الواجهةمجرد رأي

الاحتفالي بين علم اليوم وعلم الأمس.

بقلم: عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

من أين أبدا هذا البدء الجديد؟
هكذا يتساءل الاحتفالي دائما، وبالنسبة للإنسان الشعبي فإن البداية يمثلها القبض على رأس الخيط، ومن ضيع البداية الصحيحة كيف يمكن ان يصل إلى النهايات السليمة؟ وأبدا اليوم من بيت شعري قيل قبل هذا اليوم بمئات السنين، وهو الشاعر ( الجاهلي) زهير بن أبي سلمى الذي قال
(واعلم علم اليوم و الأمس قبله
ولكنني عن علم ما في غد عمي)
وهل هناك شيء يمكن أن يسمى علم الأمس وعلم آخر يسمى علم اليوم وعلم ثالث يسمى علم الغد؟
وهل يمكن أن نتصور أن ياتي يوم جديد من غير أن يحمل إلينا الجديد؟
وهذا القديم، والذي كان في زمن من الأزمان جديدا، إلا يمكن تحديدها بلمسة فكرية و بلمسة جمالية وبلمسة سحرية؟
ونحن الذين نحيا الآن ـ هنا، ولكن أرواحنا و عقولنا وقلوبنا متعلقة بذلك الغيب الذي سوف يأتي أو لا يأتي، كيف يمكن أن نصالح بين زمنين متباعدين؟
وهل يمكن ان نتوقع ما سوف يقع قبل ان يقع، بشكل كامل وشامل؟
وهل يمكن أن نقرأ ما سوف يكتب قبل أن يكتب، وأن نحيا الأيام الآتية قبل تأتي، وأن نعيشها عن بعد؟
إن شرط المعرفة، كما يؤكد الاحتفالي دائما يكمن في التجربة الإنسانية الحية، أما شرط العلم فهو موجود في فعل التجريب، المختبري و الميداني معا، والحسي والرمزي أيضا، أما شرط الفن الصادق فهو أن نحيا الحياة بصدق، وأن نعيشها بحيوية صادقة، وأن ندرك مشاهدات هذه الحياة بعين العراف، وأن تسجلها بقلم المؤرخ، وأن نحسها يقلب الشاعر، وأن نتاملها بعقل العالم، وأن نغيرها ونجددها بلمسة الساحر، بهذا المنطق تأسس الفكر الاحتفالي، وبهذه الرؤية قرأ المبدع الاحتفالي دفاتر الواقع و دفاتر التاريخ.
المرجعيات الحية في الأعياد الحية:
وبالنسبة للاحتفالي فإن لكل يوم من الأيام علمه الخاص، وله فكره، وله فنونه، وله صناعاته، وله أحلامه، وله مكتشفاته ومخترعاته وله اختيارات وله أولوياته، وأعرف أنني مثل زهير بن أبي سلمى أعرف علم اليوم، وأعرف علم الأمس فقط، وأقول ( أعرف) مع وضع كلمة أعرف بين قوسين اثنين، ويهمني بالتأكيد أن أعرف غدا علم الغد وعلم ما بعد الغد، إذا استطعت أن أبلغ عتبات هذا الغد. وأن أبلغ ما بعده، ولو كنا نعرف علم اليوم والأمس قبله، ونعرف علم الغد أيضا، ما كان لفعل البحث أي معنى وما كان للاجتهاد أي معنى ولما بقي للتجريب أي معنى، وما بقي الحياة أي معنى، وهل كان لغروب الشمس و شروقها صباح كل يوم إلا من أجل أن نعيد اكتشاف الوجود من جديد، ومن أجل أن تنسى مع ظلمة الليل كل شي، وأن نعيد مع ضوء الصباح اكتشاف كل شيء.
ونحن فعلا، في صباح كل يوم، نبحث عن علم اليوم، و نبحث عن فكر اليوم و نبحث عن فنون اليوم، ونبحث عن صناعات اليوم، ولكن يبقى ان تتساءل، وعلم ذلك ذلك الأمس، ماذا تفعل به؟ هل نقول هو اللاعلم وهو علم، وهل نقول عن الشعر القديم بأنه اللاشعر وهو شعر؟ هل نقول عن الفكر القديم بانه اللا فكر وهو تأمل عقلي
أملته العبقرية الإنسانية؟ وهل نلقي به في سنة المهملات، وأن نبدا العلم والفن والفكر من درجة ما قبل اكتشاف النار واختراع العجلة؟ وهل نحن وصلنا إلى علوم اليوم بدون المرور بعلوم الأمس؟
ان وجود يوم من الأيام، ليس له في هذا التاريخ تاريخ، وليس له أب شرعي ينسب إليه، فهو بالتأكيد يوم غير شرعي، وكل علم في هذا اليوم، ليس له في التاريخ آباء ، وليس له علماء وحكماء فهو علم غير شرعي.
ولعل هذا هو ما جعل الاحتفالي، في بحثه عن العيد في التاريخ والجغرافيا يقول، بان وجود عيد ليس له في الواقع مرجع، وليس له في الأيام مرجع، وليس له في تاريخ الأعياد و الاحتفالات الإنسانية مرجع معين، فهو اللاعيد
ان هذا الذي نسميه العيد، والذي له وجود في حياة الأفراد والجماعات في كل المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، هو المرأة الصادقة والناطقة بكل لغات الجسد، الكائنة والممكنة الوجود، ولكي تكون هذه المرأة حقيقية، وان تؤدي وظيفتها الحقيقة، فإن عليها ان تكون مرأة سليمة وان تكون غير مكسرة، وان تكون نظيفة، وغير متسخة، وحتى يكون هذا العيد احتفالا حقيقيا، وحتى لا يكون مثل ذلك الاحتفال الكرنفالي في احتفالية ( فاوست والأميرة الصلعاء) فقد وجب ان يكون مرآة تعكس خبايا النفوس، وان تعكس ما في الأرواح وما في العقول وما في الوجدان، قبل ان تعكس الوقائع البرانية وحدها.
الحاضر لا يحضر وحده ولا يغيب وحده:
وانا الاحتفالي، في حواري مع الأيام، وجدت بيتا شعريا يقول
(رب يوم بكيت منه فلما صرت إلى غيره بكيت عليه)
اما الاحتفالي فقد قال ( فلما صرت إلى غيره ضحكت عليه) نعم، ضحكت عليه، و ضحكت على كل الحمقى في كل تلك الأيام الحمقاء، والتي قد نظن انها مضت ، وهي لم تمض.
إن هذا الزمان هو إطار مجرد وغير محدد، وهو سياق تاريخي، وفيه ما قبل وفيه ما بعد، والذي يفيد التعاقب، وفيه التزامن ايضا، اي الاشتراك في حقبة زمنية واحدة، وفيه الحقبة التاريخية، وهي المدة الزمنية التي تستغرقها ظاهرة تاريخية معينة، ومنها الظاهرة الاحتفالية المتجددة في التاريخ المتجدد
في هذا الزمان يحضر الحاضر ويحضر الماضي ويحضر المستقبل، وفي هذا الوقت تحضر الساعة، ويحضر اليوم، ويحضر الأسبوع، ويحضر الشهر، وتحضر السنة
وفي الزمن الاحتفالي هناك فراغات كثيرة، وهناك هدر كبير لكثير من الأوقات، والتي ضاعت في المهاترات وفي توضيح الواضحات وفي تفسير البديهيات وفي كثير من الاسئلة البيزنطية، والتي نجد من بينها سؤال ايهما تسبق في الوجود، التنظير الاحتفالي ان الإبداع الاحتفالي؟ وهذا السؤال لا يختلف كثيرا عن سؤال ايهما أسبق في الوجود، البيضة ان الدجاجة؟
ويقول الاحتفالي في كتاب ( غابة الإشارات) في النفس الذي يحمل عنوان ( مرثية الزمن الضائع) وفي العنوان الفرعي الذي يقول ( لكل وقت اذان ولكل يوم علم)
( وهذه الأيام الهاربة تعلم، ولكن علمها هوائي مثلها، و شبحي وزئبقي، ونريد ان تمسك به، وان تقبض عليه، ونكون كمن يريد ان يقبض على الماء والهواء او على حفنة من الدخان، و حدثني من يثق باستاذية الأيام قال: انه لااحد يمكن ان بتعلم،. بشكل حقيقي، إلا فيها وبها منها، ان من يسبقنا بيوم وليلة لابدان يكون اكثر علما منا. ان العلم الحقيقي احتكره الأسلاف والسابقون والأولون،. اكثر من مرة تساءلت:
هل هناك علم واحد، صالح لكل الناس، في كل الأزمان والعصور؟ إن لكل عصر عامه وله فهمه ورؤيته وله رجاله وشؤونه وقضاياه)
نحن في هذه الاحتفالية نجرب كل شيء, ونفترض كل الفرضيات، نجرب النظام مع شيء من الفوضى، ونسميها الفوضى المنظمة، و نجرب الكتابة العاقلة مع شيء من الارتجال المجنون ونسميها كتابة حيوية، و نمارس الاحتفال القديم مع شيء من الجديد، ونقول هي احتفالية جديدة ومتجددة.
وفي نفس كتاب ( غابة الإشارات) يقول الاحتفالي ما يلي
( هذه الأيام التي تأتي وتمضي أين تختفي واين تختبئ؟
إنها تتحلل في الفراغ، وتتلاشى في المطلق،. وعبثا نحاول ان نسترجعها، وان نعيد انتاجها، وان نعيد لها نفس اللحظات التي كانت ونفس الساعات والحالات والمقامات ونفس العلاقات والإضاءات لكننا ـ وفي كل المحاولات ـ تنتهي إلى الفشل، ويكون لهذا الفشل معنى السقوط، ويكون لهذا السقوط درجات، اعلاها واقصاها السقوط المأساوي وادناها السقوط الملهاوي)
الإبداع بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية:
ونعرف ان الأشخاص لهم ذاكرة فردية تحتفظ بكل شيء ولا تفرط في أي شيء، والمجتمعات ايضا لها ذاكرتها الجماعية، والتي نسميها التاريخ، ووجود فنان بلا ذاكرة، فإنه لا يمكن ان يكون فنانا مبدعا، ووجود عالم بلا ذاكرة، فإنه لا يمكن ان يكون عالما مبدعا، وفي النهاية فنحن لا نعطي إلا ما عندنا، و فاقد كل شيء، لا يمكن ان يعطي اي شيء
والإبداع ليس فعلا سحريا، وهو تاليف لدى المؤلفين، وهو تركيب اصوات عند الملحنين، وهو فعل اكتشاف لدى المكتشفين، وهو حلم لدى الحالمين، و مهمة المبدع هي ان يخرج الحي من الميت، وان يخرج الحركة من السكون، وان يعيد تركيب الموجودات في الوجود، وماذا يمكن ان يكون الاحتفال الشعبي في المجتمعات المختلفة، سوى انه ديوان الثقافة الشعبية، وانه ديوان الفنون الشعبية، وانه ظل وصدى وصوت وملح الحياة اليومية الحية ؟
ونحن فعلا نعيش اليوم، من غير ان يكون هناك حاجز بين ثقافة هذا اليوم وثقافة الأمس، والعلاقة بين القديم والجديد هي علاقة جدلية، ولا وجود لجديد لا يمكن ان يصبح قديما، ولا وجود لقديم لم يكن في يوم الأيام جديدا، ولهذا فقد حرصت الاحتفالية على ان لا تكون قديمة بشكل تام، وان لا تكون جديدة بشكل نهائي، ولقد فضلت ان تكون متجددة في قدامتها، وان يكون صوت التجديد فيها هو الأقوى وهو الأعلى، وان تكون دائما هي ممكناتها التي فيها، وان تكون اجمل وأصدق كل الاحتفاليات فيها هي الاحتفالية الممكنة الوجود، وذلك في الآتي من الأيام والأعوام
ونحن بالتاكيد نظلم ذلك الذي نسميه باسم المحافظ، وننسبه الى ذلك الماضي الذي مضى، مع انه صاحب ذلك الجديد الذي (كان) جديدا، والذي يتبقى ان يظل جديدا، لأنه جميل و ثمين، ولأنه
اكبر وأخطر و اغلى من ان تكون قيمته محدودة و محددة في حقبة معينة، ولعل هذا هو ما جعل الاحتفالي مصرا على ان لا تصبح احتفاليته في قبضة زمن من الأزمان، وان تكون احتفالية جديدة ومتجددة على الدوام
ويعرف الجميع بانه لا تصح المفاضلة ولا الموازنة في عقل الاحتفالي ولا في النظام الاحتفالي، وذلك لأنه لا يمكن ان نفاضل بين جمال اليوم وجمال الأمس، ولا بين حقيقة اليوم وحقيقة ذلك اليوم الآخر، وكل القيم الجميلة، في الاحتفالية الجميل، هي قيم احتفالية مطلقة، وهي قيم عابرة للزمان و عابرة للمكان وعابرة للثقافات واللغات
والقطيعة مع الماضي، كما قد يروح لها البعض، لا يمكن ان تكون إلا نسبية و محدودة، وهي قطيعة واحدة في الذات الواحدة، والتي يحتمل اي تكون بها منطقة القديم ومنطقة اخرى للجديد، من غير ان يكون هناك اي تعارض بين الجانبين، و اصدق الحوار في ذات الإنسان، هو ذلك الحوار بين القديم والجديد وبين الكائن و الممكن وبين الواقعي والحلمي
و باسم الواقعية الشكلية، كان هناك صوت في المسرح المغربي والعربي ضد التراث وضد التاريخ، وكان هناك نقاد مسرح ضد وجود الشخصية التراثية والتاربخية في الكتابات المسرحية الحديثة والمعاصرة، وكانوا يرون في ذلك هروبا من الواقع والوقائع، وكانوا يعتبرون هذا الفعل تقية سياسية، وكان هذا الواقع جزيرة مغلقة على نفسها، وكأنه لا يجوز ان يكون الممكن كائنا، وان يكون الغائب حاضرا، وان يكون البعيد قريبا، وان يكون المعنى المجرد مجسدا في اجساد و مشخصنا في شخصيات، وان لا يضيق المسرح عن احلام الحالمين، ولهذا فقد أ استبعدوا وجود امرئ في باريس وان يكون جحا في فاس. ىان يكون ابن الرومي في مدن الصفيح، وان يوجد سقراط في أثينا الجديدة، مع انه لا وجود لأية فكرة لا يملكها الواقع، في معناه الواسع، ولعل اصدق كل الأفكار في الواقع هي الأفكار المجنونة، وهل يصح ان نقول بان الجنون غير واقعي، وان الحلم غير واقعي، وان الشطح الصوفي غير واقعي، وان الهذيان السوريالي غير واقعي؟
إن الإبداع الأدبي و الفني والفكري والعلمي و الصناعي هو اساسا هو حلم حالمين، ومن يجرؤ ان يقول بان هذا الحلم الشعري ليس جزء اساسيا و حيويا من الواقع؟
ومن ذا الذي يمكن بان ينكر بأن هذا الحلم هو الجزء الأصدق والأجمل في هذا الواقع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى