الاحتفالية .. عين على الماضي وعين على الآتي

عبد الكريم برشيد يكتب:
فاتحة الكلام
مساء يوم الأحد، العاشر من شهر رمضان، كنت ضيفا على برنامج ( الرياض الثقافي) في قناة blanca .tv بمدينة الدار البيضاء، ولقد كان محور اللقاء، والذي استمر الى ما يقارب ساعتين هو ( دور المثقف في تقويم المجتمع) ولقد كنت في تلك الندوة الثقافية الرمضانبة، امام قامتين شامختين، في مجال الفن والفكر والإعلام وهما العربي رياض، الإعلامي والباحث الفني والمورخ لحياة الفن والفنانين، ومصطفى احريش، الموسيقي والاعلامي و النقابي, كما كنت امام واقع ثقافي مغربي، غامض وملتبس و زئبقي ماكر، كما كنت امام اسىئلة جارحة و مستفزة في صدقها ومصداقيتها
هذا البرنامج اخرجني من خلوتي الصوفية، كما اخرجني من صيامي، عن الكلام في واقع الثقافة والمثقف بالمغرب، وكنت قد عودت نفسي، في السنوات الأخيرة ان لا اكتب اية كلمة إلا في مشروعي الفكري والجمالي، والذي هو المشروع الاحتفالي، والذي اوجدت له موقعا ثابتا في الفيس بوك
وفي فاتحة هذا الكلام، ساكتفي بان اقول اقل ما يمكن من الكلام، لانني في البرنامج التلفزيوني قد قلت ،ـ تقريبا ـ كل شيء، و ساكتفي بان اقدم بعض التساؤلات المختصرة، وادعكم تطلعون على التسجيل الكامل للبرنامج
وبخصوص الجديد، في هذا الواقع الثقافي المغربي الجديد، موضوع هذه الندوة، نقول لا جديد
وبخصوص ذلك القديم الجميل، والذي بنيناه وأسسناه وعشناه في المجال الثقافي المغربي ماذا يمكن ان نقول؟
هل نقول اكلته ( امنا الغولة) ام نقول بان ما كان زمان، قد تبخر و ذاب، واصبح في خبر كان؟
وبخصوص سؤال من نحن، واين نحن، ومع من نحن، هل مازلنا نحن نعرف من نحن، ام اننا قد أصبنا بمرض الزهايمر الثقافي، واننا قد نسينا كل شيء؟
وعن سوال في اي طريق نحن؟ هل في الطريق الصحيح ام في الطريق الخطا؟ ماذا يمكن ان اقول؟
هل اقول لا اعرف، وانا في الحقيقة أعرف؟
وهل يحق لي، انا الذي كتبت كتاب ( انا الذي رايت) ان اقول بانني ما رايت ولا سمعت اي شيء؟
ومثل هذا الجواب،الهارب من الجواب، ألا يكون خيانة او شكلا من اشكال الخيانة؟
وانا العارف، هل بامكانه ان يخفي عن الناس ما يعرف ؟
وهل اقول الحقيقة كلها ام اقول نصفها او ربعها فقط؟
ونصف الحقيقة، أليس هو كذب في ثوب وقناع الحقيقة؟
وهل نقول بأننا فقط مازلنا، في طريق الحقيقة؟
وهل نقول بأننا قد اصبحنا اليوم لا نمشي، بان هذا الطريق هو الذي اصبح البوم يمشي بنا الى حيث يريد، وان كل الذي نقدر عليه الآن هو الصمت الجبان، وهو الغياب، وهو اللا شيء؟
مسرح مغربي اسسه الرواد المغاربة بالحديد والنار، اين هو اليوم؟ هل نقول بان أجمله واصدقه قد تبخر وكان، فيساىف العصر و الأوان؟
لا جديد في هذا المسرح إلا الاشاعات و الادعاءات و الادعاءات الماءبة، هو التردي في ابشع صوره يعيش جميع المجالات الثقافية والفنية المختلفة، ولا وجود لإرادة سياسة صادقة، ولا وجود لسياسة ثقافية واضحة، ولا وجود لمخطط ثقافي بأجندة مفصلة. ومعززة بالاهداف وبالأرقام
وبعد كل هذا، هل بقي اليوم في نفوسنا شيء يمكن ان يسمى الأمل؟
وفي الجواب اقول ما يلي، الأمل باق ما بقيت الحياة، وكل الأمراض يمكن ان تشفى، وهل تكون الاحتفالية إلا الأمل؟ وهل ياتي الجديد إلا مع العيد؟ وهل تكتمل الفرحة إلا في الاحتفال الثقافي الصادق؟
الكائن والممكن في الاحتفالي والاحتفالية:
ونواصل اليوم بناء المشروع الاحتفالي الكبير، ودائما بنفس روح تلك البدايات التأسيسية الأولى، والتي انطلقت منذ نصف قرن، ومرة اخرى نؤكد على اننا مازلنا نشتغل داخل الورش الاحتفالي الكبير، والذي سوف يظل مع توالي الأيام والأعوام ورشا فكريا وعلميا وفنيا مفتوحا على كل الممكنات والاحتمالات، واليوم، كما الأمس الذي مضى ولم يمض، نؤكد على ان الآتي غدا، في عمر هذا الورش الاحتفالي، سيكون هو الأكبر وهو الأخطر، وهذا هو ما يجعلنا نقول ونكتب الآتي
هذه الاحتفالية هي هزة من هزات العصر، وهي حدث استثنائي في الزمن الاستثنائي، و لهذه الاحتفالية التي لم ندرك منها إلا القليل, لها زمنها الخاص، هكذا قال ويقول الاحتفالي دائما، ولها يومها الذي لا يشبه سائر الأيام، ولها ساعتها العيدية التي لا تشبهها كل الساعات العادية في الأيام العادية، وهذه الساعة لست ساعة مائية، ولا هي ساعة رملية، ولا هي ساعة آلية، ولا هي ساعة شمسية، ولا هي ساعة رقمية، وبالتاكبد فهي ساعة وجدانية وروحية خفية، وفي هذه الساعة الاحتفالية ( يتقدم الزمن النفسي و الروحي والذهني على الزمن الآلي، وتكون الساعة الداخلية أسرع وأبلغ وأصدق من الساعة الخارجية، وتكون اللحظة العيدية هي قلب الأبدية، ويكون الآن هو البداية المتجددة في التاريخ، وعليه، فإن تاريخ هذه الاحتفالية هو نفس تاريخ الإنسان المحتفل، وهو أيضا، مجموع آفاقها، ومجموع ممكناتها التي تتناسل و تتوالد، وتتجدد، و تتنوع، والتي يكون اللاحق فيها أبدع وأروع من السابق) من كتاب ( الاحتفالية هزات العصر)
ولهذه الاحنفالية كتاب بعنوان ( زمن الاحتفالية) وفيه يقول الاحتفالي المفكر ( الزمن غير احتفالي ونحن نطالب بالاحتفالية، ولو كانت موجودة ما طالبنا بها. الإنسان يطلب شيئا غير موجود. الاحتفالية الحقيقية هي أفق، مثل قمر في السماء، مثل شمس، مثل شيء بعيد عنا، نبحث عنه، وكلما اقتربنا منه يبتعد عنا، فهذا الزمن غير احتفالي، زمن الآلة، زمن القمع، زمن الظلم، زمن الفوارق الطبقية، ونحن في الاحتفالية ندعو إلى الجمال، وإلى الحق، وإلى العدالة، وإلى الأخوة والمساواة والتسامح، وكل هذه الأشياء غائبة، ولكن ينبغي أن تكون، ينبغي أن نحققها، والفن يوجد الأشياء بالقوة، وهذا ما تسعى إليه الاحتفالية. تعرف أن هذا الزمن صعب ولكنها تستمر، وتعرف أنها تسبح ضد التيار، ولكنها تسبح، تعرف أن الواقع يريد فنا تجاريا، وتصر على أن يكون الفن جميلا وأصيلا وجادا، والواقع يطلب منا أن نركب الموجة العالية .. والاحتفالية تسبح دائما ضد التيار، وبغير هذا ما كانت الاحتفالية)
ورغم ان هذه الاحتفالية موجودة في الزمان، فهي في حرب أبدية وسرمدية مع عاديات الزمان، ولأنها تخشى ان يسبقها الزمان فهي في سباق ماراطوني مع الأيام والليالي، ورغم انها سجينة بهذا الواقع، فهي لا تتوقف لحظة عن الحلم بما هو موجود وراء الواقع
وهذه هي الاحتفالية هي التحدي، وهي الموقف الضدي، وهي التصدي، وهي إصرار سيزيفي على الوصول، وعلى مقاومة الواقع، وعلى مخالفة العبث، وعلى مناهضة القبح، في الذات أولا، وفي الموضوع ثانيا، وفي عين الفنان المبدع وفي جسد الإبداع الإنساني بشكل عام.
وبحسب د. مصطفى رمضاني، في مقالة ( الاحتفالية من المؤتلف إلى المختلف ) في مجلة ( النبوغ) فإن هذه الاحتفالية، وبالإضافة إلى أنها منظومة فكرية وجمالية وأخلاقية متحدة ومتجانسة ومتنناغمة، فهي قضية أيضا ( قضية شغلت بال المهتمين بالمجال المسرحي في المغرب و المشرق على حد سواء، وهي من أهم الإشكالات التي استأثرت بالنقد المسرحي في الوطن العربي، أما في المغرب الأقصى فمن المؤكد أنها تشكل قطب تلك الإشكاليات بدون منازع، وتأتي هذه الأهمية من خصوبة الاحتفالية نفسها، فهي تقدم نفسها كمشروع فني وفكري يمكن أن يجيب عن كثير من القضايا المرتبطة بمجال الإبداع والنقد والتنظير، وإن كانت قد راهنت على حقل المسرح من خلال مفهوم المسرح الاحتفالي فهي فضاء رحب يسع كل الفنون و الإبداعات والعلوم)
انظر خلفك و امش إلى الامام:
وترى الاحتفالية أنها تمارس الاختلاف العاقل، وذلك في حدود المباح والمتاح، وهي تؤكد دائما على أن للاختلاف حدوده المنطقية التي ينبغي ألا يتعداها، وكل شيء، أو أي فعل، أو فكر، يتجاوز حده يصبح ضده وغيره، بل ويصبح نقيض نفسه وذاته، قبل أن يكون مناقضا للذوات الأخرى البرانية، وهي في ضديتها تحرص دائما على ان تظل وفية لثوابتها الفكرية والجمالية والأخلاقية، والتي هي إنسانية الإنسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة وجمالية الجمال وحرية الإبداع التي تغني الحياة بجماليات الأرواح الجميلة وبالأحلام الجميلة
وهذه الاحتفالية إذن، مختلفة ومخالفة، وهذا حقها المشروع، وهي مختلفة في بنيتها الفكرية والجمالية، وفي منظومتها الأخلاقية أيضا، وليس بإرادتها ولا باختيارها كانت مختلفة ومخالفة، وهي في سيرها ومسارها وفي فلسفتها مخالفة أيضا، وهي تؤكد على أن الاختلاف في الوجود هو روح الوجود، وهو الأصل، وهو عنوان التعدد والتنوع فيه، وهذا التعدد ليس له غير معنى واحد أوحد، والذي هو معنى غنى الحياة وغنى الوجود وغنى الموجوات وغنى الذوات الفردية وغنى الجماعات وغنى المجتمعات وغنى بعض المراحل التاريخية العبقرية، وهذا الاختلاف هو ركيزة أساسية و محورية في المنظومة الفكرية والأخلاقية الاحتفالية، وذلك في كل الأجساد والأرواح الحية، وتؤكد هذه الاحتفالية دائما على أن الاختلاف هو الأصل في كل ذات، وهو وحده الحقيقة المتجددة، وعلى أن أي شيء ( موجود) في الوجود، لا يخالف ذاته، ولا يختلف عن الموجود، لا يمكن أن يكون له وجود حقيقي، وفي هذا المعنى يقول د. مصطفى رمضاني ( منذ البداية أعلنت الاحتفالية ولاءها لمبدأ الاختلاف والمغايرة، واعتبرت كل اجتهاداتها مجرد مشروع قابل للتطوير)
من طبيعة الاحتفالي أنه لا ينظر إلى الخلف، وهذا لا يمنعه من أنه يرى ما يحدث في الخلف، وأن يتأمل ما يقع في هذا الخلف، وهو لا يفعل هذا إلا وهو واقف أمام المرآة التي توجد أمامه، وهو يؤكد دائما على أنه لا شيء أبلغ ولا أصدق من مرآة المسرح، وهذا الاحتفالي الصادق والعاشق، للحق والحقيقة، والعاشق للجمال والكمال، لا يحتفي بالماضي من أجل الماضي، ولكنه يحتفي به من أجل المستقبل، كما أنه لا يحتفي بالتراث لذاته، أي باعتباره شيئا جامدا وميتا ومحنطا، ولكن لأنه الحياة التي استعصت على الموت، والتي قاومت عوامل الموت، والتي استطاعت أن تتمدد في المكان وفي الزمان وفي وجدان الإنسان، وأن تكون عابرة للمسافات ومخترقة للساعات، مما يعني ان وجود أفكار (قديمة) عاشت لحد هذا اليوم، هو أكبر دليل على أنها تستحق الحياة، وأن يكون لها حضور متمدد ومتجدد ومتواصل في التاريخ.
إن الماضي لا يموت، هكذا يقول الاحتفالي، وعندما نعمل على دفن هذا الماضي، بعد اغتياله، ونحاول أن ندفنه وهو مازال حيا، فإنه لابد أن يعود إلينا وهو في شكل شبح، تماما كما عاد شبح والد هملت، وكما عاد شبح الماضي لأوديب الذي قتل أباه، والذي اعتقد بان الماضي قد مات وانتهى، وكذلك كان اعتقاد الذين قتلوا الملك، والد هملت، ويرى الاحتفالي أن أخطر الأشياء هي التي لا تراها العيون، والتي تكون جمرا مختبئا في الرماد، ولهذا نجد الاحتفالي يؤسس مسرحه و فكر مسرحه انطلاقا من جمر التراث، وليس من رماده كما قد يفعل كثير من المسرحيين المغاربة والعرب، وهذه الاحتفالية، كما لا يخفى على اي احد، قد خرجت إلى الوجود من جمر الأيام والليالي ومن جمر التاريخ ومن جمر الماضي الذي لا يمضي
الاحتفالية في درجة القضية:
يقول د. مصطفى رمضاني في كتاب ( عبد الكريم برشيد التصور و الإنجاز ) بان هذه الاحتفالية هي (قضية شغلت بال المهتمين بالمجال المسرحي في المغرب والمشرق على حد سواء، وهي من أهم الإشكاليات التي استأثرت بالنقد المسرحي في الوطن العربي، أما في المغرب الأقصى، فمن المؤكد تشكل قطب تلك الإشكاليات بدون منازع)
وهذه الاحتفالية تتجدد مع تحدد التاريخ، لأنها اساسا حركة، وهي طاقة وجدانية وعقلية وروحية محركة قبل كل شيء، ولعل أهم وأخطر ما يميز هذه الطاقة هو انها طاقة حيوية متجددة، مثلها مثل الطاقة الشمسية في الطبيعة، وبهذا فهي مسيرة اجساد و مسار أرواح، وهي تاريخ افكار رمزية تبحث كلها عن الزمن الاحتفالي وعن الفضاء العيدي في الوجود
وفي حوار مع الشاعر و الإعلامي ياسين عدنان في مجلة ( دبي الادبية) يقول الاحتفالي:
(وهذه الاحتفالية التي كانت في البدء مجرد فكرة، هي اليوم منظومة أفكار، وأصبحت نظاما في الكتابة وفي الفن وفي التفكير وفي الحياة، وبهذا فهي مسيرة ومسار، هي مسيرة تيار فكري جمالي فيه محطات ومنعطفات متعددة ومختلفة، أقلها هو اليوم معروف، ولكن أغلبها مازال مجهولا، ويبقى المسار الاحتفالي مسارا طويلا جدا، لأن طموحه كبير جدا، ولأن رهاناته غير محدودة ولا محددة)
كما ان هذه الاحتفالية هي مجرد حلم عاشقين في ليلة غاب عنها القمر ، وغاب عنها الحق في السمر، وهي بهذا حلم حالمين في عالم شديد الواقعية، مما يمكن ان يعطي لهذا الحلم معنى البحث عن النور والبحث عن السمار والبحث عن لحظة فرح
وفي نفس هذا الحوار يقول الاحتفالي:
(ولعل أخطر ما في هذه الاحتفالية هو أنها حلم حالمين، وأن هذا الحلم أكبر من هذا الواقع، وهو أخطر من أن تسعه الوقائع اليومية، هو حلم الإنسان في أن يدرك درجة الإنسانية الحقيقية، وأن يصل إلى درجة المواطنة الحقيقية، وأن يصل إلى عتبة الحرية والديمقراطية واقتسام الخيرات واقتسام الأفكار واقتسام العلوم واقتسام الفرح، وما أظن أن هذا الحلم يمكن أن يتحقق غدا أو بعد غد)
وبحسب هذا الاحتفالي المفكر والمبدع والحالم فإن هذه الاحتفالية هي:
ــ رؤيا عرافين ومتنبئين
ــ وهي طريق سائرين ومسافرين
وهذه الرؤية الاحتفالية ليست عبثية، ولا هي عدمية، لأن كل شيء في هذه الاحتفالية إلا وله معنى، وله دور، وله ألوان وظلال، وقد لا نعرف نحن ـ الآن ـ هنا، هذا المعنى وذلك الدور، وذلك لعلة في أجهزة الرؤية لدينا، ولكنهما موجودان بكل تأكيد، إن لم يكن ذلك هنا، فهو هناك، والغياب لا يعني العدم، وما لا نفهمه ولا نعلمه موجود مع ذلك، وقدر أي شيء من الأشياء أن يكون موجودا في جهة من الجهات، أو في حالة من الحالات، أو في هيئة من الهيئات، وأن يكون غائبا هنا، وأن يكون حاضرا هناك، وأن يظهر بأكثر من مظهر واحد، ولكنه في النهاية شيء واحد أوحد، وتؤكد الاحتفالية على أن معنى الوجود موجود في ذاته، وليس في العيون السليمة أو في النفوس المريضة، وهو موجود في المطلق من الزمان والمكان، وخارج الأعلى و الأسفل، وخارج اليمين واليسار، وقد يكون غامضا وملتبسا و صعبا على الإدراك والفهم، ولكنه مع ذلك كائن وموجود ومتحرك ومتعدد ومتجدد ومتمدد ومتفرد
كما أن الرؤية الاحتفالية ليست رؤية فوضوية للوجود، لأنها لا تؤمن بوجود الفوضى إلا في العقول غير المنظمة، وفي الحسابات غير المرتبة، وكل فوضى لا تسعى إلى النظام والانتظام لا معنى لها، وكل جنون لا يكون إبداعا، او حالة من حالات الإبداع، ولا يضيف للأشياء الجميلة، جمالا إضافيا من عنده فإنه لا معنى له
كما أن الرؤية الاحتفالية ليست رؤية عدمية، وليست رؤية تراجيدية، وذلك لأنها تؤمن أن المأساة في الحياة ليست هي الحياة، وهي ضد الحياة وضد الحيوية، وضد العيد والتعييد، وضد الفرح، والذي هو أسمى الحقوق الإنسانية كلها، وحياة بلا فرح لا معنى لها، وأيام بلا أعياد لا معنى لها، وطبيعة بلا ربيع لا معنى لها، كما أن هذه الرؤية ليست ظلامية، لأنها تؤمن بالوجود المتعدد، حيث تتقاطع الأضواء والظلال والأشكال والألوان، ونؤمن بقدرة العيون السليمة على أن تدرك هذا الوجود، بكل بنياته وتركيباته، وبكل مظاهره و ظواهره، وأن تتمثله في حقيقته التي قد يصادرها الواقع
ـ مؤقتا ـ أو تصادرها كثير من الوقائع العابرة والطائرة والمصنعة والمفبركة
في هذه الرؤية الاحتفالية يحضر الامتلاء، ويحضر الغنى، وتحضر الأجساد بظلالها، وتحضر الأشياء بأشكالها وأحجامها، وتحضر النفوس بحالاتها، وتحضر الأمكنة بأبعادها وامتداداتها، وتحضر الأزمنة بكل حياتها وحيويتنها، وبهذا تكون رؤية بأكثر من عين واحدة؛ رؤية بعين ميتافيزيقية ترى ما هو أبعد من المحسوس والملموس، رؤية ( تؤثثها الجدوائية وتقيم فيها السكينة، وتوجد فيها الألفة بين الإنسان والطبيعة، تترك الباب مفتوحا، الشيء الذي يجعل رؤيتها نوعا من التركيب بين الملهاوي و المأساوي) وهذا هو ما جاء في كتاب ( فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي )
وتحضر السكينة النفسية والوجدانية والروحية في هذه الرؤية، ولكن السكون الثابت والجامد لا وجود له فيها، لأنها رؤية متحركة، مثل آلة التصوير في يد المصور الصحفي، والتي تماشي حركية الوقائع المتحركة في هذا العالم النمتحرك، كما أنها ليست رؤية متفائلة تماما وليست متشائمة بشكل كلي ونهائي، ولكنها رؤية مركبة، تماما مثل هذا الواقع المركب، والذي فيه شيء من كل شيء
هذه كلمة اخرى في المشروع الاحتفالي الكبير، وهي تعزز الكلمات التي سبقت، وتبشر بالكلمات الأخرى التي سوف تاتي في الأزمان الآتية






