
مقال للدكتور بامعروف
يقال إن الكتاب يقرأ من عنوانه، لكن في حالة كتاب “أوثان السلفية التاريخية” للأستاذ عبد الخالق كلاب، فإن الكتاب يكاد يقرأ من زاوية الإضاءة ودرجة الفلتر على غلافه قبل أن يقرأ من عنوانه. فنحن لسنا أمام عتبة لبحث تاريخي رصين بقدر ما نحن أمام “بوستر” سينمائي لفيلم تشويق فكري، حيث يبدو أن إعادة قراءة التاريخ تبدأ أولا بضبط وضعية اليد تحت الذقن، ثم التحديق بعمق في المجهول.
غير أن الغلاف، بوصفه أول عتبة يتلقاها القارئ، لا يؤدي وظيفة التعريف بالكتاب فحسب، بل يقدم خطابا بصريا متكاملا يشي بكثير من رهانات المؤلف قبل الولوج إلى المتن. فطريقة توزيع العناصر، وحجم الصورة، ورمزية الألوان والإضاءة، كلها ليست تفاصيل اعتباطية، وإنما علامات دالة تستحق الوقوف عندها. وانطلاقا من ذلك، يمكن تفكيك هذا الخطاب البصري من خلال أربعة محاور رئيسة، تكشف كيف يتحول الغلاف من مجرد واجهة للكتاب إلى بيان بصري يحمل مواقف منهجية ورهانات سجالية.
اولا: “الأنا” الصارخة… حين يتجسد التاريخ في ملامح المؤلف
في العادة، تتوارى أغلفة كتب التاريخ خلف هيبة المادة العلمية، فتكتفي بنقش مرابطي، أو مخطوط موحدي، أو حتى خريطة باهتة للمغرب الأقصى. أما هنا، فقد قرر الدكتور كلاب أن “المركزية المغربية” التي يدعو إليها لا تكتمل إلا بمركزية وجهه الشخصي.
تتوسط صورة المؤلف الغلاف بحجم أقرب إلى “الأيقونة”، وفي وضعية “المفكر” التي توحي ضمنيا برسالة مفادها: “لا تبحثوا في الوثائق، بل انظروا إلي، فأنا المصدر، وأنا المنهج. وهكذا تتحول صورة الباحث من عنصر تعريفي إلى مركز الثقل البصري، بما قد يفهم منه انتقال البحث من جهد علمي تراكمي إلى بيان فردي، وكأن التاريخ المغربي ظل ينتظر هذه اللحظة ليعاد تقديمه تحت إضاءة استوديو احترافية.
ثانيا: سادية السلاسل… كيف نجلد المصدر ثم نستشهد به؟
إذا كانت صورة المؤلف تستحوذ على مركز الغلاف، فإن المشهد السفلي يمثل ذروة المفارقة البصرية، إذ تظهر كتب قديمة مكبلة بالسلاسل الحديدية، بينما يضع المؤلف يده فوقها في هيئة أقرب إلى “المايسترو” أو “المحرر”.
ومن هنا تنشأ المفارقة الساخرة؛ فالكتب التي تصور بصريا بوصفها “أوثانا سلفية” هي نفسها التي يعود إليها المؤلف، داخل صفحات الكتاب، ليستقي منها الوقائع والأسماء والتواريخ. وبذلك تنشأ علاقة متناقضة مع المصدر: يدان رمزيا على الغلاف، ثم يستدعى معرفيا في المتن. وهذا يثير سؤالا منهجيا مشروعا: كيف يمكن اعتبار المادة الخام للبحث ”صنما” يستحق التقييد، ثم اعتبارها في الوقت نفسه حجة يبنى عليها الاستدلال؟
ثالثا: إخراج درامي… والمنهج في “العناية المركزة”
ولا تقف الرسائل البصرية عند حدود العناصر الظاهرة، بل تمتد إلى توزيع الإضاءة نفسه؛ إذ يتركز الضوء الساطع على جبهة المؤلف، بينما تغرق الكتب والمصادر في الظلال والسلاسل. وكأن الغلاف يريد أن يقول، من دون تصريح: **النور هنا… والظلام هناك.**
هذا الإخراج الدرامي يراهن على صناعة صورة *البطل المنقذ* الذي سيحرر العقل المغربي من التبعية للمشرق. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا التحرير يقدم بأدوات بصرية حديثة ذات طابع عالمي، من إضاءة استعراضية ومعالجة رقمية ووضعيات تصوير معاصرة، في حين يغيب عن الغلاف أي حضور واضح للرموز المادية التي تحيل مباشرة إلى التاريخ المغربي الذي يعلن المؤلف الدفاع عنه. ومن هنا يبرز التساؤل: أين تتجلى “تمغربيت” في هذا البناء البصري؟
رابعا: صناعة “صنم” لمحاربة “الأوثان”
تتجسد المفارقة الأخيرة في العلاقة بين العنوان والصورة، فالعنوان يعلن الحرب على *الأوثان*، بينما يبدو الغلاف، في نظر الناقد، منشغلا ببناء أيقونة جديدة.
ومن هذا المنظور، قد يفهم أن المشروع لا يكتفي بنقد “السلفية التاريخية”، بل يوشك أن يؤسس لمرجعية شخصية يصبح فيها حضور المؤلف هو العنصر الأكثر بروزا. فالباحث، في التقليد الأكاديمي، يتوارى عادة خلف وثيقته، أما هنا فيبدو أن الوثيقة هي التي تتوارى خلف صورة الباحث. وعليه، قد تقرأ هذه العتبة البصرية باعتبارها مؤشرا على أن المعركة ليست تاريخية فحسب، بل هي أيضا سجالية، يتداخل فيها النقاش الفكري مع إبراز الحضور الشخصي في المجال الثقافي.
خلاصة: التاريخ ليس عرض أزياء
في المحصلة، يبدو غلاف “أوثان السلفية التاريخية” إعلانا عن انتقال مركز الجاذبية من الوثيقة إلى الصورة، ومن الأرشيف إلى الكاريزما البصرية. فبدلا من أن يتصدر الدليل المشهد، يتقدم المؤلف إلى الواجهة، فيما تترك المصادر في الخلفية، مثقلة بالسلاسل والظلال.
ولعل التاريخ، في نهاية المطاف، لا يحسم بعدسات الكاميرا ولا بتقنيات الإخراج البصري، وإنما بقوة الحجة، ودقة التوثيق، وتماسك المنهج. أما السلاسل التي قيدت بها الكتب على الغلاف، فإنها قد تقرأ رمزيا بوصفها لا تحرر التاريخ بقدر ما تثير أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الباحث ومصادره.
وباختصار، إذا أراد القارئ أن يستشف طبيعة المشروع من غلافه، فلعل أول ما يلفت نظره ليس الكتب المكبلة في الأسفل، بل مركز الضوء المسلط على صورة المؤلف؛ فهناك، بحسب هذه القراءة، تتكثف الرسالة البصرية التي يسعى الغلاف إلى إيصالها.





