الإغتراب اللغوي في الأهواز : الأسباب والحلول

بقلم سعيد بوسامر كاتب وباحث من الأهواز العربية في ايران. له لحد الآن 3 كتب وعدة مقالات
    يحكى أنّ الروائي الجزائري رشيد بوجدرة اتخذ الفرنسية لغة للكتابة وأنجز الكثير بهذه اللغة حتى قرر يوما أن يعود للعربية فوعد الوسط الأدبي الجزائري بأن يكتب من الآن فصاعدا بلغته الأم-العربية. إنه وفى كما وعد فكتب رواية  بالعربية” التفكك” وروايات أخرى ك “معركة الزقـاق” أرجعته إلى أحضان العروبة. قال ذات يوم إن العربية أجمل من الفرنسية فاستبدلتها. وقال أيضا الكتَّاب الذين يكتبون بلغة غير لغتهم الأم يعيشون في المغترب وقد نفوا أنفسهم بأنفسهم أمَّا الكتَّاب الذين يكتبون بلغتهم فموجودون في وطنهم وبين أحضان شعبهم، وبالنسبة لي هم أفضل بكثير من الذين يكتبون بلغة أجنبية. إنّ من يكتب بلغته هو أقرب إلى القلوب. وحسب تعبير الروائية التركية “أليف شافاق” إنها تكتب بقلبها عندما تكتب بلغتها الأم التركية، وبعقلها عندما تكتب بالإنجليزية والكاتب بلغته أكثر إحساسا وأقل سذاجة من الكاتب بلغة أخرى. 
    الفكرة ممّا سبق أنّ المعهود والمتداول في تاريخ الانسانية أنّ اللغة تبقى وتحيا بقدر ما يتعاظم رصيدها من الآثار الأدبية والعلمية التي كتبها الواعون من أبنائها. فما نكتبه نحن الأهوازيون باللغة الفارسية أو الانجليزية لا يعزز ولا يخدم لغتنا العربية ولا يصب في نهر الانتاج العلمي والأدبي والثقافي لهذه اللغة بل إنّه مجرد استهلاك لغة أخرى.
    من المؤكد أن ظهور كتّاب عرب يكتبون باللغة الفارسية لم يكن إنجازا ملفتا للساحة الثقافية العربية في الأهواز. بالعكس إن هذه الظاهرة لاتنفع التأصيل والتعزيز للغتنا، إذا لم تضرّه، وليس من المغالاة أو الشططِ إذا قلنا إن الكتابة بلغة غير العربية خزيٌ علينا ونحن أصحاب لغة تعتبر لغة العلم في الماضي والحال والمستقبل وواحدة من اللغات الأربع الأكثر استخدامًا في الإنترنت والبحوث العلمية الآن، وكذلك الأكثر انتشاراً ونمواً متفوقةً على الفرنسية والروسية والصينية والفارسية. كتابتنا بالفارسية تحكيم لها وإغناء لمكتباتها. إنها مجرد عملية تقليد وخدمة للنموذج الفارسي إلا الّلهم النصوص التاريخية والاخباریة التي تريد أن ترسل رسالة إلى طرفي النزاع وياحبذا لو تعرّبت هذه النصوص أيضا لتروي التاريخ وتعزز اللغة العربية الأم وتنال مَغْنَمَيْنِ فِي آنٍ واحد. كما لا يخفى عن القارىء الكريم أنّب الأهواز مفخرةٌ في التأليفات العربية على مر العصور من فلسفة وأدب وتاريخ و… .فالإنجاز هو أن تكتب بلغتك الغنية المهجورة، هذه اللغة التي وسعت القرآن الكريم وكتبَ بها أعمدة الثقافة والعلم في العالم. 
    في ضوء ما ذكرناه أرى أن التهافت على اللغة الفارسية ليس مجرد حبٍ لها بل هناك أسباب لهذه النزعة الانفصالية من اللغة الأم والرغبة في الكتابة والقراءة بلغة أخرى:
  1. الجهل بالتاريخ العربي الأهوازي بوجه خاص وبمعالم الحضارة العربية والاسلامية بوجه عام..
  2. الرؤية الخاطئة بأن العالمية تعبر من جسر اللغة الفارسية. وهذه تأتي من فكرة أنه لا يمكن للكاتب أن يبلغ مكانة مرموقة ولا أن يذيع صيته إلا من خلال اللغة الرسمية.
  3. إن الغة الفارسية تعد اليوم لغة الوجاهة الاجتماعیة (prestige language) أي اللغة الوحیدة للمدارس والجامعات والدوائر الحكومیة، المعوّل علیها من قبل مستخدمیها وهي العالیة والمتعالية اقتصادیاً وثقافیاً والمفضلة علی بقیة اللغات المتواجدة. سیطرة هذه اللغة تأتي من الإعلام الذي يروَّج لها ويهمل اللغة أو اللغات الأخرى الموجودة في الجغرافيا المعينة، لذا یمیل الأفراد غالبا لاستخدامها في الكتابة والقراءة اقتداءً بالفئة المسیطرة والمتعالية التي تستخدمها.
  4. الإحساس بدونية اللغة الأم والثقافة الأم مقابل اللغة والثقافة المسيطرة. إن مثل هؤلاء كما يقول “بن خلدون” يشعرون بالانكسار؛ والمنكسر أي المغلوب دائما مولع بالاقتداء بالغالب.
  5. لم تكن اللغة الأم موضع اهتمام حقيقي في الأهواز رغم الدراسات العلمیة الكثیرة التي أثبتت حاجتها لدیمومة حياة الانسان العربي.
  6. ليست هناك كفاءة لغوية مطلوبة عند الكاتب الأهوازي ولا يجهد ليتقنها رغم توفر آليات متعددة لإتقانها في عصرنا الحاضر.
  7. غياب كلٍّ من الأمن والاستقرار والثقة بالنفس وتسيطر الخوف الوهمي على الكاتب الأهوازي عند كتابته باللغة العربية.
  8. غياب استعمال اللغة العربية على المستوى الأكاديمي في الجامعات والمحاضرات والنظرة اللاعلمية عليها باعتبارها تعكس التخلف مما يسبب الهروب البطيء من هوية المجموعة التي ينتمي اليها الفرد واللجوء لللغة الفارسية التي بيدها المنصات العلمية والأدبية.
  9. محاولة إرضاء القارئ العربي والفارسي معا من خلال نص يكتبه الفرد بلغة يفهمها الإثنان.
  10. التماهي والسعي لتقمص هوية فارسية من خلال الكتابة باللغة الفارسية وجذب جمهور أكبر طبعا تحت ضوء الوهم الذي يعيشه هذا الفرد.
    بالطبع لا أحد يعارض الكتابة باللغة الفارسية أو بأي لغة أخرى شريطة أن لا نكون سجناء تلك اللغة ولا ننسى لغتنا في ظل هذا التنافس المسعور والهجمة العنيفة التي تريد إذلالها و زحها نحو الهامش. يقول الحجازي: “كلما استطعنا أن ندخل الصیغ العلمیة في لغتنا وإلی مجتمعنا، استطعنا أن نؤثر علی الذهن في مجتمعنا ونوجهه نحو إدراك علمي”، فالكاتب العربي بدوره يساهم بتهميش اللغة العربية وهدم كيانها وفصلها عن أهلها عندما يقرر شطبها من حياته الأدبية والعلمية. من هذا ينبغي أن يلتزم الكتّاب الأهوازیون بإتقان واستخدام اللغة العربیة في تألیفاتهم والإصرار علی ذلك والتقلیل من الكتابة بلغات أخرى وعدم هدر الطاقات في الترجمات فإنّ ما يبقى من هويةٍ أهوازيةٍ يؤسسها الكُتّاب الذين رفعوا اللغة العربية عَلَماً وشعاراً في كتاباتهم.
المصادر التي راجعها الباحث :
– بوزيد، عبدالوهاب. الكتابة بلغة الآخر. مجلة اليوم: ٢٠١٥.
– بوسامر، سعيد. أنا لغتي: دراسة حول اللغة الأم وتنميتها في الأهواز. نشر قهوة: ٢٠٢٠.
– الحمّار، محمد . اللهجة العامية عربية فما الذي يزعج دعاة التعريب: ٢٠١٥.
– لعموري، زاوي. ازدواجية اللغة في أدب رشيد بوجدرة الكتـــابة وانشطـار الذات.https://ouvrages.crasc.dz/index.php

 

About هيئة التحرير

One comment

  1. احمد عادل صاكي- الأهواز

    دراسة منهجية متقنة الأولى من نوعها. نشكر موقع الجديدة نيوز لنشرها ما يخص الثقافة الأهوازية العربية كما نشكر الكاتب سعيد بوسامر

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

وزارة التربية الوطنية تكشف حقيقة تأجيل الامتحان الجهوي للسنة أولى بكالوريا

    نفت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (قطاع التربية الوطنية) ...