إعادة هيكلة صيد “السويلكة” بآسفي.. من “اقتصاد الظل” إلى المنظومة الرسمية
يُعتبر ميناء آسفي أحد أعمدة الاقتصاد البحري في المغرب، لكنه ظل لسنوات يشهد صراعاً صامتاً بين أنماط الصيد المهيكلة ونمط “السويلكة”. اليوم، ومع دخول قرار التصريح بالمصطادات حيز التنفيذ، يمر الميناء بمرحلة انتقالية تهدف إلى إنهاء حقبة “الفوضى المنظمة” وإدماج آلاف البحارة في الدورة الاقتصادية الرسمية.
لكن ما هي “السويلكة” ؟
بعيداً عن الجانب القانوني، “السويلكة” هي قوارب صيد تقليدية تستخدم شباكاً دائرية صغيرة (تُشبه تقنية صيد السردين في المراكب الكبيرة لكن بحجم أصغر).
وتعمل السويلكة على استهداف الأسماك السطحية الصغيرة (السردين، الأنشوبة، الشرن). وتتميز بالسرعة والقدرة على الوصول إلى مناطق قريبة من الشاطئ قد لا تصلها المراكب الكبيرة، مما يجعل مردوديتها اليومية عالية.
ترى ما هي الدوافع العميقة وراء قرار التقنين ؟
لم يكن القرار مجرد رغبة إدارية، بل جاء نتيجة تقاطع ثلاث أزمات :
- الأزمة الاجتماعية: وجود آلاف البحارة بدون “دفتر بحري” أو تغطية صحية (CNSS)، مما كان يشكل قنبلة موقوتة في حال وقوع حوادث شغل.
- الأزمة التدبيرية : صعوبة مراقبة “المصطادات غير المصرح بها” (السوق السوداء)، مما يحرم الدولة من رسوم الميناء ويحرم المكتب الوطني للصيد من تتبع مسار الجودة.
- الضغط النقابي : نضال الهيئات المهنية بآسفي التي اعتبرت أن استمرار الوضع يكرس “الحكامة الهشة”.
ما هي إذن الأبعاد الاستراتيجية لعملية “التصريح بالمصطادات” ؟
هناك البُعد الاقتصادي والمالي والمتمثل في تثمين المنتج عند دخول السمك عبر المزاد العلني (الدلالة)، بحيث يرتفع سعره وتتحسن قيمته السوقية مقارنة بالبيع العشوائي.
هناك أيضا الوعاء الضريبي والمتمثل في استخلاص واجبات الدولة (اقتطاعات الجماعة المحلية، واجبات الميناء، وصندوق الإغاثة).
بعد ذلك يأتي البُعد الاجتماعي (إعادة الاعتبار للبحار) ما يعني انتقال البحار من “عامل مياوم” إلى “مهني معترف به”: يستفيد من التعويضات العائلية والتغطية الصحية الإجبارية (AMO). ثم حقوق التقاعد من خلال الاقتطاعات القانونية من المبيعات. فالبُعد البيئي (استدامة الثروة) من خلال إدماج “السويلكة” في الصيد الجائر؛ فالدولة الآن تستطيع معرفة: ماذا اصطيد؟ أين؟ وبأي كمية؟ وهذا يسمح للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) بوضع مخططات تهيئة دقيقة للمصايد المحلية.
لكن رغم إيجابية القرار، تواجه عملية التنزيل تحديات ميدانية: تتمثل في البنية التحتية فهل يتوفر ميناء آسفي على رصيف كافٍ لاستيعاب رسو هذه القوارب بشكل منظم بعد قانونيتها؟ ومقاومة التغيير إضافة إلى كون بعض الوسطاء (المستفيدين من السوق السوداء) قد يحاولون عرقلة المسار للحفاظ على هوامش ربح غير قانونية. ليأتي بعده الجانب التقني الذي يحتم ضرورة مراجعة “رخص الصيد” وتحديد الحصص (Quotas) لضمان عدم حدوث تشبع في العرض يؤدي لانخفاض الأسعار.
إن نجاح تجربة “السويلكة” بآسفي قد يُصبح نموذجاً يُحتذى به في موانئ مغربية أخرى تعاني من نفس الإشكال (مثل موانئ الجنوب أو الشمال). إنها خطوة نحو “عصرنة” القطاع، حيث لا يُنظر للصيد التقليدي كنشاط معيشي بسيط، بل كمقاولة اجتماعية منظمة تساهم في الأمن الغذائي الوطني.
ولإنجاح هذه العملية يحتاج الأمر إلى تسريع رقمنة عمليات التصريح لتفادي البيروقراطية. وتنظيم دورات تدريبية لبحارة السويلكة حول “السلامة البحرية” و”جودة المنتوج”. إضافة إلى تسهيل وصول أرباب هذه القوارب إلى قروض بنكية لتحديث معداتهم بما يتماشى مع المعايير البيئية.
إن خروج “السويلكة” من الظل إلى الضوء هو اعتراف بواقع اجتماعي فرض نفسه، وهو انتصار لمنطق المؤسسات على منطق العشوائية، شريطة أن تظل المراقبة مستمرة لضمان عدم انحراف هذا التقنين عن أهدافه النبيلة.





