إمتحاننا الأخلاقي العسير

بقلم : رضوان كنو 
عن العربي الجديد.
    نظرة خاطفة لفواجع المجتمع المغربي كفيلة بأن تجرحنا بشكل مضاعف: أولاً كونها كوارث تلازم أناساً لا تنقصهم البلايا المُقدرة، لأنهم مشبعون أخرى من صنع أيديهم ومن عند أنفسهم .
    ثم أن المصائب المغربية تنصب على الصبايا والأطفال كونهم الفئات والكائنات الأكثر هشاشة، خاصة الإناث اللواتي لم يذقن خيرات بلدهم ولا هن أكلن من الشجرة المحرمة أو بقيت آثار التفاحة في حناجرهن، كي يصيبهن هذا الأذى الجائر وحتى يؤدين ثمن خطيئة لا يعلمن عنها شيئاً .
    سواء تعلق الأمر بالفتاة التي ماتت بسبب لدغة عقرب سامة -أقول عقرب في استياء إذ كيف سيكون الحال لو لم تنقرض الديناصورات، واختارت المغرب الشرقي المهمش والمغضوب عليه موطناً لها-، أو استحضرنا الفتاة التي التهمتها النيران في شرفة منزلها على مرأى “IPHONE 11 pro” -للأمانة الإنسانية تمنيت سماع خبر انتحار المصور لأتأكد أن سلالتنا المغربية ما تزال بخير-.الامتحان الحقيقي لأخلاقنا. وبالتالي مكمن معيار إنسانيتنا، يكون إزاء الضعفاء. المقهورين المكسورين. المرتجفة أيديهم .
    في الحالتين معاً وأخرى يضيق المقام بها. نكتشف أن لعنة السياسة والجغرافيا والتاريخ والهوية تأبى إلا أن تضعنا أمام الامتحان الأخلاقي والقيمي الأكبر. الأكثر تحدياً لحياتنا كمغاربة وكبشر. إنها حالات اختبار لمنسوب آدميتنا في مقاييس “الأنسنة”، يسمو على معايير ومعدلات الدخل السنوي للفرد أو الناتج الوطني الإجمالي أو نسبة العجز التجاري .
    تفعل ذلك لتستفز آخر ذرات التعاطف والشجب والغضب الواجب استنفارها في لحظات تاريخية كهذه. نعم، لحظات تاريخية كما سمعتم، فالتاريخ ليس بأعرج أو أعور أو عميل. بل يسكنه الرقيب والعتيد أيضاً مع مهمتهما بالتخليد، حين يصوران بنفس القدر انتصاراً مظفراً أو عاراً وعيباً يُبقي الهزيمة منطبعة على جبينه .
    ها هنا تتساوى أهمية المسيرة الخضراء مع ما حصلت عليه بطلة تحدي القراءة مريم أمجون، وكذا الطفلة التي احترقت بنار الإهمال قبل احتراقها باللهيب المستعر. لماذا يا إلهي رفضت ألسنتها الانصياع لقانون رباني إعجازي: أن تكون برداً وسلاماً عليها كما كانت للنبي إبراهيم .
    ربما أبت، لأنها كانت منهمكة في مخاطبة ضمائرنا المُخدرة -بوصول المنتخب إلى ثمن نهائي كأس إفريقيا الفقيرة المُفقرةِ بشكل فظيع- قائلة: لماذا لا يحترق أبناء الوزراء. لا يُصاب بالحمى القلاعية أولاد البرلمانيين. كيف لا تهجم التيفويد على الأمراء والباشوات وأولي الأمر. لكنها أمانٍ تأبى أن تقع. يا لجبنها. لماذا؟ لأن للفواجع كذلك فِقْهها وأحكامها .
    هي تخشى الاقتراب من هذه الفئات لأن التعاطف والمساندة سيكونان على أكمل وجه. وبالتالي لن تكون للمصائب قيمة، أو معنى ناهيك أن الأطباء والأدوات تصبح جاهزة في لحظة كهذه. سواء محلية الصنع أو استعمارية الهوى .
    يقوم منطق المصائب بفعل كل ذلك، تاركاً إيانا عراة أمام نحيبنا وحسرتنا كونها المرآة الشفافة التي نمسح فيها الضباب لنزيح الستار عن لون عزائنا الأوحد: الامتحان الحقيقي لأخلاقنا. وبالتالي مكمن معيار إنسانيتنا، يكون إزاء الضعفاء. المقهورين المكسورين. المرتجفة أيديهم. الغارقة قُراهم ومداشرهم فقراً وعوزاً. السيالة قلوبهم يأساً وبؤساً. تحديداً الذين ما زالوا أطفالاً. فوق ذلك إناثاً: مجرد قوارير بلورية يسيرة الكسر .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المشاركون في المنتدى الإستراتيجي المغربي المصري الأول يشيدون بقرار فتح قنصليات بالأقاليم الجنوبية للمملكة (إعلان الداخلة)

متابعة نور الدين فخاري امضاء عالي البريكي الداخلة : الأحد, 19 يناير, 2020      ...