الأزمات ضمن مؤسسات ديموقراطية ، و هذا ما يجب أن يدركه الذين يرغبون بإجراء المقارنات مع ما شهدته و تشهده الشعوب العربية و يحبون تسميته بثورة أو ربيع عربي “ليبيا/ سوريا مثال” . فما يجري في أمريكا يشبه ألى حد بعيد ما جرى في لبنان و ليس تغيير النظام في كليهما أفقا ممكنا ، و لا صفة الثورة تصلح في النموذجين لأنها بالضبط بلا قيادة و بلا برنامج محدد المعالم .

    إن ما يجري في أمريكا يقول للبنانيين أو الليبيين مثلا ، الذين يتساءلون عن معنى احتفال الخصوم السياسيين للإدارة الأمريكية بما يجري ، بينما لم يفعلوا هم ذلك تجاه ما جرى في لبنان و سوريا و ليبيا …. و الجواب بسيط (هو أنهم لا يرغبون لبلدهم ما رغبوه لدول عربية من فوضى خلاقة و مخاطر أمنية و ضياع للأفق السياسي) ، أما الذين يقولون لماذا لا يطعن أحد بأهلية ما يجري في أمريكا من الذين طعنوا بأهلية ما جرى بسوريا و ليبيا و مصر و لبنان ….، فالجواب على تساؤلاتهم بسيط للغاية و هو أن (لا وجود لسفارة أمريكية في أمريكا ….!) في إشارة لدور السفارات الأمريكية في تأجيج الأوضاع و تفاقمها في دول الربيع العربي ، بينما هو في الحقيقة خريف عربي اقتصر على أنظمة عربية بعينها في مجملها جمهوريات .

    فهل انطلق الربيع الغربي بعد تصدع جناحيه الأيمن و الأيسر ؟ الأيمن إيطاليا بعد رفعها للعلم الصيني و الروسي امتداحا و امثنانا و للغرب ذما و لوما و عتابا ، منها انطلقت كورونا غازية لأوروبا و منها أيضا استفحل الشرخ و الصدع … أما الأيسر أمريكا على ضوء ما تعرضنا له في مقال اليوم و إلى آخر بمشيئة الله …

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

ماكرون يعين المغربية نادية حي وزيرة سياسة المدينة بالحكومة الجديدة والمحامي “إريك دوبوند موريتي” وزيرًا للعدل

ماكرون يعين المغربية نادية حي وزيرة سياسة المدينة بالحكومة الجديدة والمحامي “إريك دوبوند موريتي” وزيرًا ...