الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

الاحتفالي والتراث في الكيمياء الإبداعية.

بقلم: عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام

هناك في الناس من يسمع كلام الناس، فقط ليرد عليهم، وان يكون رده مختلفا ومخالفا، وان يكون نقدا لهم ونقضا لمواقفهم، وان يكون فيه شيء كثير من الاتهام ومن التخوين ومن الأستاذية ومن الاستعراضية، وفي الجانب الآخر، هناك من يسمع كلام المتكلمين ليفهمه وأن لا يرد عليه حتى يدرك معناه اولا، و لحدود هذا اليوم، وبعد خمسين سنة، فقد تكلمت وكتبت هذه الاحتفالية كثيرا، ولقد سمع السامعون كلامها كثيرا، او هكذا تخيلنا، و ردوا على الاحتفالية و الاحتفاليين بما يشبه الكلام وبما قد يشبه فعل الكتابة، ومن غير ان يفهموهما فهما سليما، ولعل هذا هو ما يفسر ذلك الحوار الأعرج بينهما، والذي استمر لعقود طويلة جدا، وذلك في كتابات غاضبة و متشنجة، غاب فيها الصدق و المصداقية، وغاب عنها الجد و الجدية وبدون معنى، كتابات غاب فيها العلم وروح العلم وكل الأدبيات و الأخلاقيات العلمية، وإن مثل هذا (الحوار)، زالذي ليس حوارا حقيقيا، هو الذي يمكن أن نسميه حوار الطرشان
وفي زمن (مضى) ، وقد لا يكون مضى بشكل حقيقي، كانت الاحتفالية تعني عند بعض النقاد و الدارسين التراث، المكتوب والشفهي وحده، دون اي شيء اخر غيره، وكان هذا التراث لديهم مجرد التفاتة إلى الخلف، كما كان عند البعض الآخر مجرد تقية سياسية، وكانت الشخصية التاريخية، بكل اقنعتها ورموزها ودلالاتها الغنية، مجرد قناع فقط، وذلك للهروب من الشخصية الواقعية والطبيعية، وبهذا فقد كانت الاستعارة الشعرية، في الإبداع المسرحي الاحتفالي مثلا، ابتعادا عن الواقع وعن الواقعية، وكانت بحثا أسطوريا عن الزمن الضائع وعن القيم التاريخية المغقودة، وفي هذا المعنى يقول المثل ما يلي:
(لا تفكر في المفقود حتى لا تفقد الموجود)
التراث في المسرح والمسرح في التراث:
ونحن في الاحتفالية قد فكرنا فعلا في المفقود، من اجل ان نوجد الموجود، ولقد أمنا مع العالم والفيلسوف الفرنسي لافولازيه بانه
( لا شيء يضيع ولا شيء يخلق، وكل شيء يتحول) مما يعنى ان الكتابات التراثية القديمة لا يمكن ان تضيع في الفراغ المطلق، وان كتابتها الجديدة اليوم, هي نفس تلك الكتابات القديمة، ولكن برؤية اخرى، و بمشاعر اخرى، وبتقنيات أخرى، و بمواقف اجتماعية وسياسية وجمالية اخرى، ولكن المادة الفكرية تظل هي نفسها، تماما كما هي نفسها في مجال الكيمياء، وهذا هو بالتأكيد ما اكد عليه الاحتفالي عندما قال بانني لا افعل شيئا سوى انني افكر في الأفكار القديمة، وانني أعيد صياغة نفس الكتابات القديمة، وانني اقرا الكتابات الأدبية والفكرية قراءات اخرى جديدة و مجددة
وعليه، فقد أمكننا ان نقول مع مؤسس الكيمياء الحديثة لافوازييه بانه لا شيء يضيع في عالم الأفكار الرمزية، وأنه لا شيء يخلق من لا شيء، وانه لا وجود في الوجود إلا لفعل التحول، وانطلاقا من هذا القانون الفيزيائي، فقد حول الاحتفاليون حروف اللغة العربية إلى عبارات ناطقة، و حوال تلك العبارات إلى كثير من الإبداعات ومن المواقف ومن الحالات وإلى كثير من الشهادات ومن المشاهدات
وبعض النقد الآخر، في تعامله مع الاحتفالية والاحتفاليبن، قد اعتبر هذه العلاقة العاشقة مع للتراث مجرد حنين عاطفي الى ماض مضى، وانه بذلك تراجع إلى الخلف، مما يمكن ان يسمى بلغة السياسيين رجعية ونحن في هذه الاحتفالية المتمردة نعلم ان كل شيء في علمها وانها و فكرها يمكن ان يخضع للمراجعة النقدية، ويخضع النقد الذاتي، ويخضع أحيانا التعديل، تماما كما يمكن للتاسيس الاحتفالي ان يعقبه فعل اعادة التأسيس أو فعل إعادة الترتيب او فعل اعادة الصياغة، ولكنه ابدا لا يمكن ان يخضع التفكير الاحتفالي و المبادئ المبدئية الاحتفالية و القبم الاحتفالية فيها إلى التراجع او إلى المقايضة
هذا التراث، افترض البعض انه موجود في الماضي وحده، في حين انه موجود في كل زمان ومكان، و تراثنا هو نحن، ونحن في ابداعاتنا هذا التراث لا وجود له في المتاحف ولا في الكتب الصفراء ولكن في حياة الناس اليومية
كتبنا امرؤ القيس في باريس، وقالوا ابن الرومي هو التراث، وفاتهم ان تساءلوا وهل باريس من التراث؟
وكاينة مسرحية ( ابن الرومي في مدن الصفيح) فقالوا ابن الرومي شخصية تاريخية من التراث المكتوب،. فانهم ان يسالوا، وهل مدن الصفيح من التراث ايضا ؟
المادة إذن.، لا تفنى في التفاعلات الكيميائية، ونفس الشيء يمكن ان نقوله عن المادة الفكرية في تفاعلاتها ايضا، فهي لا تفنى، ولكنها تتحول و تتغير و تتجدد، و لعبة التحولات، في كيمياء الكتابة الفكرية، هي لعبة الكتاب الكبار بكل تاكيد، والذين يجيدون فعل الاشتغال في مجال كيمياء الأفكار وكيمياء الحالات وكيمياء المشاهدات
وفي مقدمة كتاب (فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي و في ما وراء اليومي) يقول الكاتب الاحتفالي ما يلي:
( في هذا المدخل ـ البيان و كعادتي دائما، لا اتحدث لكم إلا بلسانين، بلسان الشاعر وبلسان العالم، واقول علنا و جهرا، ان وجود لسان واحد لا بكفي، لأن الإنسان وجدان وعقل،رو يهمني ان أخاطبهما معا، وإن انطلق بهما أيضا)
ونفس هذا الاحتفالي هو الذي قال في نفس كتاب ( فلسفة التعييد..)بان.( المستقبل لا يمكن ان يبدا من فراغ زمني، ولكنه اتصال عضوي بما كان، وانفصال عنه في نفس الآن، وشيء مؤكد أن المستقبل يبدا من اللحظة الآن، وان هذا الآن المؤسس لما بعده هو اساسا قراءة فاعلة ومنععلة ومتفاعلة، قراءة لما كان، واستشراف و توقع و نبوءة بالذي سوف يكون غدا.. في الماضي اذن يتحقق الفعل التاسيسي لوجود ( جديد) يمكن ان نسميه مئات او آلاف الأسماء)
المسرح عيد والباقي أيام:
ونحن نبحث في علاقة التراث با الإبداع الفكري والجمالي فإنه لابد لنا ان نتساءل:
وماذا يمكن ان يكون هذا الذي نسميه العيد سوى انه يوم من الأيام, ولكن الجديد فيه هو يوم مركب ترگيبا كيميائيا وفيزائيا، وذلك في مختبرات الأيام الليالي، وفي نفس هذا المعنى يقول مولانا جلال الدين الرومي
(ما مر يوم إلا وابتسمت له
كانك عيد و الباقون ايام
او كان طيفك إذ طرت أتبعه
أنت الحقيقة والجلوس اوهام)
بالتاكيد هناك فرق كبير بين بوم العيد وباقي الأيام الأخرى، وهذا هو ما يؤكد عليه الاحتفالي دائما، سواء في فكره وعلمه او في حياته وحياة فنه
وفي حياتنا اليومية، كما يقول الاحتفالي في كتاباته النظرية، هناك الأيام العادية المتشابهة، والتي يتبع بعضها البعض، حتى لكان الأمر يتعلق بمجرد يوم واحد فقط. يوم يكرر نفسه عبر الأبدية، وهو يوم واحد فيه شروق و غروب، وفيه صباح ومساء، وفيه نوم و استيقاظ، وفيه حضور وغياب، وفيه فرح وحزن، وفيه ربح و خسران. وإلى جانب هذا اليوم العادي، هناك يوم استثنائي اخر نسميه العيد، والذي قد يظهر بانه يوم مثل كل الأيام الأخرى، في حين انه يوم جديد، شكلا ومضمونا، هو يوم يعيد للزمان جدته، ويعيد للأشياء بريقها، ويعيد للعقول اسئلتها، ويعيد للعيون قدرتها على ان تعيد اكتشاف العالم من جديد بشكل جديد، ويعيد للأرواح حياتها وحيويتها، ويعيد للأجساد المعتقلة حريتها ووحركيتها، ويعيد للنفوس دهشتها وفرحتها
وفي هذا العيد نستعيد اجمل واكمل وانبل وأصدق ما في الوجود وفي الحياة، نستعيد الزمان الضائع، ونستحضر ذلك الجديد الذي غيره القدم في غفلة من الأيام، ونستحضر الجميل المدهش ايضا، وهل يصح ان نقول مع جلال الدين الرومي بان هذا اليوم هو وحده الحقيقة، وان باقي الأيام الأخرى ما هي إلا اوهام داخل اوهام داخل اوهام .. إلى ما لا نهاية؟
ولقد سبق للاحتفالي ان قال في كثير من كتاباته، بان العيد هو سيد الأيام، و بانه سلطان كل الأيام والليالي، وكما ان في الأيام اعياد، فإن كثيرا من مدن العالم هي مدن عيدية واحتفالية ايضا، وهي مدن يتقدم بها العمر ولا تشيخ، وتعرف كثيرا من المحن، و تخسر كل الأشياء إلا شيئا واحدا، والذي هو الفرح بكل مشتقاته، ابتداء من صناعة الفرح إلى الدعوة إلى البهجة والفرح وإلى صناعته في الفن والفكر وفي مظاهر الحياة
ومن حق هذه المدن الاحتفالية ان يحتفي بها المبدع الاحتفالي، وهذا ما تم في تجارب كثير من المبدعين المسرحيين الاحتفاليين، ولهذا فقد احتفى المخرج المسرحي عبد المجيد فنيش بمدينة سلا و ذاكرتها وبروحها، كما احتفى المخرج المسرحي محمد بلهيسي بمدينة تازة، وفي مسرحه تحضر المدينة التي تحرسها الجبال، كما وجدنا الكاتب المسرحي الاحتفالي الأستاذ رضوان احدادو يحتفي بمدينته الاحتفالية تطوان، والتي الهمته كل إبداعاته المسرحية، كما نجد هذه العلاقة الاحتفالية بين الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى ومدينة طنجة، ونفس الشيء نجده بين المسرحي والشاعر الغنائي محمد البارودي ومدينة وادي زم، ووجدت أيضا بين الشاعر والكاتب المسرحي محمد فراح ومدينة الدار البيضاء ونجده بين الفنان الاحتفالي الشامل محمد عادل ومدينة فاس، ونجده بين الكاتب والمنظر والمسرحي د، محمد الوادي ومدينة تاونات التي أنبتته، ووجدت بين جناح التامي مدينة الأطفال التي تسكنه، التي نعرفها ولا يعرفها
وإلى جانب المدن الاحتفالية، هناك شخصيات واقعية وتاريخية و تراثية كثيرة جدا، وهي احتفالية الروح القلب والعقل و الوجدان، وفي الكتابات الإبداعية تحتفي الاحتفالية بمدن هي باريس و قرطبة ولندن ومدريد و فاس و القاهرة و بيروت وبغداد و اثينا ، كما تحتفي بشخصيات احتفالية ياتي على راسها ابن الرومي، عاشق الحياة و عاشق الجمال، والخائف من الموت ومن بغداد التي يحبها ويخاف منها
يقول ياسين النصير ( تشمل مسرحية ” ابن الرومي في مدن الصفيح” خير نموذج دراسي ونص مسرحي يعبر بكل وضوح وجلاء عن النظرية الاحتفالية باعتبارها بديلا للمسرح الغربي الأرسطي، كما ان هذا النص الاحتفالي بشكل مرحلة مهمة في تأصيل المسرح العربي وتاسيسه، ولكن المشكلة الأساسية في هذا المسرح كما يطرحه النص تبقى في صعوبة التحرر من الخشبة الإيطالية ومستلزماتها السينوغرافية، والتي تتناقض و النظرية الاحتفالية، والتي تدعو إلى فضاء مفتوح كالساحات و الأماكن العمومية و الفضاءات المنفتحة واماكن الحلق)
نعم، إن العيد الاحتفالي الحقيقي لا يمكن ان يتم في الفضاءات المغلقة، و العلبة الإيطالية المغلقة ليست فضاء احتفاليا، ولكن ساحة جامع الفنا مثلا، والمفتوحة على الأرض والسماء وعلى الحياة والأحياء، هي بالتاكيد ساحة احتفالية، ولعل هذا هو ما جعل الطيب الصديقي يهجر العلبة الإيطالية ويتجه صوب ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، وصوب ساحة باب منصور العلج في مدينة مكناس، وصوب كل الفضاءات المفتوحة من كل الجهات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى