
عندما يقرّ والي بنك المغرب بأن التحسن الاقتصادي لا ينعكس بعد على حياة المواطنين، فإن الأمر يتجاوز مجرد قراءة تقنية للأرقام أو تقييم دوري للمؤشرات المالية، إنه اعتراف رسمي بحقيقة يعيشها المغاربة يومياً، حقيقة تقول إن هناك فجوة متسعة بين ما تعلنه التقارير وما يشعر به المواطن في جيبه.
في الظاهر، تبدو الصورة إيجابية، الاقتصاد الوطني حقق نمواً يناهز 4.9 في المائة، والاستثمارات العمومية تتواصل، والمشاريع الكبرى تتوسع، والمؤشرات الكلية تمنح انطباعاً بأن عجلة الاقتصاد تدور بوتيرة جيدة، لكن في المقابل، لا يزال معدل البطالة عند حدود 13 في المائة، فيما تواصل القدرة الشرائية للأسر التعرض لضغوط متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة.
هنا يبرز السؤال الذي يتردد في الشارع أكثر من أي وقت مضى: إذا كان الاقتصاد ينمو فعلاً، فلماذا لا يشعر المواطن بهذا النمو؟
المشكلة ليست في الأرقام بحد ذاتها، بل في كيفية توزيع ثمارها، فالنمو الاقتصادي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما يظل محصوراً في المؤشرات الكلية دون أن يترجم إلى فرص عمل جديدة، أو تحسين في الدخل، أو تخفيف للأعباء المعيشية، المواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بنسبة النمو، بل بقدرته على تسديد التزاماته الشهرية وتأمين احتياجات أسرته.
وفي هذا السياق، تبدو ملاحظة والي بنك المغرب بشأن ضرورة توزيع ثمار النمو بشكل أكثر عدالة ذات دلالة خاصة، فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط تحقيق النمو، بل ضمان استفادة مختلف الفئات الاجتماعية منه، إذ لا يمكن الحديث عن نجاح اقتصادي كامل في ظل استمرار البطالة واتساع الفوارق الاجتماعية وتزايد الإحساس بعدم الاستفادة من نتائج التنمية.
كما أن الرهان على القطاع الخاص أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فخلق فرص الشغل لا يمكن أن يظل رهين المبادرات العمومية وحدها، بل يحتاج إلى استثمارات منتجة ومقاولات قادرة على التوسع والتشغيل والمساهمة في خلق الثروة.
وفي خضم هذه التحديات، يعود ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى الواجهة باعتباره أحد الملفات الأكثر حساسية، فبين ضرورة ضمان استدامة الصناديق المالية، ومخاوف الموظفين والأجراء من أي إجراءات قد تمس مداخيلهم أو حقوقهم المستقبلية، يظل البحث عن التوازن مهمة معقدة تتطلب رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة.
المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى أرقام نمو مرتفعة، بل إلى نموذج اقتصادي يجعل المواطن يشعر بأن التحسن الاقتصادي ينعكس على حياته اليومية، فالتنمية الحقيقية لا تقاس بما يكتب في التقارير، بل بما يلمسه الناس في واقعهم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستنجح السياسات الاقتصادية المقبلة في تحويل النمو إلى فرص شغل ودخل أفضل وقدرة شرائية أقوى؟ أم أن الفجوة بين المؤشرات الرسمية والواقع المعيشي ستظل تتسع عاماً بعد آخر؟





