الاحتفالية في زمن المعرفة والاعتراف

عبد الكريم برشيد يكتب:
فاتحة الكلام
لا شيء في الحياة اخطر من ان تظل على قيد الحياة، وانت تواجه إمكانية الموت في كل حين، يسكنك القلق، ويحاصرك الشك من كل الجهات، هكذا قال وكتب الاحتفالي دائما، عن مشروع حياته وعن حياة مشروعه الاحتفالي، وهما معا يخوضان المعركة الوجودية، فقط من اجل الوجود وليس اكثر، والباقي كله، خارج هذا النضال الوجودي مجرد تفاصيل، ولقد كان اعتقادي دائما هو ان من يراهن على الحياة وعلى الحيوية وعلى الجمال والجمالية وعلى التحرر والحرية لا يمكن ان تكتب له إلا الحياة التي پستحقها، والحياة الحقيقية لها بالتاكيد ثمن، وانها ليست بالمجان، ونحن مع هذه الاحتفالية لما اغرب حكاية، ونحن لم نربحها في اليانصيب في لحظة كان الحظ معنا، ولقد كلفتنا اعمارنا وشبابنا وشرفنا ايضا، وذلك عندما اصبحت هذه الاحتفالية، عند البعض، ذنبا وجريمة وخيانة وانحرافا وتحريفا
ويؤمن الاحتفالي بالتحدي، وبان الحياة هي التحدي، وبان النجاة في كثير من الحالات في التحدي، وبان من يخسر التحدي بخسر وجوده وحياته، وفي هذا التحدي تحضر المقاومة، وشرف المقاومة، وبالنسبة للاحتفالي، فإنه لا شيء اصدق من ان نقاوم اعداء الوجود واعداءالحياة، فقط بجماليات الوجود وبجماليات الحياة، وليس باي سلاح غير سلاح العقل وسلاح الكلمة وسلاح الحكمة، وان تواجه الرياح الحمقاء بالصمود في وجهها، وان تظل واقفا، وان لا تنحني ابدا، وان تواجه صناع وتجار الفشل بالثقة في النفس، و بالثقة في التاريخ، وان تتمسك بالفرح الآتي، وان تظل مؤمنا بالفرح الصادق، وبالحق في الفرح، وان تؤمن بان النور موجود هناك، في اخر النفق المظلم، وان ظلام الظلم يطرده نور نور الحق ونور اليقين ونور الحق والحقيقة ونور الله، وبغير تلك المقاومة الإنسانية، والتي اسس فلسفتها المهاتما غاندي في الهند، فهل كان ممكنا ان نعيش في هذه الاحتفالية لحد هذه اللحظة، وان نعيش هذه الاحتفالية فينا وبنا ومن خلالنا كل هذا التاريخ؟
واليوم نقول، لمن يهمه ان يسمع ما نقول، اطمئنوا ..الاحتفالي والاحتفالية هما اليوم بالف بخير، ويبلغانكم السلام وقبل هذا فهما، والحمد لله، والشكر لله، مازالا على قيد الحياة، و مازالا على قيد مسرح الحياة، و مازالا على قيد التفكير في اسئلة الحياة وفي مسائل الوجود والحياة، قد يغيبان عن بعض الفضاءات الممنوعة و المحرمة عليهما، ولكنهما موجودان في الوجود
هذه الاحتفالية تحتفي اليوم بالذكرى الخمسين لمولدها سنة 1976، ونحن في هذا الظرف التاريخي الجديد، بعد هذا المسار الفكري والجمالي الطويل، راضون عنها كل الرضا، و راضون عن فكرها وعن علمها وعن فتوحاتها الإبداعية وعن مواقفها المبدئية الثابتة، وهي ايضا راضية عنا، وقد قالت لنا ذلك بغير كلام، كما قالته لمولاتنا التاريخ، وهذا يكفي وزيادة، و شيء طبيعي ان تتقاطر عليها وعلينا الاشادات من كل الجهات، وان نجد في الناس من يعرفها حق المعرفة، ومن يعترف لها بجهدها التأسيسي طوال نصف قرن
واشهد اننا في هذه الاحتفالية قد كنا اقوياء، وان قوتنا كانت قوة ناعمة و مسالمة، واننا قد اخرجنا الفكرة الصادقة للوجود، و تركناها تحيا حياتها الخاصة، وتركناها تشق طريقها، و تدافع عن حقها في الوجود وفي الحياة وفي التطور وفي الارتقاء، وعن حقها في ان تكون فكرة مختلفة و مخالفة، وان تاخذ الوجهة التي تريد، والتي هي وجهة الحقيقية و وجهة الجمال ووجهة الجلال ووجهة الجمال
واليوم ياتي الاعتراف بان هذه الاحتفالية هي الحل، ليس في المسرح فقط، ولكن في كل الفنون وفي كل العلوم وفي كل مناحي الحياة، وقبل هذا اليوم, كانت هناك أسماء كثيرة، مغربية و عربية، اعطت ما لله لله، و اعطت ما للاحتفالية للاحتفالية، ولقد حدث كل ذلك في زمن لم يكن زمنا لقول الحقيقة، ولا كان زمنا للانصاف
ونحن في هذه الاحتفالية قلنا وكتبنا وبينا في البيانات، وعلى امتداد كل اعمارنا، بأن المسرح هو الاحتفال، وبان تاريخ المسرح الحي، هو نفس تاريخ الإنسان في تاريخ الاحتفال الحي، وان اي مسرح فيه تصنع وفيه تكلف وفيه استعراضية وفيه نرجيسية وفيه الية زائدة وفيه تجريبية بلا معنى هو مسرح ميت، وقد يكون هو اللامسرح، هذه هي ام كل الحقائق في الفعل المسرحي، والذي لا ينطلق من فرجة نتفرج عليها، ولكن على حياة نحياها ونفكر فيها في نفس الوقت
في هذه الكتابة التي تؤطرها المعرفة والاعتراف نجد الشاعر والباحث الأستاذ عبد العزيز باحفيظ يقول ( تسعى الاحتفالية من جيل لجيل، حاملة في أحشائها التجدد والتساؤلات والعيدية و.الحفل و الاحتفال)
اما الدكتور نور الدين الخديري، والذي هو احد الأصوات الجديدة والحادة في النقد المسرحي, فإن اما يميز الاحتفالي هو انه يمارس التفكير بصوت عال، وذلك ( دليل على عفوية صادقة، وطبع ملهم، يسافر رنا عبر الزمان والمكان والأحداث و الطقوس، والحضارة التي يشكلها فكر انساني خصيب، من خلال الآداب والفنون)
دقت ساعة الاعتراف والانصاف :
الآن دقت ساعة الحقيقة، وجاءت لحظة المعرفة والاعتراف، وجاء جيل جديد من المسرحيين المغاربة والعرب، والذين اقتنعوا جميعهم بان المشروع الاحتفالي هو مشروع جاد وجديد و مجدد ومتجدد، وانه بحاجة اليوم إلى قراءة فكرية وعلمية، هادئة و رصينة، بعيدا عن تلك الحساسية المرضية، والتي واجهت هذه الاحتفالية مواجهة غاضبة و عنيفة وغير مبررة، ولا هي مفسرة ايضا، والتي جاءت مع البداية التأسيسية الأولى للاحتفالية، والتي لم تستوعبت اللحظة التاريخية في حينها، ولم تفهم جوهر وروح فلسفة التعييد الاحتفالي, وفاتها ان تعرف ان ابواب التجريب يمكن ان تدخل منها كل التجارب وكل المدارس وكل التجارب وكل التيارات المسرحية، والتي كان من بينها التجربة الاحتفالية
واليوم، وقد مات النقد الأيديولوجي، ومعه النقد النقد المسرحي الفطري, تظهر كتابات نقدية جديدة، اهم ما يميزها هو الاعتراف مع المعرفة، وهو قراءة هذه الاحتفالية لوجه الفكر المسرحي ولوجه الفن المسرحي، وليس لحسابات ايديولوجية او سياسية ان مزاجية او فئوية ضيڨة
وعلى صفحته في الفيس بوك، تحضر المعرفة، وتحضر اخلاقيات الاعتراف، ونجد الإعلامي والباحث المسرحي السوداني عصام ابو القاسم يقول:
( لم افتخ مجلة، او كتابا، او بحثا علميا حول المسرح العربي، في اي بلد عربي ـ من الشام إلى الخليج أو المغرب العربي ـ مما يصدر خلال العقود الأربعة الأخيرة، إلا وجدت فيه ذكرا لعبد الكريم برشيد، أو الاحتفالية التي اسسها، سواء كان ذلك اتفاقا أو اختلافا او تماهيا، لقد شكل هذا الرجل وعي اجيال و تجارب عديدة في المسرح العربي ، ومازال حراكه مستمرا
هذا هو الإرث المعرفي والثقافي الحي الذي يجب ان أن نعود ىه، وهذا هو المعنى الحقيقي للخلود، تحية لك استاذنا العزيز عبد الكريم برشيد، وأطال عمرك، ورمضان كريم)
وعلاقتي بهذا الباحث المسرحي الجاد والمجتهد، ابتدأت من درجة البحث عن المعرفة، ومن باب عشق المسرح، ومن باب فهم روح هذا المسرح، والذي هو الحوار، وهو التعدد، وهو الاختلاف، وهو الحق في الاختلاف، وهذا هو ما جعله بعيدا عن ذلك المناخ الذي يعادي الاحتفالي والاحتفالية، بدون سبب منطقي، والذي افسد كتابات نقدية كثيرة جدا، اعتمادا فقط على المزاج المريض، وليس اي شيء اخر
وفي الرد على ذ، عصام ابو القاسم يقول الاحتفالي ما يلي:
(أهلا وسهلا اخي وصديقي العزيز المثقف الجميل والنبيل عصام ابو القاسم
وشكرا على الشهادة الصادقة التي اعتز بها، واشهد انك، ومنذ عرفتك في السودان، ومنذ أن استضفتني على امواج إذاعة ام درمان، وانت هو انت، نفس المثقف الصادق والعاشق للمسرح ولكل الفنون الجميلة و صديق لكل الفنانين و صديق لكل المثقفين العرب
مرة أخرى صديقي واخي اقول لك شكرا
كلمتك صادقة وجميلة بكل تاكيد، ولقد اسعدتني واضافت لعمري عمرا اضافيا، وامدتني بالقوة وبالثقة في الحياة و پحمالية نفوس اصدقائي الأعزاء من كل الوطن العربي، والذين شملوني يفيض حبهم، ولهم جميعا أقول شكرا احبتي
ودامت لي صداقتكم الصادقة
اخوكم عبد الكريم برشيد)
المسرحية الاحتفالية حياتنا التي نحياها:
في دراسة عن المسرح الاحتفالي بعنوان ( حين يتحول المسرح إلى عرس جماعي) وذلك بموقع ( الرابطة العربية للمسرح) يقول الكاتب الأستاذ محمد امين مداح ما يلي:
( تخيل انك لا تجلس في قاعة مظلمة تنتظر العرض..
بل تدخل فضاء يشبه الساحة الشعبية
اصوات الموسيقى تعلو، حركات الجسد تتراقص، الحركات تتشابك، ووجوه المتفرجين تقترب منك
لا احد يطلب منك الصمت
بل الجميع يدعوك للمشاركة
هنا لا يكون المسرح مجرد منصة مرتفعة
ولا الجمهور صفوفا صامتة
بل يتحول العرض إلى احتفال حي، تجربة جماعية تتنفس باللحمة نفسها
هذه هي روح المسرح الاحتفالي الذي اسسه الدكتور عبد الكريم برشيد، ويرى في المشاركة الجماعية اساسا لكل فعل مسرحي)
وبعد هذا التقديم، والذي قدم فيه الكاتب تعريفا شاملا لفعل الاحتفال المسرحي الشعبي، وذلك في صدقه ومصداقيته، وفي قربه من الحياة اليومية الناس، ينتقل الكاتب الى طرح سؤال
ما هي الاحتفالية؟) وفي الجواب يقول ما يلي:
(الاحتفالية ليست ديكورا تقليديا أو لباسا فلكلوريا، ولا مجرد موسيقى او رقص
إنها موقف كامل، فلسفة تقول:
المسرح فعل جماعي، ولد من الطقس، و الطقوس والهوية الثقافية، وليس مجرد فرجة فردية
الاحتفالية تعيدنا إلى اصل المسرح..
إلى اللحظة التي كان فيها العرض حدثا اجتماعيا، يسير جنبا إلى جنب مع الحياة اليومية، مع الأسواق، المهرجانات، المهرجانات رأس و الأعياد) ونقل بعد هذا إلى سؤال اخر والذي هو
ماذا ارادت الاحتفالية ؟
وفي الجواب يقول
(مسرح الجدار بين الممثل والمتفرج
إعادة الاعتبار للتراث الشعبي والطقوس الجماعية
جعل المسرح مساحة الفرح والنقاش معا
تحرير الخشبة من القالب الغربي المغلق
هي دعوة إلى مسرح ينبض بالهوية
دون ان ينغلق على نفسه او يصبح نسخة عن نماذج غريبة)
اما بخصوص سؤال (لماذا هي مهمة اليوم؟) فيقول الكاتب
(قد تبدو الاحتفالية حنينا إلى الماضي
لكنها اكثر من ذلك
هي محاولة لإيجاد حداثة تتبع من ثقافتنا، تعيد للجمهور دوره، وللخشبة حياتها، وللمسرح رسالته
المسرح الاحتفالي يذكرنا ان العرض ليس مجرد رؤية، بل تجربة مشتركة، بحيث يمكن لكل شخص ان يكون شاهدا و فاعلا في الوقت نفسه
الاحتفالية تعلمنا ان المسرح ليس مكانا نشاهد فيه ما لا يخصنا
بل هو نظام نعيش فيه اللحظة معا
نضحك، نفكر، تشارك ونشهد
تماما كما نفعل نحن في حياتنا اليومية
لكن هنا، على خشبة المسرح، تصبح٠ كل لحظة احتفالا وموقفا إنسانيا
ومن الجدير بالذكر ان هناك نصوصا مسرحية لكتاب كبار اختاروا هذا المنهج، ومن بينهم الدكتور مصطفى رمضاني في مسرحية ” سوق المطيار” التي جسدت الرؤية الاحتفالية بشكل مميز، لتظل مثالا حيا على كيف يمكن العرض ان يكون تجربة جماعية حية)
وفي رده على الأستاذ محمد امين مداح يقول الاحتفالي
(تحياتي لك اخي العزيز السي محمد امين مداح على هذه الالتفاتة الجميلة لروح الاحتفالية الشعبية في المغرب، والتي تسعى إلى تقريب الإنسان من فنه ومن ثقافته ومن لغته المسرحية الحقيقية
والاحتفالية قبل ان تكون مسرحا، فهي نظام حياة, وهي نظام وجود في الوجود
شكرا اخي العزيز، و المجد. والخلود للمسرح الذي يعرف من اين اتى، ويعرف لمن يبدع، ويعرف كيف يكون اضافة إبداعية لا تخرج عن دائرة ثقافة الناس وعن همومتهم و اهتماماتهم)
وبخصوص هذه المسرحية الاحتفالية فإنني اقول في ختام هذه المقالة ما يلي
المسرحية الاحتفالية هي حياتنا التي نحياها معا
وليست حياة الآخرين، في الأزمنة الأخرى، وفي الأمكنة الأخرى، والتي نتفرج عليها من بعيد






