الإستدراج

بقلم أبو أيوب

   ما تتقنه إيران بامتياز استدراج الخصوم لارتكاب مزيد من الأخطاء، والخاسر الأول منها أوروبا وأدوات أمريكا بالمنطقة بالرغم من العنتريات . الهجوم بالإيعاز والوكالة على العراق أو استهداف العمق السوري ومن ثمة الداخل اللبناني يعتبر موقف ضعف وتهاوي، الغرض منه الإستغلال الإنتخابي والحد من هبوط الشعبية دون الإلتفات إلى التداعيات من رد على الهجوم ورد على الرد .

    يقين إسرائيل بانشغال الأعراب بحروب جانبية هامشية بعدما كسبت تعاطف البعض منهم دفعها لارتكاب الحماقات، ولسان حالها يقول باستحالة ردة الفعل على ضوء انخراط حزب الله اللبناني في الأزمة السورية، وعدم وجود إجماع وطني حول مقاربته لأزمات المنطقة ناهيك عن تصنيفه من لدن الغرب كمنظمة إرهابية أقله في جانبه العسكري، كل هذا شجعها على استهداف بعض قلاع تواجده بالضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت من خلال طائرتين مسيرتين مزودتين بتكنولوجيا متقدمة .

    مسيرتين ذات إقلاع وهبوط عمودي من مميزاتها زرع عبوات متفجرة ناسفة متحكم فيها عن بعد، بمجرد انسحابها تحت جنح الظلام يتم الضغط على زر التفجير دون أن تخلف أثرا يذكر يدل على الفاعل، استهداف بدون بصمات والمراد من ورائه خلق بلبلة وتخوين وتبادل الإتهامات بين مختلف الفرقاء السياسيين من جهة، ليصار من بعد إلى تأجيج الخلافات وتصعيد الضغوط والتشجيع على بروز وتنامي المطالب، سواء تلك الداعية إلى وجوب نزع سلاح الحزب أو تلك المنادية بالنأي بالنفس والإنسحاب من سوريا من جهة ثانية . فإذا بالسحر ينقلب على الساحر وتأتي النتائج عكسية بكل المواصفات وعلى كافة الصعد :

  • إجماع وطني لم يسبق له مثيل حول الثلاثية المقدسة ( الجيش/ الشعب/ المقاومة )، و هذا ما ظهر جليا من خلال الردود الرسمية “رئاسة الدولة في شخص الجنرال ميشيل عون كممثل للطائفة المسيحية، رئاسة الحكومة في شخص السيد الحريري كممثل للطائفة السنية، رئاسة البرلمان في شخص السيد نبيه بري عن الطائفة الشيعية ” .
  • تبني بيان جامع صادر عن المجلس الأعلى للدفاع يعتبر فيه الإستهداف كإعلان حرب مع التشديد على أحقية اللبنانيين في الدفاع عن الأرض والعرض، وهذا في حد ذاته تحول نوعي بحيث لم يأت البيان على ذكر أحقية لبنان كبلد أو كدولة بل شمل اللبنانيين كافة ومن مختلف الطوائف .
  • منح الشرعية والمشروعية مع تأمين الغطاء السياسي لكل الردود المترقب احتمال وقوعها أو القيام بها من طرف حزب الله كرد فعل على الإستهداف الصهيوني، ليترسخ بذلك نفوذه ويتقوى تواجده وتأثيره على الساحة الداخلية كتحصيل حاصل، ومن ثمة تعتبر أية ردة فعل يقوم بها الحزب ستتم باسم اللبنانيين كافة، ما سوف يشرع الأبواب على مصراعيها لبداية عمليات استهداف عمق الكيان، وهذا ما بدا واضحا من خلال استهداف قاعدة افيفيم العسكرية على عمق حوالي أربعة كيلومترات وتفجير ناقلة جند من نوع wolf الذئب التي تتسع لثمانية جنود بمن فيهم الطاقم، بواسطة صاروخين من نوع كورنيت الروسية الصنع ما يحيي الذاكرة ويعيد إلى الأذهان مقبرة دبابة الميركافا وتلاشي الأسطورة أثناء حرب 2006 .
  • تفجير المدرعة وما تبعه من تبخيس الحادث ونفي وجود قتلى وجرحى بين صفوف الجنود كما جاء على لسان النثن – ياهو، كذبته المعلومات والوقائع وفنذته صور الفيديو الذي بثه حزب الله حيث تظهر فيه طائرة هيليكوبتر بصدد نقل المصابين نحو المستشفيات، كما دحضته القناة الإسرائيلية العاشرة عندما سربت فحوى دعوة وزارة الدفاع بإجراء بحث في الموضوع للوقوف عن كيفية القيام بالعملية في واضحة النهار، ومعاقبة المسؤول الذي رخص بتحرك المدرعة رغم وجود أوامر صارمة بالتواري وعدم الظهور علانية أو كشف المواقع .

    وعن سؤال لأحد المتدخلين العسكريين الذي أفاد بأن الجنود تحركوا من تلقاء أنفسهم، سلوك يطرح أكثر من علامة استفهام حول التخبط والإرباك الذي تعيشه القيادة العسكرية ومعنويات المجندين المنهارة، هذا ما تتفق حوله العلوم العسكرية وكل النظريات ذات الصلة، بحيث أن أية مغادرة للموقع دون استئذان أو أمر بذلك أو أي سلوك انفرادي أو عصيان الأوامر …، يعد في حد ذاته علامة على انفراط عقد التراتبية العسكرية ويعبر عن الحالة المعنوية والنفسية للجنود .

    الإرباك الذي يعصف اليوم بالكيان المحتل تعيشه حاليا كل من أمريكا وأوروبا وإن كان بدرجات متفاوتة وعلى أكثر من صعيد ومن زوايا مختلفة . أمريكا مثلا لم يعد في جعبتها سوى سلاح العقوبات الإقتصادية بعدما تيقنت أنه ليس بمقدورها القيام بحروب استباقية كما ألفت، استنزاف مقدراتها العسكرية في أفغانستان والعراق وقف حائلا في وجه حروبها اللهم بعض المناوشات هنا وهناك لا ترقى لما عهدته طوال تاريخها الدموي، وهي اليوم تخطو بخطوات ثابتة نحو الإنكفاءة والإنعزالية، صحيح بأن الأمر يتطلب وقتا وبحوثا ودراسات واستراتيجية وتكتيكات، لكن الثابت أنها تسير في هذا الإتجاه بعدما أفقرت شعوبا واستنزفت طاقات وأمنت لنفسها احتياطات طاقية متنوعة وزراعية تقيها عوائد الدهر “إكتشاف مخزونات هائلة من النفط الإحفوري والغاز الطبيعي مثال من أمثلة عديدة” .

    أما أوروبا المورطة والمستنزفة المقيدة بأغلال التبعية الإقتصادية لأمريكا والمكبلة بالإتفاقيات الدفاعية معها “حلف الناتو والتصدع الذي اعتراه في جناحه الأيسر تركيا”، فهي اليوم تتحسس مستقبلها المرهون طاقيا وغذائيا …، إرتهانها للغاز الروسي والجزائري والقطري يحد من استقلالية قرارها السياسي والإقتصادي، كما يقف حجر عثرة في توسيع نفوذها في الساحة السياسية الدولية، خير دليل على هذا ما صرح به أخيرا الرئيس فلاديمير بوتين وإعلانه عن انتهاء زمن الغرب وتفرده في صنع القرارات .

    محاولة ركوبها على الملف النووي الإيراني من خلال اضطلاع الرئيس ماكرون بمهمة الإقناع كجس نبض ومحاولة إيجاد موطئ قدم على مسرح السياسة المناطقية “الشرق الأوسط والخليج أساسا وإفريقيا عموما”، رافقها تصلب إيراني وتعاطف روسي صيني مع مقاربة الجمهورية الإسلامية، أي بما معناه أنه إذا ارادت أوروبا وعلى رأسها فرنسا لعب دور طلائعي فما عليها سوى الإلتزام بما تعهدت به ضمن إطار الإتفاقية النووية التي خرجت للوجود بطابع قرار أممي صادر عن مجلس الأمن الدولي، بالتالي عليها الإلتزام بالشرعية الدولية، أما لعبها على الحبلين ومسك العصا من الوسط خوفا من السوط الأمريكي والتفافا على المطالب المشروعة لإيران، فلن يزيد إلا في تهميش دورها واقتراب أفول نجمها وتعميق تشردم دولها “بريطانيا وأزمة البريكسيت / صراع الزعامة بين فرنسا وألمانيا/ المؤاخدات الإيطالية على السياسة الفرنسية”، ناهيك عن الأزمة المتفاقمة التي تعصف ببعض من دولها “اليونان مثال” .

    خلاصة الوضع الراهن ما تطالعنا به المستجدات الدولية بخصوص صراع المحاور، بداية تأكل محور أمريكا وأدواتها في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وبزوغ محور إيران وحلفائها ومن ورائهم محور اتفاقية شنغهاي بزعامة روسيا والصين والهند . فلا تغرنكم عنتريات إسرائيل ولا قفشات مماليك الخليج، فهي تشبه إلى حد بعيد رقصة الديك المذبوح . عماد العالم الغربي الطاقة ولا شيء سواها، وهذه الأخيرة جغرافيتها محاصرة ومنابعها مهددة وتحت رحمة إيران والحلفاء وليس الأدوات :

  • مرورها حتمي عبر مضيق هرمز حيث تتحكم وتستأسد إيران، وهذا حقها من منطلق أن لها أطول حدود بحرية محادية لمياه الخليج، حوالي 2300 كلم من أقصى نقطة شمالا وحتى خليج عمان والمحيط الهندي مرورا ببحر العرب .
  • جنوبا اليمن بشرقه المطل على خليج عمان وغربه بإطلالته على باب المنذب والبحر الأحمر، فضلا عن دراعه الصاروخية المستهدفة لشريان النفط والطاقة داخل العمق السعودي والإماراتي “قصف الدمام على بعد 1300 كلم أو حقل الشيبة على الحدود المشتركة السعودية الإماراتية مثال …”، ناهيك عن الطائرات المسيرة عن بعد المختلفة الأحجام والمديات والتوغلات العسكرية على الأرض … فضلا عن مليون مقاتل متأهب كاحتياط .
  • غربا تواجد العراق واصطفافه إلى جانب إيران مع ما يشكله الحشد الشعبي من قوة ضاربة واحتياط بشري بتعداد حوالي 150.000 مجند مسلحين بأسلحة نوعية من ضمنها صواريخ باليستية ومدرعات ودبابات وطائرات مسيرة، وضع لا زال يؤرق كلا من أمريكا وجنودها 5000 وبريطانيا وشركاتها النفطية بجنوب البلاد بمدينة البصرة ومحيطها .

    أمثلة من أخرى عدة ترخي بظلالها على ساحة الأحداث تتبعها تساؤلات من قبيل، ماذا لو استهدف اليمنيون محطات تحلية المياه ومحطات تكرير البترول ومحطات الكهرباء ؟ وهل تقوى دول الخليج على العيش بدون ماء أو كهرباء ؟ وماذا لو منعت قطر تحت أية ذريعة كانت من تصدير الغاز لأوروبا ؟ ثم ماذا لو قلصت روسيا صادراتها الغازية ؟

    نافلة القول الخاسر الأكبر من التصعيد أوروبا وأدوات أمريكا، حقيقة تمكنت منها إيران بعد جهد جهيد وصبر دفاعي استراتيجي، من بعده تصلب عودها وتقوى عضدها رغم المضايقات والعقوبات، فانتقلت للسرعة القصوى من زاوية صبر هجومي استراتيجي تدريجي، استدراجي عبر مراحل موقوتة مضبوطة بحنكة ودهاء يروم حافة الهاوية، من خلال الرفع من مستويات تخصيب اليورانيوم والزيادة في أجهزة الطرد المركزي من الجيل الخامس والتمكن من تحديد المهل وإملاء الشروط …، وما على أوروبا ومن خلفها أمريكا سوى الإذعان .

    نظرية لا حرب ولا مفاوضات بدأت تؤتي أكلها، وقريبا ستنطلق الهرولة الأوروبية أسوة بالخليجية كمؤشر على بداية الإنعزالية الأمريكية، ليبقى في الأخير هم أمريكا وما يعنيها بالدرجة الأولى والأخيرة في مهب الريح “أمن إسرائيل”، هذا ما بدى واضحا منذ 1948 تاريخ تأسيس الربيبة، بحيث لم يسبق لها أبدا أن تراجعت خلف حدودها بخمس كيلومترات كما فعلت بالأمس، إذ ألفت المشاكسة والمناكفة على متر أو مترين كما تعودت على شن الحروب والتوغل داخل أراضي الخصم بخلاف اليوم، فهل انقلبت المعادلة أم أن قواعد الإشتباك وقواعد الحرب هي التي تغيرت ؟ .

About هيئة التحرير

One comment

  1. الفيلالي عبدالله

    تحليل ميداني على الظاهر دقيق، واشكرك على هذا التحليل الاستراتيجي الذي يفتح باب النقاش في موضوع ضننت يوما ان الصحافة المغربية لا تخوض فيه ربما لانعدام التكوين جيو استراتيجي السياسي لديها.
    كما تشرفت محور المقاومة المدعوم من ايران صحيح لم يعد كما كان و اسراءيل لم تعد قادرة على المواجهة الميدانية و الاجتياح المريح. لكن الا تلاحظ معي ان من اعطى هذا التقارب العربي الاسراءيلي هم العرب نفسهم؟
    لقد استغل الامريكان التطاحن الطاءفي و محاربة المد الشيعي فرسموا لايران مجسم فيروسي مخيف التخلص منه صعب جدا والمضاد الحيوي جانب منه تامنه اسراءيل. وتزامنا مع ذلك خلقوا فكرة الربيع العربي و فكر الارهاب حتى يزيحوا جميع الانظمة و الزعماء الذين يملكون الصندوق الاسود صدام القدافي و الاسد هؤلاء مطلوب رءسهم. اما بن علي فكبش ليس الا.
    خلقوا الهرج و المرج و الفوضى فلم يعد للفكر العربي و القومية و قضية فلسطين اي معنى مقدس. فسوقوا فكرة اسراءيل صديقة للعرب في مواجهة ايران. المال الخليجي الذي كان يذهب خلسة لاسراءيل اصبح البوم له صك قانوني. بعد ذاك ستهب السعودية ألجزبرتين التي اخذتهما من مصر لاسراءيل لتصبح الاخيرة جزء في المعادلة في ما يسمى بقناة السويس.
    انه مشروع الشرق الاوسط الجديد و اسراءيل الكبرى صديقي و الغرب ماض في تحقيقه و دحر القومية العربية وامتصاص المال الخليجي الذي هو ليس من حق العرب كما تسوق امريكا و اسراءيل. لهذا السبب لن تحارب امريكا ايران.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

ضيحة مدوية تهز ٱيت سدرات السفلي ضواحي تنغير..و هذه تفاصيلها

جهة درعة تافيلالت ضيحة مدوية تهز ٱيت سدرات السفلي ضواحي تنغير..و هذه تفاصيلها