ابن عربي ينتصر على ابن رشد بالضربة القاضية !

بقلم: ‫ هاشم صالح كاتب سوري 

    بداية أطرح هذا السؤال : لماذا أقف في صف شخص متصوف كابن عربي لا في صف فيلسوف عقلاني كابن رشد ؟ أليس ذلك مناقضًا لكل توجهاتي التنويرية السابقة ؟ ألسنا بحاجة إلى المزيد من العقلانية العلمية لا إلى المزيد من العقليات الغيبية والشطحات الميتافيزيقية ؟ ينبغي العلم بأني أحترم التصوف الإسلامي وأتغذى منه روحانيًّا ولكن الغرق فيه قد يؤدي إلى الانفصال عن هموم الحياة العربية وما أكثرَها هذه الأيام. وهي هموم مُلِحَّة تتطلب تحليلًا علميًّا عقلانيًّا لا صوفيًّا باطنيًّا استلابيًّا. ونحن بحاجة إلى المزيد من العقلانية العلمية والفلسفية، لا الإغراق في التصوف والغياب عن العالم. ولكن ابن عربي لم يكن متصوفًا كبيرًا فقط، وإنما كان أيضًا عالمًا وفيلسوفًا كبيرًا. وابن رشد لم يكن فيلسوفًا فقط وإنما كان فقيهًا متشددًا، بل قاضي القضاة في قرطبة. وهذا كثيرًا ما ينساه المثقفون العرب. وقد آن الأوان للتذكير به.

    في الواقع، إن عقيدة ابن عربي تتألف من تيارات عدة : دينية، وفلسفية، وصوفية. ومن ثَمَّ يصعب تحديدها بشكل نهائي ودقيق؛ لأنها تعتمد على نظرية وَحْدة الوجود . وهي نظرية تقول بأن الكون كله يصدر عن الله كما تصدر الجزئيات عن الكليات. كان يقول حرفيًّا هذه العبارة المذهلة التي قد يحسده عليها سبينوزا : ما في الوجود إلا الله! وهي تكاد تكون ترجمة حرفية للآية الكريمة: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (البقرة: 115). ومن ثَمَّ لا أعرف لماذا يكفرونه ؟

    ينبغي العلم بأن الذي أسس التسامح الحقيقي في الدين الإسلامي هو ابن عربي وليس ابن رشد على عكس ما نتوهم. قد يصدمنا هذا الكلام أو يصدم قناعاتنا الراسخة ولكن هذه هي الحقيقة. وذلك لأنه دعا إلى احترام جميع الأديان من دون استثناء، هذا في حين أن ابن رشد كان يكفر الأديان الأخرى ولم يكن يخطر على باله قط أن يضعها على قدم المساواة مع الإسلام. معاذ الله! أما ابن عربي فكان، في نظرة بانورامية واسعة، يطلّ عليها جميعًا من عل، ويراها على المستوى نفسه ويرى أنها كلها تدعو إلى قيم الفضيلة والتُّقى والورع: لا تكذب، لا تسرق، لا تقتل، إلى آخر تلك الوصايا العشر. فلماذا نكرهها إذن؟ لماذا نحتقر أتباعها؟ ثم بالأخص: لماذا نكفرهم؟ لماذا لا يتسع قلبنا لكل البشر الطيبين حتى لو اختلفوا عنا في الدين أو المذهب…؟ جوهر الدين واحد ألا وهو مكارم الأخلاق، ولكن الاختلاف يكمن فقط في الطقوس والشعائر والعقائد.

    بناءً على هذا التصور الواسع جدًّا أسس ابن عربي الإيمان الجديد العميق. وهو إيمان واسع بلا حدود؛ لأنه يشمل كل مخلوقات الله وكل عباده الصالحين. وضمن هذا المنظور نفهم أبياته الشهيرة عن دين الحب التي سنختتم بها هذا الحديث. وهي أبيات كافية لوضع ابن عربي على قمة الفكر العربي، بل العالمي. إنه يستبق على الحداثة وما بعد الحداثة.. ومن هذه الناحية فإنه يتجاوز كليًّا ابن رشد. إنه يؤسس علم الأديان المقارنة (من دون أن يدري) تمامًا كما فعل سابقًا عبقري العباقرة أبو العلاء المعري. ولكن للأسف لم يفهمه الفقهاء على حقيقته، ولم يدركوا أبعاد هذا التفكير الكوني الواسع الذي دشنه. ولذلك انتقدوه بشدة، بل كفّروه. ولا يزالون يشتبهون به حتى الساعة بسبب هذه الأبيات بالذات. انظر إلى موقف السلفيين وعموم الإخوان المسلمين منه. وهنا تكمن مشكلة الفلاسفة والمفكرين الأحرار في الإسلام. فالعامة لا تستطيع فهمهم والفقهاء المتشددون يكرهونهم نظرًا لاتساع أفقهم العلمي والعقلي الذي يتجاوز مداركهم الضيقة. وبالتالي فإنهم يتعرضون للمحاربة العنيفة باستمرار. لقد هاجمه كبار الفقهاء من أمثال العز بن عبدالسلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والإمام برهان الدين البقاعي الذي ألَّف كتابًا كاملًا بعنوان: «تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي». ووصل الأمر بالإمام ابن الجزري إلى حد القول: «هو أنجس من اليهود والنصارى»! هنا يتجلى لنا الفرق واضحًا جليًّا بين الإيمان القروسطي الظلامي التكفيري القديم، والإيمان المتنور الواسع الحديث. ابن عربي كان أكبر من أن يفهموه في عصره، بل حتى في عصرنا!

    وهي المشكلة نفسها التي يعانيها المثقفون العرب حاليًّا. فهم أيضًا يتعرضون للتكفير من كبار الفقهاء. الفتوى اللاهوتية أو الدينية أقوى من الرصاصة! وعلى أي حال، فلولا هذه لما كانت تلك.

معجزة المعجزات : لقاء العباقرة ! :

    لقد تحدث ابن عربي عن لقائه الوحيد بابن رشد الذي كان قد بلغ أوج مجده عندما حصل اللقاء (57 سنة)، هذا في حين أن ابن عربي كان لا يزال غرًّا في أول الشباب ومقتبل العمر (17 سنة). لنستمع إليه يروي القصة على النحو التالي: «لقد زرت أبا الوليد ابن رشد في بيته بقرطبة بناءً على رغبته في رؤيتي والاستماع إليّ. وكان قد سمع بالإلهام الذي حباني الله به في خلوتي الروحية. وقد أبدى دهشته مما سمعه عني. ولهذا السبب فإن والدي الذي كان صديقه الحميم أرسلني إليه يومًا ما في حاجة؛ لكي يراني ويعرف من أنا بالضبط.

    وما إن دخلت البيت حتى نهض ابن رشد من مجلسه وأقبل عليّ بكل ترحاب وعززني وكرمني بل وعانقني. ثم أجلسني إلى جانبه لكي يتحدث معي ويرى ما أملكه من علم. ثم قال لي مستفسرًا: نعم؟ (أي نحن متفقان)، فقلت له: نعم… وعندئذ شعر بالارتياح وبدا الانشراح على وجهه، وتوهم أني من تلامذته وأتفق معه على كل شيء. ولذلك استدركت فورًا قائلًا : لا!.. فاغتمّ وبان الحزن على وجهه وتغير. وبدا وكأنه يشك في تفكيره والعقيدة الفلسفية التي توصل إليها. وعندئذ سألني : ما هو الحل الذي توصلت إليه من طريق الإشراق والإلهام الرباني ؟ وهل هو متوافق مع ما نتوصل إليه نحن عن طريق الفلسفة أو الفكر البرهاني ؟ فأجبته: نعم، ولا ! .. وذلك لأنه بين «النعم، واللا» تنطلق الروح حرة خارج مشروطية المادة، وتنفصل الأعناق عن أجسادها! .. وعندئذ، اصفرّ وجه ابن رشد، ورأيته يرتجف وهو يتمتم قائلًا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والواقع أنه فهم مقصدي العميق وما أشير إليه، وعرف أنه يتجاوز فلسفته العقلانية الجافة، أو يفترق عنها بعد أن يهضمها ويستوعبها».

    نص ولا أروع! وقد رويناه بتصرف كبير، أو قل ترجمناه إلى اللغة العربية الحديثة بغية الإيضاح. هكذا نلاحظ أن ابن عربي الذي يصغر ابن رشد بأربعين سنة كان أحد تلامذته الذين استفادوا منه في البداية، ثم خرجوا عليه في النهاية. لقد استفاد من شروحاته الفلسفية ولكنه تجاوزها بعدئذ إلى ما هو أبعد وأعمق وأوسع عندما توصل إلى الفكر الإشراقي المنفتح على المطلق، مطلق الله ولا نهائية المعنى.. ولهذا السبب قال له أولًا: نعم، ثم أردف قائلًا: لا! كان يقصد أنه متفق معه على أهمية العقل وضرورة استخدامه، وأما (بلا) فكان يقصد أن العقل وحده لا يكفي للوصول إلى الحقيقة الإلهية وإنما ينبغي أن نفتحه أيضًا على الإلهام والشطحات الصوفية العظيمة والخيال الخلاق. ينبغي أن نفتحه على التجربة الروحانية العميقة التي لا تقاس بالمسطرة الأرسطوطاليسية. بمعنى آخر فهناك «عقل عُلوي» يتجاوز العقل «السفلي» ويعلو عليه. وهذا ما لم يدركه ابن رشد لأنه لا يتفق مع توجهاته الدوغمائية الحرفية. ويرى ابن عربي أنه لا يمكن التوصل إلى العالم الآخر الذي يقبع خلف هذا العالم الظاهري المحسوس إلا عن طريق هذا العقل الفوقي الخارق للعادة. وهذا ما يقوله حاليًّا أحد أكبر علماء الفيزياء الذرية الكوانتية المعاصرة: برنار ديسبانيا !

عقلانية ابن رشد :

    ولكن المسألة العظيمة والحاسمة التي أريد لفت الانتباه إليها ليست هنا. وانما هي تخص التكفير. نعم التكفير! فعلى عكس ما نتوقع فإن ابن رشد هو الذي كان تكفيريًّا وليس ابن عربي. من يصدق ذلك ؟ لا ينبغي أن تغشنا عقلانية ابن رشد وأرسطوطاليته؛ لماذا ؟ لأنها كانت محصورة بنطاق معين لا تتعداه. بحياته كلها ما كان ابن رشد يتخيل أن «غير المسلم» يمكن أن يحظى بمرضاة الله أو يدخل الجنة. وذلك لأن الأساسي بالنسبة له ليس العقل ولا الفلسفة وإنما الشرع والدين. وهنا نقول ما يلي: لقد أخطأ المثقفون العرب المعاصرون -وأنا من بينهم- إذ اعتقدوا أن ابن رشد كان عقلانيًّا محضًا مثل أرسطو وديكارت وسبينوزا مثلًا أو حتى مثل الفارابي وابن سينا والمعري. لقد أخطؤوا إذ اعتقدوا أنه كان منفتحًا حقًّا على الآخرين ومتسامحًا معهم. هذا غير صحيح على الإطلاق. ابن رشد كان فقيهًا متدينًا صارمًا قبل كل شيء. وإذا ما اصطدم العقل بالدين فإنه كان يغلب الدين فورًا. فله الكلمة العليا. بل كان يقول بأن مبادئ الشرع أو الشريعة أو الدين لا يجوز أن تخضع للمناقشات العقلانية؛ لأنها تقف فوق العقل وتتجاوز إمكانياته. لنستمع إليه يقول حرفيًّا: «فالذي يجب أن يقال فيها هو أن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية. ثم يردف: ولذلك يجب على كل إنسان أن يسلم بمبادئ الشريعة، فإنَّ جَحْدها والمناظرةَ فيها مُبطِلٌ لوجود الإنسان، ولذلك وجب قتل الزنادقة».

    أما ابن عربي فلا يكفر أحدًا من خلق الله، ولا يحرم أحدًا من رحمة الله، ناهيك عن الأمر بالقتل! الجميع ينبغي أن تُحتَرم كرامتهم الإنسانية بمن فيهم اليهودي والمسيحي، بل حتى الوثني! شيء مذهل، شيء لا يكاد يُصدَّق بالنسبة لذلك الزمان. هذا هو المنظور الواسع الذي دشَّنه ابن عربي في تاريخنا الفكري الذي يتفوق به على ابن رشد بما لا يقاس. لذلك أقول بأن فكره يصلح لعصر العولمة الكونية، عصر تلاقي الأقوام والشعوب، أكثر من فكر ابن رشد. لماذا؟ لأن منظوره هو ذات المنظور الذي تتبناه الفلسفة التنويرية الحديثة، فلسفة حقوق الإنسان والمواطن. ابن عربي لم يكن يدعو إلى قتل أي شخص بسبب دينه أو معتقده كما يفعل ابن رشد الذي ظل على الرغم من عبقريته وعظمته سجين الانغلاق اللاهوتي التكفيري القديم. لقد ظل أصوليًّا حقيقيًّا! وبالتالي فمنظور ابن عربي أوسع بكثير من منظور ابن رشد، ونزعته الإنسانية أكبر وأعظم. والدليل على ذلك هذه الأبيات الخالدة :

لقد كنتُ قبل اليوم أنكر صاحبي          إذا لم يكن ديني إلى دينه دان
وقد صار قلبي قابلًا كل صورة          ………………………….
أدين بدين الحب أنى توجهت          ركائبه فالحب ديني وإيماني.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب يؤكد رفضه فرض ضريبة التضامن على الطبقة الشغيلة

بلاغ للمكتب الوطني للإتحاد الوطني للشغل     إنطلاقا من الواجب الدستوري للهيئات النقابية في ...