أخبار وطنيةالواجهةمجرد رأي

الاختراق الإسرائيلي للأراضي السلالية بين مطرقة القانون وسندان العرف

شمعون بالأراضي السلالية.. الاختراق الإسرائيلي للأراضي السلالية بين مطرقة القانون وسندان العرف

​بقلم: الأستاذ بوخني عبد الحكيم

​في عمق البادية المغربية، حيث لا تزال الأرض تقاس بـ الخطوة والزمن يحسب بـ المواسم، يحدث تحول جيوسياسي صامت وخطير. لم تعد اراضي الجموع مجرد وعاء عقاري لقبائل ذوي الحقوق، بل تحولت إلى ساحة خلفية لتنزيل أجندات التطبيع الفلاحي، حيث يتقاطع الاستثمار الرأسمالي الجشع مع النفوذ الإسرائيلي المتصاعد، مشكلا تهديدا وجوديا يتجاوز الاقتصاد ليمس الهوية، العرف، والأمن الروحي للقبيلة.
​لا يمكن فهم هذا الاختراق دون العودة إلى القانون 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية. هذا القانون، الذي جاء تحت شعار تثمين الأراضي وإدماجها في التنمية، فتح في مادته الـ20 الباب واسعا أمام كراء العقارات السلالية عن طريق طلبات العروض.
هنا تكمن الخديعة القانونية. فالمستثمر الإسرائيلي لا يأتي بصفته العسكرية الفجة، بل يأتي محتميا بشركات ذات واجهات قانونية ، أو عبر شركات مغربية بالاسم ، مستغلا دفاتر التحملات التي فصلت على مقاس التكنولوجيا العالية ورأس المال الضخم، مما يقصي تلقائياً الفلاح السلالي البسيط ويشرعن دخول الغريب من الباب الواسع للمؤسسات.
​ الأرض أم وليست أصلا و​الاشتباك الأول الذي يحدث ليس قانونيا، بل ثقافي ووجودي في العرف السلالي المغربي، الأرض ليست سلعة قابلة للتداول، بل هي رحم وعرض. العلاقة مع الأرض مبنية على الانتفاع والاستخلاف والجوار.
حين يدخل المستثمر الإسرائيلي، فإنه يطبق منطق الاستيطان على الاستثمار.و العرف السلالي يترك الأرض مفتوحة للرعي بعد الحصاد (حق الانتفاع الجماعي). المستثمر يسيجها بالأسلاك الشائكة، وهو ما يعتبره القروي إهانة وبترًا لجسد القبيلة.والعرف نفسه مبني على الشفافية (الكل يعرف حقل الكل). المستثمر يعمل خلف أسوار عالية، بكاميرات وحراس، مما يخلق غيتو معزولا يثير الريبة والخوف.
​الإشكال الديني والفقهي: فقه الماء في مواجهة لصوصية الفرشة ​لعل أخطر ما في هذا الملف هو البعد الشرعي المتعلق بـ الماء.
في الفقه المالكي، والتقاليد الإسلامية عموما، “الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار. ولا يجوز شرعا الإضرار بالجار في شربهم أو سقيهم (قاعدة لا ضرر ولا ضرر).
الاستثمارات الإسرائيلية تعتمد غالباً على زراعات مستنزفة للمياه (مثل الأفوكادو والبطيخ) موجهة للتصدير .
هنا نقع في المحظور الشرعي:
​حفر آبار عميقة تستنزف الفرشة المائية المشتركة، مما يؤدي لغور آبار الفقراء وجفاف عيون المساجد.
​هذا الفعل ليس استثماراً بمنظور الشرع، بل هو إفساد في الأرض وهلاك للحرث والنسل، حيث يتم تدمير التوازن البيئي الذي خلقه الله وحافظ عليه الأجداد بـ البركة والقناعة، لصالح ربح سريع وعملة صعبة لا يرى منها السلالي شيئاً.
​ فخ الذاكرة بين اليهودي الذمي والصهيوني المستعلي
​أخيرا، تلعب هذه الاستثمارات على وتر حساس وخطير عبرخلط الأوراق في الذاكرة المغربية.
يتم تسويق المستثمر الإسرائيلي أحياناً بعباءة اليهودي المغربي العائد لأرض أجداده، لاستدرار عطف النية المغربية المعروفة بالتسامح.
لكن القروي يصطدم بواقع مغاير تماماً ​يهودي الذاكرة (ما قبل 1948): كان جارا، يشارك في السوق، يخضع لعرف القبيلة، ويحتمي بها.
​الإسرائيلي الحالي يأتي بعقلية الاستعلاء. لا يطلب الجوار بل يفرض السيطرة. يستخدم التكنولوجيا كسلاح، والقانون كدرع. إنه لا يندمج في النسيج السلالي، بل يمزقه ليخلق مكانه ضيعة نموذجية ثكنة بأصوارها خالية من البشر ومشحونة بالتوتر.
هذا المقال في الأصل هو ​دعوة لليقظة على ​أن ما يحدث في أراضي الجموع اليوم ليس مجرد تحديث فلاحي، بل هو عملية احتلال ناعمة. يتم فيها استبدال البركة بـ التقنية بيد شمعون ، والسلالي بـ الأجير ( الخماس )، والسيادة الغذائية بـ التبعية الاستراتيجية.
على الجماعات السلالية، ونواب الأراضي، والفقهاء، ورجال القانون الشرفاء، أن يعوا أن التوقيع على كراء الأرض لهذا النوع من الاستثمار، هو توقيع على وثيقة إعدام لنمط عيش كامل، وتفريط في أمانة لم يفرط فيها الأجداد حتى في سنوات السيبة والمجاعة.
​كما أن حاجز الدم والضمير توحد أن القروي يرفض مصافحة الصورة البشعة
​يخطئ من يظن أن العالم القروي معزول عما يدور في العالم، أو أن الفلاح السلالي مجرد كائن اقتصادي يلهث وراء الربح. الحقيقة أن هذا القروي يمتلك وعياً فطريا وتضامناً مبدئيا يتجاوز الحدود.
الإشكال الجوهري هنا لا يتعلق فقط بالأرض أو الماء، بل يتعلق بـ صورة الآخر.​فالمستثمر الإسرائيلي، مهما حاول تجميل وجهه بـ التقنيات الحديثة أو الشراكات الاستراتيجية، يأتي مسبوقا بـ سمعته العالمية. تلك الصورة البشعة التي رسختها عقود من الحروب، والتهجير، وصور الأطفال تحت الركام، والقرى المدمرة في فلسطين ولبنان.
​الرفض النفسي والأخلاقي يعتبر واقعا عندما يقف السلالي أمام هذا الوافد، هو لا يرى ربطة عنق أو مشروعاً فلاحياً؛ بل يرى في خلفية المشهد دبابة وبندقية. ذاكرته البصرية مشحونة بمشاهد الظلم والقهر التي يراها على الشاشات ويسمع عنها في خطب الجمعة.
لذلك، فإن رفضه له ليس رفضاً لـ يهودي (كدين)، بل هو رفض لـ ممثل كيان ارتبط اسمه عالمياً بجرائم الحرب وانتهاك حقوق الإنسان.
و ​اليد الملطخة في العرف القروي المغربي، الطهارة شرط للمعاملة. ومصافحة من تحوم حوله شبهات الدم تعتبر تلوثا للعرض والشرف. الفلاح السلالي قد يقبل الفقر، وقد يقبل الجفاف، لكنه يأنف أن يأكل من مال يراه مغموماً بدعوات المظلومين في بقاع أخرى.
هذا الحاجز الوجداني هو الجدار الصلب الذي تتحطم عليه كل إغراءات التطبيع الفلاحي. فالأرض السلالية، التي رويت بدماء المقاومين المغاربة ضد الاستعمار، ترفض بذكائها التاريخي أن تحرث بآلات من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء في مكان آخر.
​إنه باختصار: فيتو أخلاقي يرفعه أهل الدار في وجه من يعتبرونه غير مرغوب فيه إنسانيا، قبل أن يكون قانونيا.
​الأرض أمانة.. والتطبيع مع استنزافها خيانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى