أمريكا وحكاية الهزبر والتيس والبطاريق

بقلم أبو أيوب

    ما بعد عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني و أبو مهدي المهندس ليست كما قبلها، خلاصة الواقع الحالي بمنطقة الخليج والشرق الأوسط … كثير من المراقبين توقعوا أن لا تجرؤ إيران على الرد، وسوف تكتفي بلملمة الجراح ثم التنديد والشجب والوعيد، ثم إرجاء الرد والإحتفاظ بالحق إلى الوقت المناسب .
    لكن هذا لم يحدث ولم يطل الإنتظار، فبمجرد الإنتهاء من مراسيم التشييع والدفن، إنطلقت صليات الصواريخ الباليستية الإيرانية نحو الأهداف الأمريكية بقاعدتي عين الأسد غرب العاصمة بغداد وحرير باربيل الكردية، 21 صاروخا حطت الرحال وأصابت الأهداف بدقة متناهية فجر الأربعاء ثامن يناير الحالي، إستهداف تضاربت حول تداعياته وخسائره التصريحات و الأقوال، الأمر لا يهم بقدر ما يهم الرد الإيراني و بأقصى سرعة ممكنة . 
    بعد اجتماع للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تحت رئاسة مرشد الجمهورية، تم التوافق بالإجماع على حق أسبقية الرد الإيراني قبل ردود باقي حلفاء محور المقاومة، من منطلق كون الشهيد كان يمثل القائد العسكري لجميع تنظيمات المقاومة على طول خريطة المنطقة “سوريا/ العراق/ لبنان/ اليمن/ فلسطين”، بالتالي كلهم معنيون بحق الرد و الأكيد أنهم سوف لن يتأخروا … و من به ريب و شك فالأيام بيننا، أبواب جهنم فتحت و أمريكا في اندحار مستمر و سوف تنسحب من المنطقة عاجلا أم آجلا .
    لم تدم فرحة التيس الأشقر و لم يطل الإنتشاء بفعلته، من داخل عقر داره توالت التصريحات المتضاربة و المتعارضة أحيانا، صمت القبور ساد ساكني البيت الأبيض في انتظار استكمال التحقيقات و البحث عن التبريرات، شرخ كبير إزداد صدعا عنوان الداخل الأمريكي حاليا بين الديموقراطيين المسيطرين على مجلس النواب، و الجمهوريين الذين يهيمنون على مجلس الشيوخ و بينهما المجتمع الأمريكي مشدوها متلقفا لما سوف يقرره التيس الأشقر إثر اجتماع مجلس الإمن القومي الأمريكي، ماذا كانت النتيجة ؟ أو بالأحرى، ألم يتمخض الجبل ليلد فأرا ؟ .
    نعم هذا ما سوف نستطلعه على ضوء خرجته الأعلامية الأخيرة، حول تطورات الأحداث و المستجدات على ضوء الرد الإيراني و التوعد بما هو أقسى في حالة إذا ما تجرأت أمريكا بالرد على الرد … التيس الأشقر صرح أمام عدسات الكاميرات بأن أمريكا تحت رئاسته لن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي و أنه لا يسعى إلى الحرب معها، ثم أضاف قائلا بانتهاج استراتيجية ثلاثية الأبعاد … تشديد العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها و في نفس الوقت يطالب الحلف الأطلسي باتخاذ قرار، داعيا الدول الموقعة على الإتفاق النووي 6+1 “روسيا/ فرنسا/ الصين/ إنجلترا/ ألمانيا/ أمريكا” إلى الإنسحاب جريا على الموقف الأمريكي، ثم ختم بأن الجنرال قاسم سليماني كان المطلوب الأخطر و الأول على الصعيد العالمي في إطار الحرب على الإرهاب التي تشنها أمريكا و من ورائها المجتمع الدولي … مستشهدا بأبي بكر البغدادي … قمة الإستغباء و حالة الإرباك ….! 
    ألم يستحضر التيس تصريحات قائد الأركان الأمريكي السابق و لا نظيره في وكالة الإستخبارات الأمريكية ؟ أليسا هما اللذان صرحا رسميا و أشادا بالدور الذي لعبه الجنرال المغتال في كل من العراق و سوريا “خرجات إعلامية” ؟ ألم يدر في خلده بأن المغتال شخصية رسمية و استقبل أو شارك أو استضيف … ضمن الإطار شخصيات رسمية من دول و حكومات أجنبية “وزراء دفاع مثال/ بعثاث عسكرية رسمية أجنبية حلفاء إيران كالصين و روسيا و باكستان …”، بالتالي ضمن المنطق هم كذلك متورطون في دعم الإرهاب … شيء ما لا يستقيم و هناك سر أرادوا إخفاءه من خلال عملية الإغتيال هاته .. ؟ 
    سر نستطلعه بالعودة إلى بداية 2014، يومها هدد تنظيم دولة الخلافة بالزحف على العاصمة بغداد و قد تم له ذلك بعدما سيطر على مناطق شاسعة و أصبح يشكل تهديدا مباشرا عليها . آنذاك طلبت الحكومة العراقية السند و المدد من القوات و الحكومة  الأمريكية التي تلگأت في بادئ الأمر، و من بعد طلبت بجرد لائحة المطالب العراقية للبث فيها، و بحسب التسريبات الأمريكية الموثوقة كما جاءت على لسان رسميين، أجاب الجانب الأمريكي بأن المطالب يتعذر تحقيقها و سوف يستجاب لها في أفق سنة 2020 … إنها قمة الإبتزاز خدمة للمصالح الأمريكية الساعية آنذاك إلى خلق كانتونات متصارعة و نشر الفوضى الخلاقة “رؤية كوندوليسزا رايس” … هنا يكمن إذن سر الإستهداف ضمن أسرار جبهات كل من اليمن و سوريا و لبنان و غزة .
    آنذاك قدم الطلب العراقي في ظل حكومة المالكي إلى إيران التي سارعت إلى تلبية الطلبيات “تصريحات رسمية حكومية”، بعد حوالي ساعتين حطت طائرات نقل عسكرية إيرانية بمطار بغداد محملة ببعض متطلبات الجيش العراقي تلتها أخريات، مع إمدادات لوجيستيكية و دخائر و خبراء عسكريين و تقنيين … مرسلة من فيلق القدس فيلق قاسم سليماني لتنطلق بعدها عمليات الكر و الفر في محاربة داعش و أخواتها … و على ضوء الحالة المزرية التي كان يعيش تحت وطأتها الجيش العراقي بفعل استنزافه من خلال المفخخات و التفجيرات في المدن لحوالي أربع سنوات، كان لزاما البحث في استراتيجية جديدة لمواجهة الإرهاب و التورط الأمريكي عبر التغاضي عن تقديم الدعم و المساندة إلا بما يخدم مصالحه، توجت بتأسيس الحشد الشعبي و تدريبه و تسليحه فكان له الفضل في تحرير ما استحودت عليه داعش، إلى أن أحكم الطوق عليها و حاصرها ثم تمكن في الأخير من تأمين الحدود السورية العراقية بمنطقة القائم و البوكمال ( هذا مغزى الإستهداف الأمريكي لقوات الحشد الشعبي” اللواء 46/45″ قبل عملية الإغتيال المزدوجة و نحن في سنة 2020) .
    ما سرى على العراق دب على سوريا و اليمن … لكن لماذا العراق بالذات ؟ بالتالي هو الأول الذي تم غزوه بذريعة الحرب الأمريكية على الإرهاب ! بكل بساطة، العراق يشكل البوابة الرئيسية لمنابع النفط على ضوء الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى محاصرة الصين و روسيا و اليابان و الهند إقتصاديا، من منطلق موقعه الإستراتيجي المطل على الخليج و لمخزونه النفطي و ثرواته الدفينة “أكبر سفارة أمريكية في العالم بحوالي 16 ألف موظف” ؟ و هذا ما يدل على نية البقاء الأبدي …، إذن المسألة تتعلق بالنفط و ليس بمحاربة الإرهاب كما ادعت أمريكا “إحتلت العراق بذريعة تورط صدام حسين في دعم تنظيم القاعدة و مسؤوليته في أحداث 11 سبتمبر ثم خوفا من تسليمه إياها أسلحة الدمار الشامل” قمة الإستغباء أليس كذلك … ؟ .
    تمكنها من بسط نفوذها بمنطقة غرب آسيا “الخليج الفارسي كما هو معترف به دوليا” يمكنها من محاصرة إيران عسكريا في سبيل إسقاط نظامها و من تم دول محورها “نظرية أحجار الدومينو”، بالتالي السيطرة على أسواق النفط و التحكم في تدفقاته لإخضاع أوروبا كاملة لمشيئتها و من تم الإحتفاظ بدورها كدركي العالم بدون منازع “نظرية القطب الواحد بعد انهيار الإتحاد السوفياتي و ترهل الدب الروسي السكير بوريس يلتسين”، حلم التيس الأشقر الأمريكي أجهضه الهزبر الملتحي الإيراني ما بين تاريخ 2014 يوم قدم الطلب العراقي و 2020 يوم أرخ الإغتيال أو الإستشهاد إيذانا ببداية الإنكسار الشامل دون الحاجة لأسلحة الدمار الشامل …” البعد الإستراتيجي لمعادلة الردع و تغيير قواعد الإشتباك بمفهومها العسكري و توازن الرعب” . 
    جيد، لكن وجب طرح السؤال، هل تقوى أمريكا على مجاراة اللعبة من منطلق المتوقع من خسائر بشرية في صفوفها ؟ أكيد أنها متفوقة تكنولوجيا و عسكريا من خلفية القوى الأولى في العالم، لكن المؤكد ما صرح به التيس الأشقر في خرجته الإعلامية كونه لا يسعى إلى حرب مع إيران ما بعد الرد، أي بمعنى أنه يكتفي بثلاثية الأبعاد التي أشرت لها سابقا و يستبعد قيام حرب … و هذا موقف ضعف و سره كالآتي، دائما بحسب التسريبات الموثوقة و الموثقة بالفيديوهات و الصور، أكثر من علامة استفهام تطرح …!  
    لنرجع بضعة شهور مرت، يوم تم إسقاط مفخرة الصناعة العسكرية الأمريكية الغير مأهولة  من طرف إيران، و أعلن عن ذلك رسميا، بواسطة صاروخ إيراني الصنع، كما تم الإعلان في نفس الوقت عن امتناع استهداف المأهولة من منطلق الإيمان بقوانين الحرب من جانبها الإنساني “نظرية حائك السجاد الإيراني و مخترع لعبة  الشطرنج”، و قد أخطر الجانب الأمريكي بذلك و هناك تسجيلات صوتية و بشهادة التيس الأشقر عبر تغريدة له على تويتر، ندد و شجب الإستهداف و شكر و مدح الحجم على الإستهداف “تغريدة ترامب يومها” ثم ابتلع خدش الكبرياء …
    ما وقع منذ بضعة شهور تكرر اليوم من خلال استهداف قاعدة عين الأسد غرب بغداد و حرير بأربيل الكردية شمالي العراق على الحدود مع تركيا …! ، و بحسب المسرب مركز أمريكي إستراتيجي … أخرج من الخدمة …، و قبل عملية انطلاق الصليات الصواريخية أخطرت الحكومة العراقية و سويسرا راعية العلاقات الأمريكية بإيران و العكس صحيح و الجانب الفلندي، علامة استفهام و رسالة واضحة لمن يهم الأمر “الجناح الشرقي لحلف الأطلسي تركيا و الغربي فرنسا” ضمن فلسفة حياكة السجاد و قص الأجنحة، هنا وجب طرح السؤال، لماذا الإخطار و التبليغ عن الرد من مفهومه الإنساني ضمن قوانين الحرب و ما يترتب عنها من خسائر بشرية ؟ ألم تكن نية الإخطار بغية تحاشي خسائر بشرية فادحة و أن الرسالة وصلت بأقل الخسائر و إن تجرأتم بالرد فهناك أقسى منه ؟  
    حالة شبيهة بحالة خدش الكبرياء من خلال إسقاط الطائرة المفخرة و تغريدة ترامب و أكذوبة قبل خمس أو عشر دقائق عدل عن مهاجمة إيران …! قمة السخرية و هذا حنقه على القاسم السليماني المغتال و من صحبه ( لا زال هناك ثأر العراق لأبي مهدي المهندس و من بعده لبنان و سوريا و اليمن و فلسطين بعدما نعثوه و وصفوه و واروه الثرى باسم شهيد فلسطين ….تذكروا هذا جيدا و الايام ….)  .
    أولى التداعيات سحب كل القوات العسكرية “بريطانيا/ إسبانيا/ ألمانيا/ كندا …” التي كانت متمركزة في العراق نحو الكويت، أمريكا توصي رعاياها بمغادرة المنطقة، زيارة بوتين لقبر صلاح الدين الأيوبي بالعاصمة دمشق ما رمزيته و هل التاريخ يعيد نفسه ؟ إعلان الشركة السعودية لتسويق النفط إلى الأسواق العالمية بوقف صادراتها النفطية عبر مضيق هرمز “مساهمة المملكة بقرابة 100/45 من أسهمها”، العجز المسجل الذي قارب أكثر من النصف إثر استهداف الأنبوب العابر للصحراء في اتجاه الينبوع على البحر الأحمر أو من خلال استهداف شركة أرامكو السعودية، حقيقة زجاجية محميات مماليك الخليج، المناورات البحرية المشتركة الأخيرة الإيرانية الصينية الروسية ببحر عمان قبل أيام من عملية الإغتيال “الجناح الشرقي لحلف الناتو تركيا”، المناورات ما قبلها المشتركة الصينية الروسية الجزائرية “الجناح الغربي للحلف فرنسا و مساعيها الحثيثة لاحتواء الأزمة” تداركا لمزيد من فقدان النفوذ في مستعمراتها السابقة ( زيارة رئيس الحكومة الإيطالية للجزائر و استقباله من طرف الرئيس ع . م . تبون / دعوة ميركل  لتبون بزيارة ألمانيا / تسهيلات جزائرية لرسو بحري عسكري مؤقت على خلفية الأزمة الليبية …) . 
    أمريكا اليوم محرجة دوليا و داخليا بما لم يسبق له مثيل في تاريخها الحديث و قوة ردعها مشروخة بعدما استوى ميزان الرعب و الردع، هذا ما يستنبط  و يستقرى من انعدام الحاجة الأمريكية بعد الآن  لنفط الخليج كما جاء على لسان التيس الأشقر أمام عدسات الكاميرات، بالتالي أصبحت البطاريق الخليجية المحمية غير محمية تبتز سواء دفعت الكثير أو دفعت القليل لكن “you pay ….”، ما العمل أو هكذا قال أحدهم ذات زمان …؟ 
    عدم تجرؤ أمريكا على الرد على الصفعة في بعده الإستراتيجي، منطلقه ما ينتظرها من مطالب ثأر على صعيد المنطقة من خلفية رمزية  المغتال و ما يمثله من ثقل و رمز لحاضنة شعبية “ما اقترفته في اليمن إلى جانب قوات التحالف / سوريا/ لبنان/ فلسطين/ و ليس أخيرا العراق من خلال اغتيال أبي مهدي المهندس لتختلط دماء الثأر” ، و هذا ما تخشاه و تتحاشاه على ضوء الرئاسيات الأمريكية المقبلة ( استقبال من أتوا واقفين عموديا على ظهر … باستقبالهم أفقيا في نعوش طائرة … 
    لن تتحمل أمريكا عسكريا، و لا الوضع الدولي الحالي اقتصاديا، تبعات حرب تيس أشقر  مقامر مغامر “تصريح نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي”،  أكاد أجزم اليوم أن ما وقع لجيمي كارتر أواخر السبعينيات هو ما ستؤول إليه الاوضاع في الإنتخابات المقبلة، فكما بدأها التيس الأشقر بهلوانية سوف يختتمها بهلوانية بعدما تقاضى أثمنة مقابل خدش الكبرياء “عملية الإغتيال بدم بارد و هو ما يدل على الحنق و ما وصله مدى اليأس”، و أثمنة أخرى استنزافا لبطاريق الخليج كبطاقة وداع و توديع … قضي الأمر و لو بعد حين لتنتهي حكاية الهزبر و التيس و البطاريق .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إتفاقية شغل جماعية بين شركة “ليوني –عين السبع” بالدارالبيضاء والإتحاد العام للشغالين بالمغرب

أثر إيجابي على المناخ الإجتماعي بالعاصمة الإقتصادية     تم يوم الثلاثاء بالدار البيضاء توقيع ...