اختراق قلاع

بقلم أبو أيوب

    حرب الفوسفاط لم تحط أوزارها ولم يحن بعد وقت الصد والتصدي، إذ أن شحنات الإكسير نحو نيوزيلاندا تتعرض بين الحين والآخر للمناوشات والأخذ والرد، حيث انتقلت حرب الثروات القادمة من الجنوب إلى معاكسات قضائية يقوم بها لوبي الخصم مسنودا ببعض الفعاليات السياسية والحقوقية للبلد المستورد، أسوة بما شهدته بلوسوم جنوب إفريقيا أو باخرة باناما .

    في عز هذا المشهد المكهرب تقوم روسيا بوضع العصا في عجلة الديبلوماسية المغربية، من خلال اشتراط الصرامة والقدرة والعزيمة والكاريزما والثقل في الشخصية المزمع تعيينها محل المستقيل هورست كوهلر، تفاديا لتكرار التجارب السابقة ودفعا لوضع حد للنزاع، حيث تتماشى الرؤيا الروسية مع ما يبتغيه مستشار الأمن القومي الأمريكي بولتون، فضلا عن تعاطف أعضاء غير دائمين بمجلس الأمن الدولي كجنوب إفريقيا وألمانيا وكذا الدائمين كالصين والمملكة المتحدة .

    اليوم تغرد إسبانيا الرسمية مع السرب، انطلاقا من خلفيتها الإستعمارية ومسؤوليتها التاريخية تجاه الإقليم المتنازع عليه، لتدق آخر مسمار في نعش الإتفاقية الثلاثية بمدريد لسنة 1975 والتي بموجبها حسب منطوق الأخيرة تم تسليم إدارة الإقليم تقاسما بين المغرب وموريتانيا إلى حين إيجاد حل أممي للنزاع، تغريدة على لسان رئيس حكومتها تدعو من خلالها إلى توسيع صلاحيات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، دعوتها هذه من المرتقب خلق توتر في العلاقات الثنائية مع المغرب وقد تؤثر سلبا على مصالحها بالبلد، حيث تعد أول مستثمر في المغرب بعد فرنسا، ناهيك عن معضلة مدينتي سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما .

    وفي هذا الجو المشحون تتعرض فرنسا، الحليفة، لضغوط متتالية على أكثر من صعيد، من جهة تتواصل عمليات الإختراق والتقوي التي يقوم بها الخصم داخل التراب الفرنسي، تارة بحثا عن تعاطف شعبي وتغلغل في منظمات المجتمع المدني أو المنظمات الحقوقية الحكومية وتلك الغير حكومية، وأخرى من خلال غزوات وفتوحات البرلمان الفرنسي ومختلف وسائل الإعلام السمعي البصري والمكتوب على حد سواء . إضطلاعها بالملف النووي الإيراني وتداعياته على القارة العجوز قد يخفف من قبضتها فى ملف نزاع الصحراء، وهذا ما سوف يؤثر سلبا على الموقف المغربي بل وقد يدفعه لتقديم تنازلات مؤلمة، فضلا عما يترقبه قصر الإيليزي من انطلاق مسيرات ريفيوا المهجر بمناسبة الذكرى الثالثة لاستشهاد سماك الحسيمة محسن فكري، مسيرات من المنتظر أن تجوب شوارع عاصمة الأنوار باريس في اتجاه الإيليزي كوسيلة ضغط على الرئيس ماكرون، الذي تعهد بداية انطلاق الحراك بإيجاد حل للمشكلة لكنه فشل أو أفشل مسعاه ولم يتوفق في وضع حد للإشكالية .

    بدل تنفيس الأجواء وترطيب الخواطر وجبر الضرر والنزول من علياء الشجرة بأقل الخسائر، ساد التعنث والإمعان وصم الأذان متسببا في انتقال المشكلة إلى العالمية، ليس فقط من خلال ترشيح زعيم الحراك بعدما كان نكرة لجائزة ساخاروف أو الذي يتم التحضير له في المقبل من الأيام، بل أيضا من خلال المطالبة بإسقاط الجنسية وخلع البيعة وما سوف يتبعها من تدخلات أجنبية، تدخلات تنذر بتدويل القضية وتفاقم الوضع على ضوء ما باتت تعرفه بعض التمثيليات الدبلوماسية المغربية بأوروبا، حيث يعيش حوالي سبعة ملايين مغربي أكثريتهم من أصول ريفية، وقد تتطور الأحداث لمطالب جماعية بإسقاط الجنسية وخلع البيعة أثناء مسيرة باريس .

    الوطن اليوم يمر من عنق الزجاجة وهو في حاجة لكل أبنائه وبناته وكفاءاته، والوضعية الحالية المتأزمة المتفاقمة تحتاج لزعامات كاريزمية ولحلول جادة وتنقية للأجواء المكفهرة، وليس لمزيد من المقاربات الأمنية والضغوطات النفسية وفبركة الملفات انتقاما من بعض الأصوات المغردة خارج السرب ” الصحافي المهداوي/ لبداحي/ بوعشرين / وليس آخرهم الصحافية الريسوني …”، فمثل هكذا حالات لن تزيد الوضعية إلا تأزما وتفاقما مع ما يستجلبه الحال من تدخلات أممية أو عبر أدرعها الحقوقية أو بعض المنظمات الدولية ك ” أمنيستي/ مراسلون بلا حدود…” ، وبالتالي تشريع الأبواب على مصراعيها وضياع أموال طائلة صرفت من أجل تلميع الصورة، صورة تزداد قتامة يوما بعد يوم رغم مساحيق الزينة .

    ماذا بقي إذن في جعبة الماسكين بالنواصي ولم يستعملوه بعد ؟ التهجير والطرد مارسوه، تكميم الأفواه ومصادرة الصحف وغلق المواقع الإخبارية أصبحت عملة رائجة، الإعتقال والسجن جربوه، محاكمات كيدية وملفات مفبركة ألفوها وتفننوا فيها وأبدعوا، ماذا كانت النتيجة ؟ فهل توقف النزيف ؟ ألم يثبت ما توقعناه من توسع رقعة الزيت وازياد منسوب الإحتقان ؟ ألم نقل حينها بأنها باقية وسوف تتمدد بينما هم خالوها عابرة و سوف تتبدد ؟ ألم يتفطن بعد إلى تغيير النهج والسلوك حفاظا على لحمة وطنية ؟ ألم يحن بعد وقت استبدال العقليات المتحجرة بأخرى تنويرية هادفة ؟ أم سنبقى متوجسين من سيف داموقليس المسلط على الرقاب ؟ وبالتالي انتظار حلول الكارثة وقد تكون بالإجماع ثورة للجياع .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

تازة: فتح بحث تمهيدي لتحديد ملابسات وفاة سيدة كانت برفقة مفتش شرطة

تازة: فتح بحث تمهيدي لتحديد ملابسات وفاة سيدة كانت برفقة مفتش شرطة