إستكمال مسار وانتهاء مشوار

بقلم أبو أيوب

    الجزائر تعلن الحداد لثلاثة أيام بعد وفاة نائب وزير الدفاع ورئيس هياة الأركان الفريق أحمد قايد صالح، وبالنسبة للجيش تم تمديد فترة الحداد لسبعة أيام، مباشرة بعد النعي تم تعيين الفريق سعيد شنقريحة بالإنابة مكان المتوفى . ومن غرائب الصدف تصادف نهاية المشوار مع استكمال المسار الذي أنتج تتويج رئيس جديد للبلاد بعد حوالي عشرة أشهر منذ بداية الحراك الجزائري . 
    من إنجازات الراحل رغم ما قيل وأشيع … أن ولا قطرة دم أسيلت ولا أرواح أزهقت بالرغم مما حفلت به مواقع التواصل الإجتماعي من سب و قذف … في حق شخص المتوفى، عدم الإيعاز للجيش بالتدخل للزيغ بسلمية الحراك إلى العنف والعنف المضاد، جنب الجزائر السقوط في شراك ما كان يخطط له من عشرية جديدة سوداء إيذانا بتدخلات خارجية . 
    مواكبة المطالب الشعبية برفض العهدة الخامسة وإرغام الرئيس على الإستقالة، ومحاربة الفساد، فضلا عن اعتقال بعض من رموزه وتقديمهم للمحاكمة مع باقي أفراد العصابة، ناهيك عن تنقلاته المكوكية لكل النواحي العسكرية والإشراف المباشر على المناورات حماية للحدود وحفاظا على الأمن والإستقرار، كلها جمائل تحسب له لتنضاف إلى ما عاشه من تجارب منذ التحاقه، صغير السن، بصفوف جيش التحرير بداية 1954، وإلى حين تمكنه من جعل الجيش الجزائري من بين أفضل الجيوش العالمية “الرتبة 26  عالميا بحسب تصنيف مركز غلوبال فاير باور الأمريكي” .  
    من مواليد 1940 بمنطقة الأوراس منطلق ومعقل الثورة الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي، تلقى تكوينه العسكري ما بعد الإستقلال أيام الهواري بومدين  بالإتحاد السوفياتي السابق، شارك في الحرب العربية الإسرائيلية إلى جانب الجيش المصري إبان فترة حكم جمال عبد الناصر “حرب 1967″، يومها كانت مصر الشقيقة تعوزها المؤن والعتاد والسلاح بفعل الحصار الغربي لها، حصار غربي انطلق منذ ثورة الضباط الأحرار على الملك فاروق سنة 1952 “من تداعيات الحصار العدوان الثلاثي الإسرائيلي/ الفرنسي/ البريطاني على إثر تأميم قناة السويس”، ما جعل الرئيس بومدين يرسل عدة فيالق مدرعة ىمشاة وأسراب من طائرات الميغ دعما ومساندة أثناء حربي 67/73، بل بلغ به الأمر إلى حد توقيع شيك على بياض أثناء زيارته للإتحاد السوفياتي من أجل ضمان انسياب المقتنيات الحربية وتوفير الدخائر والسلاح لمصر . 
    اليوم وقبل انتهاء مدة الحداد المعلنة، يبادر الرئيس عبد المجيد تبون إلى تنصيب شخصية عسكرية أكثر تعنثا وتشددا وعداوة وصلابة ضد النفوذ الفرنسي بمنطقة شمال غرب إفريقيا، تنصيب الفريق سعيد شنقريحة على رأس الجيش الجزائري خلفا للراحل الفريق أحمد قايد صالح، إلى جانب كل من الفريق محمد قايدي رئيس جهاز المخابرات والفريق علي بن علي قائد الحرس الجمهوري، مما يعتبر في حد ذاته رسالة جوابية على الأيدي المغربية الممدودة وهو ما سوف يزيد من تفاقم الخلافات الثنائية، فما يجمع الإثنين المتوفى والمنصب عقيدتهما العدائية المتجدرة تجاه الجار الغربي المملكة المغربية فضلا عن مشاركتهما في الحروب العربية الإسرائيلية لسنتي 67/73  على رأس سلاح المشاة والمدرعات . 
    الفريق سعيد شنقريحة يعتبر من صقور الجيش الجزائري، إختصاصه سلاح المدرعات، تلقى تكوينه العسكري كما جرت عليه العادة بالإتحاد السوفياتي البائد، تقلب في عدة مناصب عسكرية قيادية ضمن تخصصه لكن يبقى أهمها داخليا، مشاركته  في العمليات القتالية ضد المجموعات الإرهابية بداية من سنة 1988، ثم تقلده قيادة الناحية العسكرية الثالثة بشار/ تندوف على الحدود المغربية الجزائرية وما ترمز إليه المنطقة من رمزية وحساسية لكلى الجانبين .
    عرف عنه تأييده الصريح لجبهة البوليساريو ولمناوراتها العسكرية التي تقوم بها في المناطق شرق الجدار الدفاعي المغربي، علاوة على تحركاتها أثناء تفجر أزمة معبر الكركرات عند محاولة بداية تعبيد الطريق نحو الحدود الموريتانية، تأييد بلغ حد نصب صواريخ باليستية وبطاريات صواريخ مضادة للطائرات قيل أنها الإس 400 المتطورة، فضلا عن تهديده الصريح للمغرب إن هو حاول التوغل في الأراضي شرق الجدار، فجاء التهديد كرسالة رد على تصريحات بعض السياسيين والنواب المغاربة “تصريحات السيد العثماني/ تصريحات أحد برلمانيي الأحرار والأصالة والمعاصرة سنة 2018 التي نادت بالإجتياح” . 
    الحقد الدفين للعسكرية الجارة الثلاثية الأضلاع “رئاسة الأركان/ قيادة المخابرات/ الحرس الجمهوري”، تنضاف في تناغم ملفت إلى توجهات القيادة السياسية الحالية “رئاسة الجمهورية”، ليصبح في الأخير عقيدة دولة راسخة مترسخة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقات الثنائية حتى إبان حرب الرمال …
    التصريحات الأخيرة للرئيس الجديد مضمونها تقوية العلاقات مع كل من تونس وموريتانيا ومصر وليبيا بمجرد وضع حد لأزمتها، على حساب الجار الغربي حيث أقصي من مبادرات التقارب والتعاون إلى أجل غير مسمى، وهو ما يعتبر إطباقا لحصار استراتيجي جيوسياسي مسلط على المغرب وعلى نفوذ فرنسا بالمنطقة المغاربية . 
    وعن سؤال وجه للرئيس التونسي قيس سعيد حول زيارته الأولى للخارج، أجاب بفصاحة لسانه العربي سوف تكون نحو الجزائر، نفس السؤال وجه للرئيس الجزائري الجديد الذي أجاب بتلقائية كون الزيارة الأولى سوف تكون صوب تونس، هذا ما يضفي طابع التنسيق المتناغم في المقاربات والرؤى ويؤشر على بداية تهالك القبضة الفرنسية في مستعمراتها السابقة بشمال إفريقيا .
    إحتراسا من الوضع الجديد الذى أفرزه حراك تونس والجزائر، وتوجسا من التقارب الثنائي المعلن بين الجانبين والقابل للتمدد شرقا في اتجاه مصر، وجنوبا في اتجاه كل من موريتانيا ومالي والنيجر والسنغال وساحل العاج “دول في مجملها فرانكوفونية …، سارعت فرنسا إلى إرسال وفد رفيع المستوى إلى تونس في محاولة لاستقراء النوايا والتطلعات، تبعتها أشارات وتلميحات للجانب الجزائري بطي صفحة الماضي والنظر نحو المستقبل، في الوقت التي استقبلت فيه العاهل المغربي في زيارته لباريس قصد التشاور في مسألة العلاقات الثنائية وما شابها من تأزم في الفترة الأخيرة . 
    السياسة الفرنسية الحالية في مجملها تؤشر لحالة إرباك وتخبط وارتباك على ضوء ما تعيشه الساحة الداخلية “السترات الصفراء …”، وما تعرفه مستعمراتها السابقة وحديقتها الخلفية بإفريقيا عموما “إنطلاق مناورات وتدريبا مشتركة بين أمريكا/ ساحل العاج مؤخرا لمحاربة الإرهاب استثنيت منها فرنسا، فضلا عن الإنتكاسة الفرنسية والخسائر العسكرية التي منيت بها مؤخرا سواء بشمال مالي أو جنوب الجزائر مثال”، لذا هي اليوم في سباق محموم  وهرولة من أجل إنقاد ما يمكن إنقاده في زمن التكتلات الإقتصادية “قمم إفريقيا مع الصين واليابان والهند وروسيا …”، والتحالفات الإستراتيجية العسكرية بشمال غرب إفريقيا “الجزائر/ روسيا/ الصين من خلال المناورات العسكرية البحرية بالأبيض المتوسط” . 
    أفق سنة 2020 يشير في مجمله إلى تحولات جيوستراتيجية عميقة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، سواء على صعيد الضفة الشمالية أو الجنوبية لن يسلم منها شرق المتوسط “سوريا/ لبنان/ فلسطين”، وهي بالمناسبة منطقة كانت تتحكم في مجملها فرنسا طبقا لاتفاقية سايس/ بيكو .
    كل المؤشرات تؤشر على تممد النفوذ الروسي الصيني غربا في اتجاه المحيط الأطلسي على حساب النفوذ الفرنسي، ما قد يجعل من البحر الأبيض المتوسط بحيرة روسية صينية بامتياز، وهذا ما يتخوف منه الغرب عموما وخاصة فرنسا على ضوء الموت السريري لحلف الناتو وأزمة بريطانيا أو ما يسمى بالبريكست، حيث أمست مكانة الإتحاد الأوروبي كقوة إقتصادية مؤثرة على صعيد مسرح السياسة العالمية في مهب الريح، فضلا عن بداية الإنعزالية والإنكفاءة الأمريكية وتقلص نفوذ وهيبة ومكانة الأخيرة في الساحة الدولية “أزمة الخليج/ إيران/ أمريكا مثال” .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

الدار البيضاء تم زوالا اليوم توقيف شخص من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في ارتكابه عملتي سرقة تحت التهديد على متن حافلتين للنقل العمومي

الدار البيضاء تم زوالاليوم توقيف شخص من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في ارتكابه عملتي سرقة ...