
بقلم : توفيق بوعشرين
ماذا حدث ويحدث أمام أسوار المرابطين عند باب دكالة بمراكش ؟
مشهد غير مألوف: صلوات، طقوس، ولباس ديني ليهود وافدين، يؤدّون شعائرهم أمام جدار تاريخي في قلب مدينة مغربية عريقة.
سؤال بسيط يفرض نفسه: هل نحن أمام تعبير ديني عابر… أم أمام رسالة أبعد من الدين؟ ما الذي استفز المغاربة الطقس الديني ام بالون الاختبار السياسي في مناخ متوتر ؟
بين الدين والتأويل:
اختيار باب دكالة لم يأتِ من فراغ. لا بد أن وراءه رواية أو تأويل ديني، وربما “فتوى” من أحد الحاخامات اليهود او ما نسميهم في المغرب (الحزان )تعتبر المكان ذا رمزية خاصة، أو أقرب نقطة روحيًا يمكن التوجه إليها، على غرار ما يمثله حائط المبكى في القدس.
في العقيدة اليهودية، يشكّل ذلك الحائط بقايا ما يُنسب إلى هيكل النبي سليمان، ويُعدّ مكانًا للرثاء والدعاء والبكاء. كما أن التوجه نحو القدس في الصلاة يُشبه، من حيث المبدأ، اتجاه المسلمين نحو الكعبة. أما عادة وضع أوراق الدعاء داخل شقوق الجدار، فهي ليست أصلًا دينيًا صارمًا، بل ممارسة ثقافية انتشرت بين أتباع ديانات متعددة.
لكن، وفق ما هو معروف في الفقه اليهودي، لا يوجد ما يجيز استنساخ “حائط مبكى” آخر خارج القدس. ولم يسبق لليهود في المغرب – وهم حاضرون في البلاد منذ قرون طويلة – أن اختاروا باب دكالة أو غيره من أسوار المدن موقعًا للعبادة.
تقاليدهم الدينية في المغرب كانت دائمًا واضحة ومعروفة : زيارات جماعية للأضرحة والمقابر في إطار “الهيلولة”، أو الصلاة داخل المعابد المخصصة لذلك وهذا لم يكن محل سؤال ولا اعتراض في بلاد لها تجربة في تعايش اكثر من دين على ارضها كما انها تدير اختلافات عرقية وثقافية في روافد تصب كلها في حوض وطن التعايش الا في ما ندر .
بمعنى آخر: دينيًا، المكان لا يقول الكثير.
لكن سياسيًا… المشهد مختلف تمامًا.
حين تُمارَس طقوس دينية بهذا الشكل الجماعي في فضاء عمومي داخل مدينة مغربية، فإن الرسالة تتجاوز البعد الروحي إلى نوع من الاستعراض الرمزي والسياسي بموافقة السلطة او صمتها على الاقل وصمت السلطة في المجال العام هو كصمت العروس ساعة عقد القران ( صمتها موافقتها يقول الفقهاء ) .
كأن هناك من يقول لنا بصوت عبري اسرائيلي : “نحن هنا… وقد عدنا… وعليكم أن تتقبلوا ذلك”.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين اليهود المغاربة، الذين عاشوا في هذا البلد قرونًا قبل المسلمين ولهم معابدهم وأماكن عبادتهم، وبين تيارات صهيونية تحمل تصورًا سياسيًا ودينيًا عنصريا ومدمرا للتعايش، يقوم على فكرة “الحق اللاهي التاريخي” و”الشعب المختار”، وعلى قراءات توسعية واسطورية للنصوص الدينية.
إطاران لفهم ما يجري وما اعقبه من غضب وسط الراي العام ووسط المراكشيين الذي خرجوا بكثافة للاحتجاج والتظاهر على الصلاة السياسية للاسرائيليين وليس على الصلاة الدينية لليهود وهنا الفرق …
لفهم هذه الواقعة، لا بد من وضعها داخل سياقين متداخلين ومعقدين :
1. مسار التطبيع المثير للجدل :
العلاقات بين المغرب وإسرائيل لم تعد مجرد اتفاق دبلوماسي، بل تحوّلت تدريجيًا إلى شبكة تعاون تمتد إلى مجالات متعددة: عسكرية، اقتصادية، ثقافية واعلامية وحتى فنية. هذا التوسع يخلق واقعًا جديدًا ومثيرا للجدل على ضوء التوقيت الذي يجري فيه ( حرب الابادة الجماعية الجارية في غزة ) العدوان الاسرائيلي على لبنان وايران وجر ترامب من قبل نتنياهو لازمة عالمية خارج الشرعية الدولية ..
2. صعود اليمين الديني المتطرف في إسرائيل:
داخل إسرائيل نفسها، هناك مشروع سياسي-ديني توسعي يقوده اليمين المتطرف، يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور “إسرائيل الكبرى”، مستفيدًا من تحولات إقليمية كبرى، من الاتفاقيات الإبراهيمية إلى الحروب المتتالية في غزة ولبنان والحرب العدوانية على ايران ولبنان وغزة والضفة الغربية …
اسرائيل لا تريد التطبيع فقط مع محيطها العربي، بل تريد الهيمنة الاقليمية واعادة تشكيل المنطقة كما قال نتنياهو ،وذلك لتحقيق هدفين :
-الاول هو القضاء على اي احتمال لقيام دولة فلسطينية ولو على 22% من الارض التاريخية للفلسطينيين
-وثانيا تهدف الهيمنة الاسرائيلية الى التمهيد لاقامة اسرائيل الكبرى التي وعد الله بها شعبه المختار او شعبه المحتار في رواية اخرى !
كيف تنوي اسرائيل الوصول الى الهدفين معا :
١/ القضاء على قوتين اقليميتين الاولى ممانعة والثانية منافسة : ايران وحلفاؤها في لبنان واليمن والعراق وتركيا ونفوذها في المحيط العربي …
٢/ تفتيت العالم العربي والنفخ في جمر خلافاته الداخلية ونعراته العرقية ومشاكل كل دولة على حدى النموذج الاوضح هو ما يجري في سوريا والسودان والصومال وتدخل اسرائيل على خط هذه البؤر المتوترة
٣/ التغلغل في النسيج الدولتي لكل الدول العربية من اجل القفز على ممانعة الراي العام الداخلي الذي يعترض على المشروع الصهيوني ولا يقبله ويدعم مشروع اقامة دولة فلسطينية ويساند اصحابها ..
لماذا مراكش بالذات؟
لفهم دلالة المكان، يجب العودة إلى تاريخ المدينة.
مراكش ليست مجرد مدينة سياحية، بل عاصمة إمبراطورية تأسست سنة 1070 على يد يوسف بن تاشفين وشكلت عبر قرون مركزًا سياسيًا وتجاريًا وثقافيًا يربط الصحراء بالأندلس. تعاقبت عليها دول، من المرابطين إلى الموحدين، ثم السعديين الذين أعادوا لها مكانتها كعاصمة.
اليوم، تحولت مراكش إلى قوة ناعمة: سياحة، فن، مهرجانات، ومؤتمرات دولية وحرف تقليدية . بل إنها، في نظر كثيرين، أكثر حضورًا عالميًا من العاصمة الرباط نفسها. إنها مختبر مفتوح لتحولات المغرب الحديثة.
وربما لهذا السبب تحديدًا عيون نتنياهو عليها
السؤال الحقيقي ليس فقط: من صلى هناك؟
بل: لماذا هنا… ولماذا الآن؟





