احذروا العملات المزورة فقد أصبحت رائجة في السوق.

سليمان الريسوني يكتب:
المخزن- أساسا أجهزة الاستخبارات- وبعدما أفسد وأخضع كل الأحزاب الديمقراطية الكبرى، حتى أننا لم نعد نستعمل مفهوم الحزب الإداري الذي كان دارجا في الحقل السياسي إلى حدود 2016،
قبل أن تصبح أحزاب الأغلبية ديال جلالة الملك، وأحزاب المعارضة أيضا ديال جلالة الملك، كما قال لشكر وبنعبد الله خلال مزايدة تلفزيونية شهيرة، بقيت أمامه (أمام المخزن) عقبة الصحافة والحركة الحقوقية المستقلة، فنهج معها سياسة التعويم والخلط، حيث أصبح يقدم “جمعية المواهب لموسيقى الراي والكرة الحديدية وحقوق الإنسان” مثلها مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بل يفتح لاماب والتلفزيونات الرسمية لهؤلاء الحقوقيين “المفقسين بالكهرباء” لكي يهاجموا “الجمعية” التي تعتبر أهم منظمة حقوقية في إفريقيا والعالم “العربي”، ويكفي المغرب فخرا أن رئيستها السابقة المناضلة خديجة الرياضي حازت جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي حصل عليها قبلها إفريقي واحد هو نلسون مانديلا ولم يحصل عليها قبلها أو بعدها أي عربي وبعدها أي إفريقي.
لقد راهن المخزن على هذه الجمعيات الحقوقية، التي تم تفقيسها في مختبرات الأجهزة الاستخباراتية، لكي تُحدث الخلط لدى الرأي العام الوطني والدولي، وتهاجم الحقوقيين، وتدافع عنه (إحدى هذه الجمعيات الحقوقية البوليسية تدافع عن حقوق المخزن في اعتقال رافضي التطبيع وتصدر بيانات تحرض على ذلك!). نفس المنهجية سلكها المخزن مع الصحافة، حيث أغرق المشهد بنوعين من الصحافيين: الخبزيين والمخبرين (طبعا ثمة استثناء لا حكم عليه) اعتقادا منه أن المغاربة وحتى المنظمات الدولية المهتمة بالصحافة سيختلط عليها البقر مع البشر ولن تعود تفرق بين بوبكر وسامي، وبين فاطمة الإفريقي ورحاب.
لكن حبل الكذب والتدليس والتزوير قصير وواهن، أوهن من خيط بيت العنكبوت. فمثلما أصبح اليوتوب يكشف للأطفال كيف يقوم الساحر بخدعة إخراج الحمامة من قبعته، فقد أصبح الجميع يعرف كيف أخرج المخزن هؤلاء الزملاء العملاء، والحقوقيين المزورين من قبعة الحموشي والمنصوري، بل فقط من قبعة الخباشي والشرعي.
وإذا كنتُ قد كرست جزءا من حياتي لكشف هذا المسخ الذي يقوم به المخزن لإفساد كل المجالات، حتى يبقى هو القوة الوحيدة أمام أجسام سياسية وحقوقية وإعلامية بلا روح ولا طعم ولا رائحة اللهم رائحة الفساد والعمالة والذِّلة التي تفوح من هاته النُّسَخِ المزورة من سياسيين وحقوقيين وصحافيين، فإنني أصفق للمخزن طويلا عندما يقذف هؤلاء العملاء بركلة إلى أقرب مزبلة حالما تنتهي صلاحياتهم. فيصبحون مثل بعض المغنيين والممثلين القدامى يتباكون على سنوات الضوء والمال الساهل الذي لم “يُحَشحِشو” منه الكثير.
أحد هؤلاء الزملاء العملاء الذي كُلف بمهام قذرة خلال ربيع عشرين فبراير، منها مهمة الإفك العظيم الذي رمى به سيدة فاضلة ومثقفة كبيرة هي الشريفة لالة نادية ياسين وحرم المغرب والإنسانية من أفكارها وشجاعتها. هذا الزميل العميل خرج قبل أيام يتحسر على أنه ندم لأنه “مدارش لفلوس” مع الأجهزة الاستخباراتية التي لفظته بعدما قضت منه وطرا. فبدلا من أن يُعبِّر عن ندمه وحسرته على ما ألحقه من أذى بتلك السيدة وعائلتها ومحبيها في الله والوطن، خرج يتحسر على أنه “مشى تقريبا فابور” مع الأجهزة قبيحة الذكر والفعل. هذا الزميل العميل أقول له: “وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث”.
يوتوبر آخر، أكرمه الله بالسجن، وطهره من سنوات عمره التي سلخها في السخرة لضباط لادجيد، خرج يهاجم جماعة العدل والإحسان مدعيا أنها تستغل القضية الفلسطينية- وهي جماعة اختلفنا أو اتفقنا معها- تتصدر التنظيمات الدعوية والسياسة المغربية في دعم القضية الفلسطينة- دون أن ينبس بكلمة واحدة عن البواخر التي تستقبلها موانئنا وهي في طريقها إلى قتل إخواننا وأطفالنا الفلسطينيين. هذا اليوتوبور أقول له: “أقعد فأنت الطاعم الكاسي”. ولكن تأكد أنك، وأنا قبلك، إن اعتقدنا بأن التملق للمخزن سيجعل منا مخازنية كاملي التمخزن، فإننا واهمون. لذلك أذكر نفسي وإياك بما كان حسن أوريد الذي لفظه المخزن، قد قاله لصحافي كان مُنتشيا بقربه من لادجيد، وكان يسمي صديق دراسة الملك بـ “حسن أويد”. قال له أوريد: “أخشى أن يتحولوا عنك وقد أضحيت عبئا. سيلقون بك كما يلقى سقط المتاع بلا إرعاء”. وفعلا، ذلك ما حدث للصحافي إياه، لكنه لم يرعوِ.
إنني لا أطلب من الحقوقيين أن يكونوا عبد الرحمان بن عمرو أو خديجة الرياضي، ولا أبغي من الصحافيين أن يكتبوا من محبرتي أو يستعيروا قلم أبو بكر الجامعي. أنا لا أنتظر من زملائي الصحافيين وأصدقائي الحقوقيين شجاعة فوق طاقتهم، بل فقط ألا يكونوا شهداء زور وأبواقا للظلم والزيف يستسيغونه ويسوغونه للناس على أنه العدل والحق.
كما لا أطالب من عموم المغاربة أن يقتفوا بالمِجهر أثر السياسيين والحقوقيين والصحافيين لتبيُّن الأصيل من “البياع” (بليغة بالدارجة لأنه تعني من يبيع الوشاية ويقبض ثمنها)، ولكن علينا كمغاربة أن نعتمد قاعدة ذهبية بسيطة. كان محمود درويش يقول “لا تلوموا الضحية”. لذلك فمن رأيتموه يلوم -بله يهاجم- ضحايا المخزن المظلومين، ولا ينتقد المخزن الظالم، فهو عميل “بياع”. فحتى لو أقسم وأثبت بأنه”بياع فابور” فاعلموا أنه يقدم “الشانطيو” للمخزن، وأنه تاجر حاذق غير متلهف على القبض. قد يقبض المال وقد يقبض الريح وقد يُقبض عليه في السجن.
المهم احذروا التقليد والعملات المزورة فقد أصبحت رائجة في السوق.





