
منقول عن حائط الزميل حميد المهدوي بالعالم الازرق
حميد المهدوي:
صرخة والدة ناصر الزفزافي وهي تقول بحرقة:” الله يأخذ فيكم الحق، عيدوا غير انتوما”، لم تكن موجهة إلى الملك كما حاول البعض الإيحاء بذلك، بل كانت صرخة أم مكلومة اشتاقت إلى ابنها بعد سنوات طويلة خلف القضبان.
“مي زوليخة” وكأي أم رُزئت بفراق ابنها لما يقارب عقدا من الزمن، لم تجد سبيلاً لإطفاء النار التي تلتهم قلبها سوى إطلاق صرخة في وجه كل من يملك سلطة أو تأثيراً أو إمكانية للمساهمة في حلحلة الملف.
فالسياق واضح، واللغة واضحة، والمقصود واضح. لكن بدل مناقشة جوهر المطلب الإنساني والسياسي، اختار البعض نقل النقاش إلى منطقة أخرى تماماً: منطقة توظيف المؤسسة الملكية لإخماد موجة التعاطف الشعبي.
هذه الممارسة ليست جديدة. فكلما خسرت جهة رسمية معركة الإقناع أو وجدت نفسها أمام تعاطف شعبي واسع، يتم استدعاء الملك إلى قلب النقاش، وكأن المطلوب هو تحويل أي مطلب أو احتجاج أو انتقاد إلى مواجهة مع المؤسسة الملكية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فالملك، بحكم الدستور والتاريخ والمكانة الرمزية التي يحظى بها، يمثل رأسمالاً مشتركاً لجميع المغاربة، وليس ملكية خاصة لأي إدارة أو حزب أو تيار أو جهاز.
والأخطر من ذلك أن هذا التوظيف يضع المؤسسة الملكية في واجهة ملفات ليست هي التي تدبر تفاصيلها اليومية. فملفات العفو الملكي، على سبيل المثال، تمر عبر مساطر ومؤسسات ولجان معروفة، أبرزها لجنة العفو التي تضم وزير العدل بصفته رئيسا، ومدير الديوان الملكي، والرئيس الأول لمحكمة النقض، والوكيل العام للملك لدى المحكمة نفسها، والمندوب العام لإدارة السجون، ومدير الشؤون الجنائية والعفو، وضابطاً من الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية يعينه الوزير المكلف بإدارة الدفاع الوطني. وتتمثل مهمة هذه الجهات في دراسة الملفات ورفع المقترحات قبل صدور القرار الملكي.
لذلك فإن اختزال النقاش كله في شخص الملك لا يعكس حقيقة المسار المؤسساتي، كما يفتح الباب أمام استعمال اسمه في معارك لا تليق بمكانته.
وقد أثبتت التجربة أن اللجان والمؤسسات قد تخطئ؛ فالتاريخ المغربي عرف حالات أثارت جدلا واسعا بعد صدور العفو عنها، وأشهرها قضية الإسباني دانيال كالفان المدان في جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال. يومها لم يناقش المغاربة الملك بقدر ما ناقشوا المساطر والجهات التي رفعت الملف وقدمت التوصيات، قبل أن يتحمل حفيظ بنهاشم مسؤولية ما وقع ويُعفى من مهامه مديراً لإدارة السجون. وهو ما يؤكد أن الخلل قد يوجد في مراحل الإعداد والاقتراح والتقييم.
وفي الأنظمة الديمقراطية المستقرة، تحرص المؤسسات السياسية على إبعاد رؤساء الدول والرموز السيادية عن الصراعات اليومية. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، نادراً ما تُستعمل المؤسسة الملكية للرد على معارض أو ناشط أو صحافي، بل تتحمل الحكومات مسؤولية قراراتها أمام الرأي العام والبرلمان والقضاء. لأن قوة المؤسسة الرمزية تكمن في بقائها فوق التجاذبات، لا في تحويلها إلى طرف داخلها.
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه يستهلك الرصيد الرمزي للمؤسسات العليا في معارك صغيرة ومتغيرة. فبدل أن تواجه الإدارة الانتقادات بالحجج والوقائع والقرارات، تلجأ إلى الاحتماء بشرعية أكبر منها. وبدل أن تدافع عن سياساتها بنفسها، تستعير مكانة الملك وهيبته. وهكذا يصبح كل نقاش اجتماعي أو حقوقي أو سياسي مرشحاً للتحول إلى سجال حول المؤسسة الملكية، وهو أمر لا يخدم الدولة ولا الاستقرار ولا النقاش العمومي السليم.
ثم إن اللجوء المستمر إلى الملك كلما ظهر غضب شعبي أو احتجاج اجتماعي يطرح سؤالاً مقلقاً: لماذا فشلت بعض المؤسسات في بناء شرعيتها الخاصة؟ ولماذا لا تقنع المواطنين بأدائها وبرامجها وقراراتها؟ ولماذا أصبح استدعاء الملك هو الحل الأسهل كلما تعثرت رواية رسمية أو اهتزت صورة جهة من الجهات؟
الملك بالنسبة للمغاربة مصدر اعتزاز ووحدة واستمرارية، واللجوء إليه في القضايا الكبرى شرف وحق مشروع. لكن تحويل اسمه إلى أداة في المناكفات اليومية، أو إلى درع يحتمي به المسؤولون من النقد، لا يخدم المؤسسة الملكية نفسها، بل قد يضر بها على المدى البعيد، لأنه يخلط بين ما هو رمزي واستراتيجي وما هو تدبيري ويومي وعابر.
ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن المؤسسة الملكية لا يكون بإقحامها في كل معركة، بل بإبعادها عن المعارك الصغيرة. ولا يكون باستعمالها لإسكات الأصوات المختلفة، بل بصون مكانتها فوق الجميع. فالملك يكون أقوى حين يبقى ملكاً لجميع المغاربة، لا حين تحاول بعض الجهات احتكار الحديث باسمه أو توظيف رمزيته كلما خسرت معركة إقناع أمام الرأي العام.
بكلمة، محمد السادس، هو ملك لِّمي زوليخة كما هو ملك لجميع المغاربة. وبين الأم التي تنتظر ابنها، والوطن الذي يتسع لأبنائه جميعا، يبقى الأمل قائما في أن يأتي يوم نحتسي فيه كوب شاي مع ناصر الزفزافي خارج أسوار السجن؛ في الرباط أو في الحسيمة، فذلك تفصيل صغير أمام معنى الحرية واللقاء.





