24 ساعةأخبار دوليةالواجهةمجرد رأي

أمريكا وإسرائيل والنظام العالمي : كيف يُصنع الجحيم ومن يدفع الثمن ؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، لم يعد ممكناً فهم ما يجري بمعزل عن تفكيك منظومة الهيمنة التي تتحكم في مصائر الشعوب. فالحروب التي تندلع، والأزمات التي تتفاقم، والفقر الذي يتوسع، ليست مجرد صدفة تاريخية، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة سياسات ممنهجة تخدم مصالح قوى بعينها.

لقد ارتبطت السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في مراحل مثل عهد دولنتلد ترامب، برؤية تقوم على فرض النفوذ وإعادة تشكيل العالم وفق توازنات تخدم مصالحها الاستراتيجية. وفي قلب هذه المنظومة، يبرز الكيان الصهيوني كحليف محوري، حيث يتقاطع الدعم السياسي والعسكري المطلق في سياق إقليمي شديد التعقيد.
غير أن أخطر ما في هذه السياسات ليس فقط بعدها الجيوسياسي، بل آثارها الإنسانية الكارثية. فالحروب التي تُدار بمنطق القوة تُخلّف وراءها دماراً واسعاً: مدن مهدمة، بنى تحتية منهارة، ومجتمعات ممزقة. وغالباً ما يكون الضحايا من المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء، الذين يجدون أنفسهم في قلب صراعات لا يد لهم فيها. إن هذا الواقع المأساوي أصبح عنواناً لانتقادات واسعة تتهم هذه السياسات بتغليب المصالح على القيم الإنسانية و الشعاراتالفارغةالتي تتغنى بها أمريكاو الكيانالصهيونيالإرهابيالمجرمالفاسد.
ولا يقف الأمر عند حدود الحروب، بل يتجاوز ذلك إلى ما يعتبره كثير من المحللين شكلاً من أشكال التحكم غير المباشر في ثروات الشعوب و نهبها . فمن خلال دعم أنظمة سياسية توصف بالاستبداد و الفساد في عدد من الدول العربية والإسلامية، يتم الحفاظ على أوضاع تضمن استمرار تدفق المصالح الاقتصادية، ولو كان ذلك على حساب التنمية الحقيقية والعدالة الاجتماعية.
وهنا تتكشف مفارقة مؤلمة: فبينما تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان و العدالةالاجتماعيةوالكرامةالإنسانية، يتم في الواقع دعم أنظمة تُقيد الحريات وتُضعف المؤسسات، ما يؤدي إلى إنتاج دول هشة وشعوب مهمشة و فقيرة . هذا التناقض يغذي شعوراً واسعاً بالظلم ويفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام العالمي نفسه.
لكن، ورغم كل ذلك، فإن تحميل المسؤولية كاملة للخارج و الدولة العميقة التي تتحكم في العالم وحده قد يكون تبسيطاً مخلاً. فالأزمة أيضاً داخلية بامتياز. إذ لا يمكن إنكار أن عدداً من الأنظمة في العالم العربي والإسلامي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ترسيخ هذا الواقع، سواء عبر الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى، أو غياب الشفافية، أو فشلها في بناء مؤسسات قوية ومستقلة.
كما أن الأحزاب السياسية في العالم العربيوالإسلامي، التي يفترض أن تكون أداة لتأطير المواطنين والدفاع عن مصالحهم، تحولت في كثير من الأحيان إلى كيانات ضعيفة أو تابعة، فاقدة للاستقلالية والقدرة على التأثير. وهو ما أفرغ العمل السياسي من مضمونه، وعمّق أزمة الثقة بين المواطن والدولة.
أما النخب من مثقفين وإعلاميين وحقوقيين، فقد تراجع دور جزء منها تحت ضغط الواقع أو بفعل الاصطفاف و راء أنظمة الموز ، مما أضعف صوت النقد والمساءلة. وهنا يبرز سؤال مؤلم: أين الضمير الحي في مجتمعاتنا؟ وأين القوى التي يفترض أن تقود الوعي والتغيير؟
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من المسؤول؟ بل أيضاً: ماذا بعد؟
متى تتحول حالة الغضب الشعبي إلى وعي منظم؟ ومتى تدرك الشعوب أن التغيير لا يُبنى بالشعارات فقط، بل بالفعل السياسي الواعي، وبإعادة بناء المؤسسات، وفرض ثقافة المساءلة و ربط المسؤولية بالمحاسبة الانخراط الجدي في بناءمؤسساتقويةومستقلة وديمقراطية؟
إن الخروج من دائرة “الجحيم” التي تعيشها كثير من الشعوب لا يكون فقط بتحديد عدو خارجي، مهما كان تأثيره، بل يبدأ من الداخل: بإصلاح الأنظمة، وإحياء دور الأحزاب، واستقلال الإعلام، وتمكين المجتمع من أدوات الفعل والتغيير.
في النهاية، العالم ليس بسيطاً كما يبدو. هناك قوى كبرى تسعى للهيمنة و نهبخيراتالشعوب من أجل رفاه شعوبها ، نعم وهناك أيضاً أنظمة محلية تتحمل جزءاً من المسؤولية. وبين هذا وذاك، تبقى الشعوب هي الحلقة الأضعف… لكنها أيضاً قد تكون نقطة البداية لأي تحول حقيقي.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى