إحتفالية برشيد الحلقة السابعة “المطلب الثالث : تجليات الاحتفالية من خلال النصوص المسرحية”

إعداد عبد الرحيم مفكير

    يستدعي برشيد مسرحياته شخوصا من التراث والتاريخ العربي مثل ابن الرومي وعنترة وعطيل وامرئ القيس، ويفسر ذلك بأنه ليس هو من يعود في كتاباته المسرحية للتاريخ، ولكن هذا التاريخ هو الذي يعود إلي، أو يعود إلينا جميعا، لدرجة أنه يسكن معنا ونحن لا ندري، أو أنه يقيم داخلنا من غير أن نشعر بذلك، فنحن مخلوقات تاريخية، وهذا التاريخ هو ذاكرتنا الجماعية التي نقتسمها، ولا أحد يبدع إلا انطلاقا من الصور التي تختزنها هذه الذاكرة الحية، ويخطئ من يظن أن التاريخ هو الماضي، وأن ذلك الذي نسميه الماضي يمكن أن يمضي، إلى أين، وكل شيء يدور مع هذا الزمن الدوار ؟

    وأنا في حياتي وفي حياة مسرحي وفكري لا أميز بين الماضي والحاضر، وكل الأبعاد الزمنية تلتقي عندي في هذه اللحظة الحية التي نسميها “الآن”، ومن شرفات هذا “الآن” أطل على ذلك الذي كان، وأطل على ذلك الذي سوف يكون، ولولا هذه الرؤية الواسعة والرحبة لكنت مجرد كاتب تقارير، أو مجرد إعلامي أو إخباري فقط .

مسرحية “ابن الرومي في مدن الصفيح” لعبد الكريم برشيد :

    عالم تتداخل فيه الأزمان بشكل غريب،ويعيش الماضي في الحاضر،ويصبح هذا الحاضر متضمنا لكل الأزمان المختلفة.تتعدد العوالم في هذا العالم، … تتصادم وتعيش صراعا خفيا، بين عالم الشرق وعالم الغرب، بين عالم الأغنياء وعالم الفقراء، بين عالم الرجل وعالم المرأة … إنها عالم يحبل بالمتناقضات ويجسد كل مظاهر الصراع، بين العالم الكائن والعالم الممكن، بين عالم الأضواء وعالم الظلال، بين عالم الأجساد وعالم الأشباح، بين عالم الأحلام وعالم الأوهام، بين عالم المسرح وعالم ما وراء المسرح، بين عالم الوجوه وعالم الأقنعة … لكن في حقيقة الأمر لا وجود سوى لعالم واحد أوحد هو عالم الإنسان .

    المسرحية من أبرز الأعمال المسرحية للكاتب “عبد الكريم برشيد “، بدأ كتابتها في مدينة الخميسات ، في منتصف سبعينيات القرن العشرين، بالرباط في 1975م وانتهى منها في نهاية 1975-أي في نفس السنة- البيضاء، وقد تم نشرها في عديد المجّلات، المغربية والعربية .

    تعتبر مدن الصفيح أهم نص يجلي الاحتفالية، وهذا ما يؤكده برشيد ” إن مسرحية (ابن الرومي…) كعمل درامي يعتمد على فلسفة مغايرة وعلى تقنيات جديدة. وعلى اجتهادات جريئة في ميدان البناء الدرامي- لا يمكن تفسيرها إلا اعتمادا على الرجوع إلى الفكر الاحتفالي … إن مسرحية (ابن الرومي…) – كعمل إبداعي تلتقي مع هذه النظرية وتتوحد بها، وهذا شيء طبيعي. وذلك مادام أنهما معا – العمل  والتنظير- يصدران من منبع واحد. فالمسرحية تجسيد شامل لمفاهيم الواقعية الاحتفالية.” بل يؤكد على أنها أهم نموذج مسرحي يجسد النظرية  الاحتفالية .

    تشمل مسرحية “ابن الرومي في مدن الصفيح” سبع عشرة لوحة احتفالية تجسد عالمين: عالم الخيال وعالم الواقع.يدخل ابن دنيال صاحب خيال الظل بعربته الفنية ليقدم فرجته للجمهور مع ابنته دنيازاد التي تذكرنا بأسماء شخوص ألف ليلة وليلة. لكن المسئول عن الستارة يرفض السماح له بالدخول مادام العرض المسرحي لم يبدأ؛ لكنه سيتعرف عليه بعد أن يكتشف أنه من كبار المخايلين المتخصصين في خيال الظل، وقد أتى إلى الركح من أوراق التراث الصفراء ليظهر ما لديه من الحكايات والمرايا بدلا من هذه المناظر والمشاهد التي يسعى أصحابها إلى بنائها جاهدين، وفيها يفصلون الأغنياء عن الفقراء، بينما المسرح حفل واحتفال ومشاركة جماعية : 

    “عامل الستار: سأرفع الستار ولكن ليس الآن. عمال المناظر لم يكملوا البناء بعد. 

    دنيال : عمال البناء … لكن، أي شيء يبنون الآن؟ أريد أن أعرف ذلك. 

    عامل الستار : لن ترى جديدا … 

    ابن دنيال : ماذا أسمع ؟ 

    عامل الستار : فمنذ كان المسرح والمناظر محصورة في شيئين. القصور للأغنياء… 

    ابن دانيال : .. والأكواخ للفقراء … 

    (تسمع الدقات التقليدية الثلاث، ينسحب عامل الستار)

    ويعرف ابن دنيال بنفسه وابنته ويقدمان نفسهما للجمهور كراويين سيقدمان له مجموعة من شخصيات خيال الظل قصد تسليته وإفادته، وأن ابن دنيال المخايل نزل من التاريخ المنسي إلى هامش الحاضر ليزرع بشارته وأمله في المستقبل : 

    ابن دنيال: أحبتي. أتيتكم من بين الصفحات الصفر الباليات. 

     من الزمن المعلب النائم فوق الرفوف. 
     كنت حرفا تائها. معلقا منشورا 
     فوق حبل الزمن 
     فجئتكم، كدفقة نور كموجة صوت 
     كليل يمطر أقمارا ونجوما ساطعات 
     كنت عمرا فقيرا، بذر في غيبة السمار زيته 
     فجئته الآن من قلب غمامة 
     أحمل حفنة زيت وفي القلب شرارة…”

    وبعد ذلك، يتحلق الأطفال حول عربة خيال الظل التي تنعكس في ستارتها الظلال والأضواء لتنسج أنفاسا احتفالية من الخيال والواقع، ولتعبر بحكاياها عن فئات مجتمع المدائن والأقطار قريبة كانت أو بعيدة بكل تناقضاتها الحياتية .

    وينتقل الكاتب من الخيال ومن لعبة خيال الظل إلى الواقع، واقع المدينة القصديرية ذات الأحياء الصفيحية حيث نلتقي بسكانها ولاسيما حمدان ورضوان وسعدان، هذه الطبقة الشعبية التي أنهكتها الظروف المزرية كالفقر والداء والبطالة وضغوطات الواقع التي لا تتوقف .

    يقصد المقدم هذه الفئة ليخبرها بضرورة الرحيل لتحويل هذا الحي الذي لا يناسبهم إلى فنادق سياحية جميلة تجذب السواح وتدر العملة الصعبة على البلد ريثما سيجد لهم المجلس البلدي مكانا لإيوائهم في أحسن الظروف. لكن أهل الحي رفضوا هذا المقترح وقرروا أن يكون موعد الرحيل من اختيارهم أنفسهم بدلا من أن يفرض عليهم من فوق وهو لا يخدمهم لا من قريب ولا من بعيد.وتدل الأسماء العلمية التي يحملها الثلاثة على السخرية والتهكم والمفارقة إذ يدل حمدان على الحمد وسعدان على السعادة و رضوان على الرضى على غرار عنوان المسرحية الذي يثير الحيرة والاستغراب المفارق .

    ويحاول ابن دنيال أن يستقطب أهل الحي وأطفاله الصغار لكي يقدم لهم فرجة تنعكس على خيال الظل بعوالمه الفنطاستيكية وشخصياته التاريخية والأسطورية؛ لكن هذه الحكايات والقصص لم تعد تثير فضول السامعين وتشد انتباههم. لأنها حسب دنيازاد بعيدة عن واقعهم الذي يعيشون فيه. لذلك اختارت دنيازاد أن يكون الموضوع قريبا من حقيقة المشاهدين يمس مشاكلهم ويعالج قضاياهم ويطرح همومهم، أي يكون المعطى الفني شعبيا. وهذا ما قرر ابن دنيال أن يفعله، أن يحكي لهم قصة الشاعر ابن الرومي في مدينة بغداد التي قد تكون قناعا لكل المدن المعاصرة كما يكون ابن الرومي الشاعر المثقف قناعا لكل المثقفين المعاصرين .

    “ابن دنيال: ابن الرومي الذي رسمته وقصصته بيدي ليس وليد بغداد التي تعرفون… شاعر الليلة يا سادتي قد يكون من باريز، من روما، من البيضاء، أو من وهران. قد يكون علي بن العباس أو قد يكون الشاعر لوركا. قد يكون المجذوب أو بابلونيرودا. قد يكون من حيكم هذا. قد يكون أنت أو أنت أو أنت، من يدري؟ قد يكون وقد يكون… سادتي… نرحل الآن إلى بغداد- الرمز” .

    وبعد ذلك، ينقلنا ابن دنيال عبر صور خيال الظل وظلاله إلى بغداد المعاصرة بأكواخها الفقيرة وأحيائها القصديرية ومنازلها الصفيحية لنجد ابن الرومي منغلقا على نفسه منطويا على ذاته لا يريد أن يفتح بابه على العالم الخارجي ليرى الواقع على حقيقته:  “هل أفتح الباب أو لا أفتحه ؟ هل أفتحه ؟

    يومك يا ابن الرومي لغز محير، وأحلامك يا ضيعتي رموز غامضة… أحيا بين رمز ولغز.”

    ويزداد ابن الرومي الشاعر المنكمش الخائف على نفسه من العالم الخارجي تشاؤما وتطيرا من الوجوه التي كان يجاورها في حيه الشعبي المتواضع:  أشعب المغفل الذي يتهمه ابن الرومي بالغيبة والنميمة ونقل الأخبار بين الناس والتطفل عليهم وجحظة الحلاق الذي كان يزعجه بأغانيه المستهجنة ودعبل الأحدب بائع العطور والمناديل الذي يعتبره وجه النحس والشقاء وعيسى البخيل الإسكافي العجوز الذي كان يعتبره رمزا للشح والتقتير.كل هذه الوجوه الشقية المنحوسة كان يتهرب منها الشاعر العالم، ويكره العالم لأنه لم يجد إلا بيتا يطل على البؤساء والأشقياء والمعوقين والفقراء التعسين.لذا، أغلق بابه على هؤلاء الناس ولم يتركه مفتوحا إلا للذين يغدقون عليه بالنعم والفضائل من أمثال الممدوحين والأغنياء ورجال السلطة والأعيان خاصة رئيس المجلس البلدي. ويقصد الشاعر بيت عمته الرباب باحثا عن جارية حسناء ترافقه في دهاليز الحياة وتسليه في دروبها المظلمة الدكناء. ولم يجد سوى عريب الشاعرة الجميلة التي دفع فيها كل ما اكتسبه من شعره ومدحه قصد الظفر بها عشيقة وأنيسة تشاركه سواد الليالي ووحدته المملة القاتلة في كوخه الذي لا يسعد أي إنسان ولاسيما أنه يجاور دكاكين الجيران المنحوسين الأشرار. مما جعله يعاني من عقدة التطير والانطواء على الذات والهروب من بغداد المدينة وعالمها الخارجي ليعيش حياته في أحضان عريب سلطانة الحسن والدلال بكل حواسه: “وبعد هذا يا ضيوف المخايل وعشاق الخيال…

    سار الشاعر الحزين وعريب خلفه… سارا إلى حيث لا نور، لامسك، لا ريحان، ولا وسائد، سارا إلى أكواخ الخشب والقصدير، إلى حيث النور شموع والفرش حصير . 

    وصل الشاعر، أغلق خلفه كل ثقب وباب، وأقام أزمانا في حضرة الجارية قيام أهل النسك في المحراب” .

    وسيتحول ابن الرومي من شاعر مثقف إلى شاعر انتهازي متكسب لا يهمه سوى الحصول على الأعطيات والمنح من رجال الجاه والسيادة والسلطة حيث سيشتري رئيس المجلس البلدي ذمته بكتابة قصيدة شعرية يصور فيها بؤس الحي الصفيحي الذي يعيش فيه مع أولائك المنحوسين الأشقياء قصد طردهم من هذا الحي وهدم أكواخه التي يتعشش فيها الفقر والداء والبؤس والنحس قصد بناء فنادق سياحية تجلب العملة الصعبة لحكام بغداد الأثرياء وأعوانهم :

    “الخادم يا زمان : .. المهم يا ابن الرومي أن المجلس البلدي قد اتخذ قرارا بهدم هذا الحي … لا تنزعج على بيتك، سيكون لك ما هو أحسن، نعم، لقد فكروا فيك جيدا. ستتحول هذه الأكواخ الحقيرة إلى مركب سياحي ضخم يأتيه السواح الأغنياء من نيسابور وجرجان وفاس وصقلية. ستمطره ألوان من العملة الآتية من أركاديا وفينيقيا وقرطاج، هل تعلم؟ إن المجلس البلدي لا يطلب منك شيئا كثيرا. نعم، لاشيء غير أبيات من الشعر. أبيات تصور الحي الحقير وأهله. أنت تؤمن بالشؤم، أليس كذلك؟ تؤمن بأن متاعبك آتية من هذه الأكواخ الوسخة. من دعبل الأحدب، من جحظة المغني، من عيسى البخيل، من أشعب المغفل، من كل الصعاليك والمشردين، هذه فرصتك يا ابن الرومي للتخلص- وإلى الأبد- من شؤم هذا الحي ونحسه..” .

    ويستمر ابن الرومي في تطيره ونحسه حيث لا يفتح الباب مطلقا ليعرف ماذا وراء عالمه الداخلي المقفل؛ بل كان يطل على الواقع الموضوعي من ثقب صغير في الباب، وكان لا يرى من بغداد سوى جيرانه الأشقياء التعساء فيزداد تشاؤما إلى تشاؤم، فتسود الحياة في وجهه لولا الحب الذي تغدقه عليه جاريته الحسناء والأحلام اللذيذة التي تسعده في منامه ويقظته :

    “أشعب المغفل: ولم لا؟ لقد قلتها دائما وما صدقتم. الشاعر أقدامه في التراب مثلنا ولكن رأسه في السحاب . 

    دعبل الأحدب: من أجل هذا إذن، أقفل الباب خلفه. 
    جحظة المعني: الملعون، وأنا من تصورته كل صباح ينهض من فراشه، يلبس أثوابه ثم يطل على بغداد من ثقب المفتاح. 
    عيسى البخيل: ومن الثقب يا جحظة ماذا يرى الشاعر؟ 
    عيسى البخيل: ماذا يمكن أن يرى غير دعبل الأحدب القاعد صباح مساء بلا بيع ولا شراء؟   

    دعبل الأحدب: أما أنا فقد تصورته يا رفقتي يقوم كل صبح وفي عينيه حلم أخضر. يترك الوسادة وعلى شفاهه بقايا ابتسام الأحلام. يقوم الشاعر وفي قلبه شوق إلى بغداد فيكون أول شيء يسمعه هو صوت جحظة، فيعود المسكين إلى فراشه، يخلع ملابسه وفي قلبه خوف من يوم نحس… أعوذ بالله من يوم غرته صوت جحظة. ثم يتلو القرآن ويعلق التمائم ويقرأ اللطيف… يا لطيف..يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف…”

    وينتقل ابن الرومي كما قدمه الراوي من شاعر متشائم متكسب إلى شاعر حالم مستلب ومغترب عن واقعه الخارجي، يعيش الخيال في واقعه يركب السحاب وهو معلق بالتراب الأرضي وكوخه الحقير يتأفف من جيرانه الذين يحبونه ويشعرون به أيما شعور وإحساس: 

    “عدتم من جديد، أنتم عذابي الذي يمشي وينطق، متى تفهمون أن حضوركم يسرق النور من أيامي؟ أجيبوني! أليس من حقي أن أحيا ككل الناس؟ ماذا أذنبت في حق السماء؟ ماذا أذنبت في حقكم؟ اغربوا عن وجهي واتركوني أجتر عذابي… إليكم عني.. ابتعدوا عن بابي وأعتابي، لقد لوثتم الضياء والهواء… اتركوني، اتركوني.”

    وسيتصالح ابن الرومي مع جيرانه الذين قرروا الارتحال بعيدين عنه حتى يكون سعيدا في حياته ماداموا قد أصبحوا في رأيه رموز الشر والنحس والتطير والتشاؤم. لكن ابن الرومي سيتعلم درسا مفيدا من عريب- صارت حرة بعد انعتاقها من الرق وعبودية العقود المزيفة- التي اختارت أن تعيش معه بشرط أن يفتح بابه للآخرين وجيرانه الذين هم ضحايا الواقع والاستلاب والاستغلال طغمة الجاه والسلطة، وأن تعيش معه في هذا الحي الشعبي مع هؤلاء الناس الطيبين الأبرياء الذين همشوا من قبل المسئولين وأصحاب القرار الذين يريدون ترحيلهم قصد الاستيلاء على ممتلكاتهم وحيهم الذي يسكنون فيه لاستثماره في مآربهم الشخصية: 
    “عريب: لقد منحتني حق الاختيار وقد اخترت. اخترت أن أكون إلى جوارك، إلى جوار دعبل وعيسى وجحظة وأشعب وغير هؤلاء. إنني أراك واقفا في بركة ماء وعيونك فوق…سجين بغداد وأشياخها وسجين نفسك…ابن الرومي، إنني أشفق عليك من…”

    وسيصبح ابن الرومي شاعرا ثائرا يتصالح مع جيرانه ويمنعهم من الرحيل ويعترف بأخطائه الجسيمة التي ارتكبها في حقهم وبأن سماسرة السراب هم المسئولون عن هذا الاستلاب والتخدير الاجتماعي ووعدهم أن يكونوا يدا واحدة في وجه المستغلين وبائعي الأحلام الزائفة: 

    “ابن الرومي: عيسى، جحظة، دعبل، أشعب، اقتربوا. هذا قلبي التعس أنشره عند أقدامكم سجادا وبساطا. اقتربوا … 

    جحظة المغني: (بارتياب) ما هذا الكلام الزائد؟ 

    عيسى البخيل: هل أنت بخير يا ابن الرومي؟ 

    ابن الرومي: نعم، لأول مرة أشعر بأنني أحيا وأتنفس وأرى. اقتربوا، اقتربوا يا من في أحداقكم أقرأ مافي القلب. قلوبكم ناصعة ظاهرة. أراها منشورة أمام الكل على حبل الغسيل… أشعب، يا رسول الحي وقلبه، لست فضوليا. نعم، لأنك الجزء والكل. أنت روح بغداد، الظل، بغداد الفقراء… وأنت ياجحظة، ياكروان حي الصفيح، غنيت عذابنا وشقاءنا، غنيت أفراحنا… وأنت يا دعبل … 

    دعبل الأحدب: سأرحل كما ودعتك يا ابن الرومي. 

    ابن الرومي: لا بل ستبقى، نعم، أخاف عليك من العراء. أخاف من قبضة السماسرة. ستبقى. سيبقى الجميع. وليذهب الخادم يا زمان إلى الجحيم… 

عيسى البخيل: يا زمان؟!هذا الاسم جديد على سمعنا يا ابن الرومي.. 
ابن الرومي: سأحدثكم عنه، ولكم ليس الآن… وأنت يا عيسى؟ 
عيسى البخيل: لست بخيلا يا ابن الرومي. صدقني… 
ابن الرومي: أصدقك…”

وتختار عريب في الأخير أن تدفع الشاعر لمعرفة العالم الخارجي قصد تحريره من خياله وأوهامه وأحلامه وانكماشه الداخلي واغترابه الذاتي والمكاني، فأرسلته ليبحث لها عن خلخاله الذي ضاع منها في السوق؛ وبعد تردد وتجاهل قرر ابن الرومي أن ينزل عند رغبة عريب وأن يبحث لها عن خلخالها: 
“عريب: (تحدث نفسها في حزن) يا الله! ماذا فعلت؟ بعثت به إلى السوق لا ليعود بالخلخال ولكن لأحرره من نفسه وأوهامه. تراني فعلت خيرا أم ارتكبت خطأ قاتلا؟ لست أدري.. لست أدري…”

ويعود الكاتب إلى خيال الظل وصاحبه ابن دنيال الذي ثار عليه المشاهدون من أهل الحي القصديري؛ لأنهم لم يمنحهم الحلول ويخبرهم عن ابن الرومي الثائر الذي خرج إلى السوق والعالم الخارجي باحثا عن الخلخال الضائع. لكن ابنته دنيازاد وهي من جيل الحاضر على عكس أبيها الذي مازال يعيش أحلام الماضي الأصفر تدعو إلى الثورة والنضال والتغيير والتظاهر من أجل الدفاع عن الحقوق المشروعة فتختار الحركة بدلا من اللفظ البراق والشعارات الجوفاء:
“ابن دانيال: دنيازاد، إلى أين تذهبين يا ابنتي؟ 
دنيازاد: أين أذهب؟ أذهب إلى حيث يذهب هؤلاء. 
ابن دانيال: ولكننا لسنا منهم، نحن من عالم آخر… 
دنيازاد: أنت واهم يا أبي، ليس هناك إلا عالم واحد ومدينة واحدة…الكلمة التي تفتقر إلى الحركة هي كلمة زائفة تماما كعملة بلا رصيد. وجودنا داخل المدينة وعذابها أشياء لا يمكن القفز فوقها. تعال يا أبي.. عذاب الفقراء ما كان يوما فرجة ولن يكون أبدا…تعال….(تمد يدها لابن دانيال. يتردد هذا لحظة لم يعطيها يده).”
تجسد المسرحية ، حسب الدكتور جميل حمداوي ،تقابلا بين عالمين:  عالم الكلمة وعالم الحركة، وبين عالم الخيال الحلمي والواقع المدقع، إنها ثنائية جدلية تصور صراع المثقف العربي مع السلطة والواقع وأخيه الإنسان. لقد لاحظنا أن ابن الرومي عبر المسرحية مر بعدة مراحل: 
1- ابن الرومي الشاعر المتشائم المنكمش 
2- ابن الرومي الشاعر العاشق
3- ابن الرومي الشاعر المتكسب والمستلب
4- ابن الرومي الشاعر الثائر المتحرر من أوهامه 
فبعد الموت والضياع والاستلاب والانكماش الذاتي والموضوعي يعود الشاعر إلى الحياة مرة أخرى شاعرا جديدا يعانق قضايا الناس وهمومهم ويكابد آلامهم ومعاناتهم ويحارب معهم سماسرة الزيف والسراب، إنه يموت لينبعث من جديد على غرار أسطورة العنقاء التي قوامها الاحتراق والموت والتجدد مرة أخرى بفضل فلسفة عشيقته عريب التي اقترحت عليه أن يتيه في العالم الخارجي ليعرف الواقع على حقيقته الواضحة بدون تزويق أو قناع. ويقول عبد الكريم برشيد بأن هذه المسرحية شاملة ومركبة من عدة مستويات: “أقول هذا لأن المسرحية تعتمد على بناء مركب. بناء تجسده مستويات متعددة ومتناقضة- مستوى الواقع- ومستوى خيال الظل- الحقيقية- الحلم- الوعي- اللاوعي- الحاضر- الماضي- أل (هنا)- أل (هناك) ويمكن أن نحصر كل هذا المستويات وأن نختصرها في مستويين اثنين أساسين: – مستوى الواقع. حيث الأحداث داخل حي قصديري منتزع من نفس المدينة التي تعرض بها المسرحية ومن نفس زماننا. – أما المستوى الثاني فيدور داخل صندوق خيال الظل. وهو صندوق المخايل شمس الدين بن دانيال وابنته دنيازاد. فيما بينهما وعلى هذا الأساس فإن قصة ابن الرومي لا يمكن أن ينظر إليها نظرة واحدة موحدة…”

ويتبين أن مسرحية ابن الرومي في مدن الصفيح مسرحية متركبة من لوحتين منفصلتين: لوحة واقع المدينة بأحيائها القصديرية وبؤسها المأساوي وانتشار الفكر الاستغلالي والتفاوت الاجتماعي والطبقي (لوحة الواقع الاجتماعي) ولوحة ابن الرومي التي يعكسها التخييل الدرامي عن طريق خيال الظل (التخييل التاريخي والتراثي). وداخل هذا السرد التخييلي نجد صراعا بين راو يعيش على أنقاض الماضي والبطولة الضائعة وراو يعيش عصره ويعانق همومه مثل المثقف العضوي الذي تحدث عنه أنطونيو غرامشي.كما أن المسرحية تزاوج بين الأصالة “ابن الرومي- ابن دانيال” والمعاصرة “واقع المدينة”.وتبقى المدينة فضاء دراميا وسينوغرافيا لكثير من الكتابات المسرحية لما لهذا الفضاء المعاصر من آثار سلبية على الإنسان المعاصر بسبب الطابع التشييئي للعلاقات الإنسانية الناتجة عن الرأسمالية الجشعة والليبرالية الاقتصادية الفردية والعولمة التي صارت غولمة من شدة الاحتكار والتغريب والقضاء على الأصالة والخصوصيات الحضارية والفكرية للشعوب الضعيفة أو النامية كما نجد عند برشيد نفسه: امرؤ القيس في باريس،والنمرود في هوليود أو عند المسكيني الصغير: عودة عمر الخيام إلى المدينة المنسية والخروج من معرة النعمان وأهل المدينة الفاضلة لرضوان أحدادو ومرتجلة فاس لمحمد الكغاط ومدينة العميان لمحمد الوادي والهجرة من المدينة لعبد الكريم الطبال. 

إن مسرحية “ابن الرومي” تعري واقع دور الصفيح  في علاقته مع السلطة، وتتجلى مظاهر الاستخفاف بالمواطن البسيط، التجاء السلطة إلى طرد الفقراء من مساكنهم في دور الصفيح دون منحهم مساكن بديلة عنها، لأن دور الصفيح في نظر السلطة تشوه وجه المدينة. لذا تأمر بهدم الأسواق، وإخلاء الساحات العمومية من أجل تشييد الفنادق السياحية الضخمة، لتجميل وجه المدينة أمام المستثمرين والسياح الأجانب. ويلتجئ المقدم كخطوة أولى إلى خطاب الإغراء، والمهادنة، والضرب على الوتر الخلقي عند سكان حي القصدير، فيصبغ عليهم أفضل المزايا والصفات. لكن السكان يتمسكون بحيهم القصديري رغم كل الإغراءات والوعود. فتلتجئ السلطة إلى التهديد والتلويح بالقوة.

المقدم: …وعليه فلابد من إفراغ حي القصدير حالا حتى يمكن هدمه

وبناؤه فنادق سياحية جميلة. فكّروا في السواح والدولار  والدينار.. فكّروا..

وتحاول السلطة في جذب الشاعر ابن الرومي إلى صفها، وإبعاده عن سكان حي القصدير المزمع هدمه. وتستخدمه للترويج لحملتها في إقناع سكان الحي بإخلاء مساكنهم. ولهذه الغاية تطلب من الشاعر الإقرار بعدم صلاحيته. وهي تريد الإبقاء عليه فقيرا حتى ترغمه الحاجة إلى القبول بمدح رئيس المجلس البلدي، فتدفع له المال مقابل صمته وموافقته.

خ.يا زمان: أما الآن فقد أصبحت خادما لرئيس المجلس البلدي.أتولى تسيير

شؤونه المالية والعاطفية أيضا. لقد جئتك منذ أيام يا ابن الرومي.. هل تذكر؟

ابن الرومي: نعم ونقلت إلي منحة مهمة.

الرجل 2: لقد أخذت يا ابن الرومي…

خ . يا زمان: .. وجاء دورك في العطاء..

ابن الرومي: ليس لي غير الكلمات ..

خ. يا زمان: وسيدي لا يريد غيرها. فتجارته شراء الأصوات

والكلمات وفي بعض الأحيان يشتري الصمت أيضا.

وتستحضر مسرحية (ابن الرومي في مدن الصفيح) المعري، وكتابه (رسالة الغفران) والمحاكمة التي أجراها ابن القارح للشعراء والكتاب في الدار الآخرة. وعلى غرار ذلك، يحاكم دعبل وجحظة، وعيسى الإسكافي بتهمة البخل وكنز الذهب، والأموال في مشهد يفترض أنه يجري في يوم القيامة. إلا أن هذه المحاكمة لم تكن إلا محاولة لإدانة صفة البخل التي ذكرها ابن الرومي عن البخيل في شعره.

الصراع في المسرحية:

وقد انتقل الصّراع من ميدان لآخر، تبعا لتطور مفهوم القوى المعارضة للإنسان. فإذا كان الإنسان اليوناني يعتقد في الآلهة والقضاء، ويعتبر أنها القوى المسيطرة على مصيره والمعارضة له، فإن الإنسان المعاصر أصبح ينظر إلى القوى السياسية، والاجتماعية، والنفسية، على أنها هي القوى المعارضة له. ومن هنا يجيء اختيار نوع الصراع في الدراما المعاصرة، بناء على رؤية العصر والجمهور.

*الصراع الخارجي

يرى برادلي أن “أي صراع روحي يشتمل على ضياع روحي هو صراع مأساوي”. والصراع الذي نصادفه في هذه المسرحيات هو صراع إرادي. فهو لا يحدث بالصدفة، بل يخضع لمبدإ الحتمية. ومن هنا كانت الشخصيات ذات البعد التراجيدي تعي مسؤوليتها نحو أفعالها، فتتصرف من أجل تأكيد وجودها الإنساني، عن طريق ممارسة الحرية في أفعالها.

*الصراع الداخلي (النفسي)

وجدنا هذا النوع من الصراع في مسرحية: (ابن الرومي في مدن الصفيح)، فهو يعيش صراعا داخليا نفسيا. ففي نفسه تتنازع رغبة الإقبال والإحجام عن الحياة. فهو يعيش صراعا تراجيديا بين ما يفرضه عليه الواقع، وبين ما يتطلع إليه. وفي مستوى آخر لصراعه الداخلي، يتردد ابن الرومي بين مدح رئيس المجلس البلدي، وقبول الهدايا، والخروج من الحي، والظفر بالجارية عريب، وبين رفض الإغراءات المادية والمعنوية. وينتهي هذا الصراع بخروج ابن الرومي إلى الحياة، وإعلان المصالحة مع ذاته ومع الحي.

التقنيات المستخدمة في النص:

لقد استخدم الكاتب في مسرحية، الكثير من التقنيات المستحدثة في المسرح العالمي والعربي، منها: خيال الظل، والحلم، والبناء التركيبي، وتكسير الإيهام المسرحي، وإلغاء الفصل بين الخشبة والصالة، والمزج بين حكايتين في تأليف الوحدة الدرامية، وتقسيم الخشبة على المستوى السينوغرافي إلى فضاءات متعددة، وتعدد الأزمنة والأمكنة لخلق التغريب المسرحي… بالإضافة إلى التنويع في الفضاءات الدرامية، والسينوغرافية..

وعلى مستوى البناء الدرامي، فإننا وجدنا أن (برشيد) يعتمد البناء التركيبي الذي يقوم على تقديم فعلين اثنين في وقت واحد، في مكانين وزمانين مختلفين. كما يقوم على كسر قوانين الزمان والمكان بتداخل الماضي والحاضر، والخروج على جري الزمن المتسلسل. وهكذا، فإن البناء تؤسسه حكاية أولى هي حكاية حمدان، ورضوان، وسعدان داخل الحي المهدد بالهدم من طرف المجلس البلدي، وحكاية ابن الرومي مع جيرانه في حي من أحياء بغداد الفقيرة. وتقوم حكاية ابن الرومي شاهدة وشارحة لحكاية تحدث في واقع الشخصيات التي تروى لها حكاية الشاعر العباسي. كما يقوم عصره شاهدا على واقع العصر الذي تعرض فيه المسرحية. فالحكايتان تختلفان من حيث الزمن والمكان، لكنهما تكادان تتماثلان في الأحداث والشخصيات.

ويتعرض السرد الدرامي للتوقف والاستئناف في الكثير من الأحيان، بواسطة تقنيات متنوعة منها: الحلم، والمحاكمة، وانتقال الحدث من فضاء إلى آخر، وتدخّل المجموعة، وتقديم فعلين اثنين في وقت واحد بوسيلة تقسيم الخشبة إلى مستويين، أو بوسيلة المشاهد القصيرة، والتكثيف الشعري، عن طريق الصورة الشعرية التي ترد في شعر ابن الرومي، أو في حوار الشخصيات الأخرى.

وتمثل حكاية (ابن الرومي) المعروضة بواسطة طيف الخيال، الصورة الفنية الرمزية للواقع العربي والمغربي. فتاريخ ابن الرومي، وتاريخ بغداد يمتدان في الحاضر والمستقبل. وبذلك تتلاشى المسافة بين التراث والحاضر، وبين الماضي والمستقبل ” لأن التراث هو نحن” كما يقول (عبد الكريم برشيد). وهكذا يعبر الموقف الفكري، والجمالي للمسرحية عن إرادة في فهم الواقع في ضوء التاريخ، وفهم التاريخ في ضوء الواقع.

إن مسرحية ابن الرومي هي مسرحية احتفالية اجتماعية واقعية جدلية تستحضر التراث لغربلته وتعريته لتشخيص عيوبه قصد إضاءته من جديد:  بناء وإصلاحا عبر النقد الذاتي والتغيير الداخلي. ويقول ال مصطفى رمضاني: “فبرشيد قد وظف شخصية ابن الرومي كرمز للمثقف العربي غير المتموضع طبقيا، لأنه يعيش أزمة التأرجح بين طموحاته الطبقية والإحباطات المتتالية التي يعيشها في المجتمع. لهذا وجدناه يصور ابن الرومي كشخصية مركبة:  ابن الرومي الوصولي، ابن الرومي العالم، ابن الرومي الثائر. فابن الرومي شخصية قد خلقها برشيد من خياله حقا. ولكن من المؤكد أن لها ما يعادلها في الواقع. ثم إن المبدع ليس مطالبا باستنساخ هذا الواقع حتى نطالبه بأن يعكسه لنا عكسا فوتوغرافيا. فالواقع معطى تاريخي ولكنه أيضا حركة لا تعرف الاستقرار. لهذا فالمبدع مطالب بتشريحه في أبعاده المختلفة والمعقدة عبر متغيراته وثوابته من أجل تغييره وخلق المستقبل”. 

إن المسرح  الاحتفالي حسب رمضاني ، يعتمد  على: “تقنيات بسيطة وموحية، فالديكور ينبغي أن يكون وظيفيا ودالا، والإنارة تأخذ بعدا سيميولوجيا وكذا التمويج ولا وجود للإكسسوارات إلا إذا كانت وظيفية، أيضا لهذا يكون الاقتصاد في هذا المستوى السينوغرافي ضروريا لأن طاقة الممثل الجسدية هي الأساس في التواصل، أي أن التواصل الاحتفالي ينبغي أن يعتمد على طاقات حية وإنسانية من خلال اللغة والحركة والحوار.”

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

الكويت تسمّي نواف الأحمد الصباح أميرا للبلاد تعرّف إليه

الكويت تسمّي نواف الأحمد الصباح أميرا للبلاد تعرّف إليه