الإسفين

بقلم أيوب

      ربما تكون آخر مستجدات الساحة السودانية مؤشرا على دق آخر مسمار في نعش القوات المسلحة، سقوط حوالي 30 شهيد برصاص العسكر مع احتمال ارتفاع العدد، على إثر التدخلات العنيفة و الغير مبررة إطلاقا ضد مدنيين عزل. لجوء الجيش إلى فض الإعتصامات بالقوة منبعه تدخلات و أيادي عربية خارجية دفعته لسلوك هذا المنحى، أصابع الإتهام تشير إلى السعودية و الإمارات كما بالأمس في ليبيا و سوريا و العراق و اليمن، خوفهم من صوت الجماهير و آمالهم في التغيير السلمي، فزعهم و خشيتهم من انتقال العدوى إلى دواخلهم يحتم عليهم الدفع في اتجاه العسكرة و منها إلى الإقتتال الداخلي، إحداث شرخ بين الجماهير و الجيش إن نجحوا فيه، مما سيؤدي حتما إلى فوضى عارمة قد تتحول إلى عصيان مدني . 
 
     و على إثر الأحداث الأليمة، سارعت كل الفعاليات السياسية و المدنية المشاركة في الحوار إلى الإنسحاب من طاولة الحوار، رافقتها دعوات إلى إغلاق كل الطرقات بالعاصمة الخرطوم و باقي المحافظات و مواصلة الإحتجاجات السلمية، إلى حين تحقيق المطالب الشعبية من تنازل العسكر على السلطة و تسليمها للمدنيين. في تصعيد شعبي لم تتوقعه الدولتان، و تبعاته على المستقبل المنظور لكليهما يمكن حصره في عزلهما في الزاوية و تقليص نفوذهما و الحد من تدخلاتهما في الشؤون الداخلية للسودان، ثم إحراجهما أمام المنظمات الدولية و القارية …….
      تصعيد شعبي يستمد مشروعيته على سبيل المثال من القانون التأسيسي للإتحاد الإفريقي، مضمونه أن لا اعتراف بنظام قام من على متن الدبابات ” انقلاب عسكري ” كما ينص كذلك على تجميد عضوية البلد، و لنا عبرة فيما وقع لجمورية مصر أثناء انقلاب المشير السيسي على حكومة الإخوان المسلمين بقيادة مرسي، و ما تبعها من تجميد للعضوية إلى حين إجراء الإنتخابات البرلمانية و الرئاسية التي فاز فيها المشير، إذاك استعادت مصر شرعيتها داخل الإتحاد. هذا الأخير هو نفسه الذي أمهل قيادة الجيش ستين يوما لتسليم السلطة للمدنيين، تحت طائلة تنفيذ بنود القانون التأسيسي للمنظمة القارية و يسحب الشرعية و البساط من تحت أقدام العسكر . 
      دوليا توالت التصريحات المنددة بالأحداث شاجبة و مطالبة بضرورة وضع حد للأزمة عبر تنازل العسكر و تسليم السلطة للمدنيين، الأمم المتحدة سارت على نفس المنوال كذلك فعلت كل من كندا/ أمريكا/ إنجلترا/ ألمانيا/ روسيا/ فرنسا ….. العالم كله يطالب بوقف القتل الجماعي إلا إخواننا الخليجيون فهم يرون عكس ذلك، و باسم الأخوة العربية يساهمون في تأجيج  الأوضاع عبر فتاويهم البئيسة و توجيهاتهم الرخيصة لزمرة العسكر ” الزيارات المكوكية لبعض من القادة العسكريين السودانيين لكل من السعودية و الإمارات مثال ؟ ” ، و باسم الأخوة أيضا دفعوا بالقضية نحو التدويل، فهي زيارات تطرح أكثر من علامة استفهام حول التورط المقيت للدولتين بعدما سمح لهم العسكر بذلك، خلافا للنموذج الجزائري الذي أعلنها صراحة حراكا و جيشا، حيث أجمعا سويا على التصدي لمختلف محاولات الإمارات و السعودية و فرنسا لحرف الحراك، نضج و وعي الجزائر  مكنها من تفويت الفرصة على التدويل . 
  • البعض يتساءل لماذا بالضبط السودان ؟ 
        فقربه الجغرافي للخليج و ارتباط فسيفسائه السياسية بكل ألوان طيفها و ارتهانها للدولتين في عدة مجالات، فلاحة/ تجارة مثال، مكن الأخيرتين من تمديد نفوذهما داخل دواليب السلطة، تارة على شكل استثمارات لشركات سعودية/ إماراتية في المعادن من ذهب و فضة و أحجار كريمة ….. و ثانية عبر ودائع و قروض و هبات و مساعدات غذائية، و ثالثة عبر استقدام العمالة السودانية الرخيصة لما عرف عنها من لطف و قناعة بشغف للعيش و اجتهاد في العمل، بمعنى خزان بشري استراتيجي للدولتين سهل التدجين و الإستقطاب، و هذا ما تثبته كل التدخلات العسكرية السودانية إلى جانب السعودية سواء باليمن أو سوريا و أفغانستان من قبل، أو في ليبيا من خلال الدور الذي لعبه نيابة عنها أيام القذافي و الجنرال حفتر في يومنا هذا، إلى أن أصبح الجيش السوداني عبارة عن جيش مرتزق يؤتمر بأوامرها، لا سيما خلال الفترة الرئاسية للمخلوع البشير الذي يكن لها كل الإحترام و التبجيل، من خلال تقديم الدعم و المساندة له في مواجهة محكمة العدل الدولية و قرارها القاضي بوجوب اعتقاله، و تقديمه للعدالة بتهمة المشاركة في الإبادة الجماعية ” أحداث دارفور و جنوب السودان قبل استقلال الأخير مثال “، كما تجدر الإشارة إلى أن المجتمع السوداني مجتمع بدوي تقليدي محافظ تلعب فيه القبيلة دورا مهما، سمات يشترك فيها مع شعوب مماليك الخليج من حيت التقاليد و العادات، فقره و تدينه سهل على السعودية عملية الإختراق و الإستيلاب . 
       و بالعودة لما يعيشه السودان حاليا، فمن المنتظر أن تشهد السياسة المتبعة خصوصا من طرف السعودية بالمنطقة انتكاسة أخرى، لا تقل أهمية عن انتكاستها و فشلها في اليمن و سوريا و العراق من قبل، كما أنه من المحتمل جدا في ظل تسليم السلطة للمدنيين أن يصار إلى تحسين العلاقات مع إيران نكاية بمماليك الخليج، سنية المجتمع السوداني سوف لن تقف عائقا أو مانعا أمام توطيدها مع أتباع المذهب الشيعي على غرار ما تعرفه العلاقات الإيرانية الفلسطينية/ الإيرانية الجزائرية ” مجتمعات سنية بامتياز “. 
        عسكرة الحل قد تشكل، بحسب المراقبين، خسارة للسعودية خاصة و الإمارات الحتمية لعمقهما الإستراتيجي في السودان، رغم أن البعض يستبعده و لا يترقبه، من جهة، لكون مجمل تدخلاتهما غير محببة شعبيا، و من جهة أخرى لمعاملاتهما الدونية لمواطني البلد لا سيما العمالة الوافدة على الخليج، خسارة قد تدفعهما للقيام بمغامرات صبيانية لا تحمد عقباها، لها ما يتبعها في اليمن الخاصرة الرخوة لمملكة آل سعود، و هو ما سيشكل ضغطا إضافيا قد يسهم في تقلص نفوذهما و اندحارهما في كل الجبهات، خصوصا شرقا في مواجهة غريمهما التقليدي إيران، مليارات الدولارات أنفقت على ثلاث قمم مرتجلة فضفاضة المخرجات ضبابية القرارات، لم يجف بعد الحبر الذي خطت به، حتى طفت على السطح التناقضات و التباينات بين مختلف المكونات، فهذه قطر تغرد بأن لا شيء يعنيها أو يتوافق مع سياساتها الخارجية، و ذاك العراق يقف ضد و يمتنع عن الرضوخ، بينما سوريا و اليمن مغيبتان و مصر نائية بنفسها و السودان يحتضر أقله زمرة العسكر، ماذا بقي إذن من حلف أرادوه عربيا سدا منيعا في مواجهة إيران ؟ لينقلب السحر على الساحر بعدما تمخض الجبل ليلد فأرا، كنتيجة لسياسات رعناء هاوية غير محترفة، تجد السعودية نفسها في نهاية المطاف و من معها في مواجهة مصيرها المحتوم بعد أن تخلى عنها الأشقر، و انتفض من حواليها الشقيق قبل الصديق، مصيرهم تحت رحمة براكين الحوثي و زلازل إيران ” أنواع صواريخ باليستية “، بحيث لم يبق أمامها من منفذ سوى الإنسحاب من اليمن و مفاوضة إيران منحنية مطأطأة الرأس، لعل و عسى أن يشفع لها هذا تجنب عدوى السودان أو تجزئة دول البلقان . 
        رحم الله من تنبأ و قال ما معناه ” السعودية ستعلن الحرب على اليمن، تورطها سوف يسفر عن هزيمتها و سينتصر  اليمن، إذا لم يحدث هذا، فعليكم بتمزيق مؤلفاتي و مقالاتي، ثم أخرجوا من القبر جثتي و أحرقوها “. فهل تصدق نبوؤة ” اليمن مقبرة الغزاة “؟. و هذا ما حصل بالفعل أيام الإنجليز و الأتراك و حرب عبد الناصر ….. ، و هل سيعيد التاريخ نفسه ؟. 
        أما السودان فمصيره محسوم  يتطلب وقتا ليس بالكثير قياسا بتاريخ الدول و الشعوب، لقد علمتنا إفريقيا الحديثة أن لا مكان للعسكر في ميدان السياسة، مكانهم الثكنات اقتداءا بتجربة الحراك و الجيش بالجزائر .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مؤسسة المهدي بن عبود ومركز المقاصد والدراسات والأبحاث ينظم ندوة لمساءلة كتاب ” الأزمة الدستورية” للشنقيطي

    شكل كتاب ” الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع ...