الواجهةمجرد رأي

أيهما أغلى: حياة البشر أم الحجر؟

عبد الرحيم بلار يكتب:
قرأت تعليقا للأخ يوسف الساكت، عن معاناة الأمهات والٱباء في وجود معدات طبية للأطفال الخدج بالمستشفيات العمومية بالدار البيضاء الكبرى.. فقررت أن أنبه المسؤولين على هذا القطاع الحيوي وقطاع أخرى.. إلى هذا الجرم الكبير.
…في قلب مدينة من أكبر حواضر المملكة، الدار البيضاء الكبرى، تُسجل المفارقة العجيبة التي تعكس عمق الخلل في أولويات السياسات العمومية. كيف يُعقل أن نعجز، في القرن الواحد والعشرين، عن توفير قنينات تنفس وأبسط التجهيزات لأطفال خدج، ونعجز عن تأمين حاضنات كافية، وأجهزة مراقبة تساعد على إبقاء هؤلاء المواليد على قيد الحياة، بينما تُصرف المليارات على مهرجانات، وأضرحة، وملاعب رياضية تُشيّد بسرعة البرق؟
لقد تحوّلت الحياة البشرية إلى مجرد رقم في تقارير رسمية، بينما توضع البنية التحتية الفاخرة في الواجهة، لتُجمّل الصورة في نشرات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي. فالطفل الخديج، الذي يولد قبل أوانه، يحتاج إلى رعاية دقيقة، ومتابعة طبية حثيثة، وتجهيزات دقيقة، لأن كل دقيقة تمضي قد تكون الفاصلة بين الحياة والموت. ومع ذلك، لا تزال المستشفيات العمومية تعاني من نقصٍ مهول في هذه المعدات، بل وحتى في الأطر الطبية المتخصصة. أليس من حق هؤلاء الأطفال أن يُمنحوا فرصة للحياة، كما يُمنح الحجر فرصة للبريق؟
لقد شاهدنا جميعًا الاحتفاء الكبير الذي رافق تدشين ملعب مولاي عبد الله بالرباط، ذلك الصرح الرياضي الذي فاقت كلفته المليارات، والذي أُنجز بسرعة فائقة. لا أحد يُنكر أهمية الرياضة في التنمية المجتمعية، لكن كيف نفسر هذا التناقض الصارخ: منشآت تُبنى بسرعة البرق، وأطفال يموتون ببطء في حضن الإهمال؟ هل حقًا أصبحت حياة المواطن المغربي أقل قيمة من كراسٍ في ملعب أو ديكور في مهرجان؟
أما المدرسة العمومية، فهي الأخرى تعاني في صمت. في كل موسم دراسي، يُجبر آلاف الآباء على الاصطفاف أمام المدارس من أجل تسجيل أبنائهم، وسط فوضى وسوء تنظيم وغياب للمعلومة. وحتى بعد التسجيل، تبدأ معاناة أخرى مع غلاء الأدوات المدرسية، والكتب، والمقررات، التي أصبحت عبئًا ماليًا حقيقيًا على الأسر، في ظل الغلاء الفاحش وتدهور القدرة الشرائية.
ومع انسحاب الدولة التدريجي من تمويل التعليم، يجد المواطن نفسه بين نارَين: إما القبول بجودة متدنية في التعليم العمومي، أو التضحية بميزانية الأسرة لتسجيل أبنائه في التعليم الخصوصي، الذي بدوره أصبح تجاريًا، يُحدد الأسعار كما يشاء، دون رقابة تُذكر.
في المقابل، تُخصص ميزانيات ضخمة للمهرجانات، والزوايا، والاحتفالات التي لا يلمس المواطن أثرها المباشر، في الوقت الذي يُنتظر من الدولة أن تُولي العناية القصوى للقطاعات الحيوية: الصحة، والتعليم، والسكن، والشغل.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح: لمن تُبنى هذه الملاعب والمهرجانات؟
أليس من حق أطفالنا الخدج أن يُمنحوا الحياة أولًا، قبل أن نحلم لهم بمستقبل في مدرجات الملاعب؟ أليس من واجب الدولة أن تضع الإنسان في قلب سياساتها، لا أن تضع الحجر فوق رأسه؟
إن المطلوب اليوم ليس فقط تحسين الخدمات، بل إعادة ترتيب الأولويات بشكل جذري، وفق رؤية تجعل من المواطن محورًا حقيقيًا للتنمية. فحياة البشر لا يجب أن تكون أرخص من الحجر، ولا قيمة لأي تنمية لا تُصان فيها كرامة الإنسان، ولا يُؤمّن فيها حقه في الحياة، والتعليم، والصحة.
خلاصة القول:
عندما تصبح قنينة الأوكسجين حلمًا، وحضانة الأطفال رفاهية، وتسجيل طفل في مدرسة معركة، بينما الملاعب تُنجز في شهور، والمهرجانات لا تتوقف، فإننا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل فقدت الحياة البشرية قيمتها في وطن لا يتوقف عن الاحتفال؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى