الواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

الاضطراب الجنسي.. السلفية المتطرفة.. الزواج المتسرع، الإجهاض..

 

الاضطراب الجنسي.. السلفية المتطرفة.. الزواج المتسرع، الإجهاض.. قراءة في رواية “صويحبات الجامعة” للكاتب محمد إقبال عروي.

بوسلهام عميمر
تقديم:
يقال “الكاتب ابن بيئته”، وابن ثقافته وموسوعيته المعرفية، فرواية “صويحبات الجامعة”، مثال حي تعكس تخصص الكاتب النفسي اعتمده في تحليله لنفسيات شخوصه، بلغة شفيفة تقربنا من دواخلهم وخلجات نفوسهم، وتعكس تخصصه الأدبي بحكم دكتوراه في الأدب العربي دراسة وتدريسا بالتعليم العالي لسنوات ذوات العدد، وإقباله على دراسة الأدب الإنجليزي، بما يزخر به من روائع باعتباره من أقدم الآداب الأوربية، تركز على تمجيد الأبطال والشجاعة والكرم. كما تعكس تخصصه الديني بحكم دكتوراه في الدراسات الإسلامية، أهلته ليتقلد مناصب علمية متعددة، علاوة على ثقافته الشعبية، مرورا بتجارب حياتية مختلفة داخل الوطن وخارجه. فكان لهذه الخلطة الكيميائية كثيرة المشارب، مفعولها في إخراج “صويحبات الجامعة”، بالمستوى الذي هي عليه شكلا ومضمونا، معنى ومبنى.
“صويحبات الجامعة” بصفحاتها الخمس وعشرين صفحة بعد المائة الثالثة، يصعب تصنيفها، لكن يمكن الجزم بأنها إلى الرواية الواقعية أقرب، أو إلى الروايات السير ذاتية بتغيير بعض الأسماء والأماكن وما يتطلبه السرد الروائي من خيال. فتماهي كاتبها مع بطل روايتها “هابيل” كبير، لدرجة يمكن القول بأنهما “روحان حلا بدنا” بتعبير الصوفية، على أكثر من صعيد؛ السن الخمسيني، العودة إلى مقاعد الدراسة الجامعية وبالتحديد شعبة الأدب الإنجليزي، التخصص النفسي، فضاء الرواية؛ نهر سبو، محمية “سيدي أبو الغابات”، سوق “الخبازة”، البوشتيين، المرجعية الدينية المناقضة لأي تطرف، الشخصية المسالمة “لا يكاد يرعوي من سكينته الوديعة”314، حتى والأيدي تبسط إليه بالأذى، من قبل طلبة فصيل غاظهم حضوره الفكري بين الطلبة والطالبات حال دون التمكن من لمياء في إحدى سهراتهم الماجنة. فشعاره كان “ما هو بباسط يديه ليؤذي أحدا ولو بسط العالم إليه يد المكر والخديعة والإقصاء”307 تيمنا بموقف هابيل في قصته مع أخيه قابيل لما قال له “لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك”. ألا يقال بأن لكل نصيب من اسمه؟ فهل صدفة اسمه إقبال؟ وزوجة السياب إقبال؟ واسم الممرضة إقبال؟ ومع كل ما سبق وغيره تبقى عملية إسقاط شخصية السارد على شخصية الكاتب، عملية غير مأمونة الجانب. فالإبداع خيال قبل أن يكون أي شيء آخر، وإن اشتغل على الوقائع واستند على الوثائق.
الكاتب نبض مجتمعه:
فالرواية من صميم واقع الجامعة المغربية. فقوتها أن كاتبها لم يطرق بابها من مقروءاته أو مسموعاته. “فليس من رأى كمن سمع”. إنه عاش الأحداث وعايش نخبة من طلائع طلبتها وطالباتها، تجاوزت العلاقة حدود ما يرتبط بالتحصيل الدراسي، إلى ما هو اجتماعي، وأكثر إلى ما هو روحي فيما يشبه علاقة الشيخ بالمريد. ففي سياق ما كان بينه وبينهم من نقاشات وجدالات يقول “ولم يكن الوضع عاديا بمقاييس الأعراف والمواضعات، طالبة تضع لبنة في عقدها الثاني، وكهل خمسيني اللمحات متفاعل مع الحوار والنقاش كأنه في حالة جذب وتوحد .. تفنى معه المقامات”17 وهو الخمسيني يجلس جنبا بجنب معهم بدون أدنى مركب نقص، ليشكل معهم فريقا علميا، له ما لهم وعليه ما عليهم، لدرجة يصعب التمييز بينه وبينهم.
بمهارة المتمكن من ناصية صنعته، استطاع الكاتب من خلال شخوصه وعلى لسانهم، أن يتناول في روايته هاته موضوعات من عمق انشغالات المجتمع وهمومه؛ سياسية واجتماعية ودينية وتعليمية، أسالت الكثير من المداد ولا تزال، بين مؤيد لها ومعارض حد التباين والتناقض. ففن الرواية هذه ميزته. إنه يتيح للكاتب بعيدا عن مقص الرقيب، ما لا تتيحه الكتب الفكرية أو المقالات الصحفية، أو الحوارات المباشرة. إنها إحدى نقط قوة السرد الروائي.
فعبر كل شخصية ثانوية من أمثال المحاميد عشاق سنبلة أو قيوسها بتعبير هابيل، وليلى، وبشرى بفرنسا، والممرضة سلمى، أو شخصيات رئيسية (سنبلة، الخنساء، شروق، مريم، لمياء) وعمر، تمكن الكاتب بفنية عالية من طرق أبواب تيمات روايته. فعبر عمر، تناول أكثر من إشكالية مجتمعية، إذ تضافر تعسف اعتقاله بسبب احتجاجه على هدم براكة أقامها له والده، مع تخلص لمياء من شالها وتخليها عنه، لتلتحق بركب ليلى رمز التحرر اليساري، كان يعقد عليها آمالا جلى، ليرتمي في حضن التطرف عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن يفتأ يبث في نفوس متابعيه “بأن الباطل لن تندك حصونه الظالمة إلا تحت سنابك خيول دولة الخلافة”279. كانت المناسبة مواتية لهابيل بحكم موسوعيته المعرفية وعمق علمه ومواكبته لهذه التوجهات الدينية بالقراءة والدرس والتحليل لأهم مرتكزاتهم متمثلة أساسا في ابن تيمية، ليصحح مغالطات في حوالي عشر صفحات من روايته (278-286)، يذهب ضحيتها عدد من الشباب، كما كان هو نفسه ضحيتها في صغره، إذ اعتقل رفقة صبية معه بمقبرة الحي “أبو الشتا”، ليتم إطلاق سراحهم باعتبارهم “صبية يحلمون أحلام يقظة، يفصلون النصوص والسير عن سياقاتها، … فيتحولون إلى بهلوانات تبعث على الضحك والإشفاق”27.
وما عمر سوى نموذج لهم، إثر قراءات متعسفة لتراث هذه القامة الكبيرة في تراثنا الإسلامي. فهابيل كما يقول في ص279 “دعا في مؤتمر دولي إلى ضرورة تحرير ابن تيمية من الأفهام السقيمة التي علبت فكره المتوازن في قوالب جامدة حادة”، كما تطرق معه إلى حديث الفرقة الناجية، وأكد له أن الغرق في تراث ابن تيمية بقراءات خرقاء وعرجاء، إنما هو قتل لسياقه “تقتل سياقك الذي تعيش فيه الآن لصالح سياق عاش فيه ابن تيمية، وأبلى فيه البلاء الحسن .. وابن تيمية لن يقبل منك أن تقتل سياقك”283 ليخلص قائلا “فإذا استطاع قلب المؤمن أن يمكن العالمين من أن يكونوا تحت ظلال رحمة الله، فهذا يعني أن العالمين هم الفرقة الناجية” 284 . كما صحح للمياء اعتقادها في التزنر بحصن المسلم قائلا، “كانت تحرص على أن تضع كتيبا صغيرا بعنوان “حصن المسلم” على صدرها وتغمض عينيها، تستحلب منه حصنا، مع أنه لا يعدو أن يكون ورقا، لا يسمن ولا يغني من رعاب.. وإنما الحصن من رب رحيم” 157. وعبر شخصية شروق طرق موضوعة المثلية، مذكرا ببعض أسبابها والأطراف المغذية لها، ومآلاتها، وكيفية التعامل معها. شروق وهي جنين تعرف رفض والدها لها وكأنه يقول لأمها “شبعنا من الإناث، هيئي رحمك لكي يأتي المولود ذكرا”143 فأنى لها أن تعيش توازنها وهي تعرف رغبته في إجهاضها ومعرفتها بمغادرته للبيت عقب ولادتها “سبع ليال وثمانية أيام حسوما”144؟ ف”حلمه بأن أكون طفلا ذكرا ظل يقظا في تلافيف وجداني، فقررت أن أحقق له حلمه.. بتشكيل محياي من جديد”145، لدرجة تقول في ص149″لم أكره أنثاي الخاصة بي، بل كرهت كل ذكر صادفته أو صادفني”. كان لهابيل بحكمته المعهودة دوره، في عودة شروق إلى سرب الصويحبات مشافاة معافاة بعد رحلته في إثرها إلى فرنسا ومناقشتها بالحجة والدليل حتى أقنعها بالعدول عن مثليتها (198- 220). فالمثلية أكيد يتداخل فيها ما هو نفسي، بما هو بيولوجي، بما هو اجتماعي وبما هو ديني، وقبل كل هذا بما هو أسري، ولربما هو الأساس مما حذا بالكاتب في شخص هابيل يركز على الوالدين بقوله في ص206 “أعتذر لك أختنا شروق .. أدرك أن الموازين مختلة بين الآباء والأبناء”. فكان اللقاء ومحاورتها بداية نهاية عهدها بالمثلية تأكيدا منه، أنه بالحوار المعقلن، يمكن إدراك ما لا يمكن إدراكه بالعنف المادي أو المعنوي من أية جهة كانت. وسنبلة الشخصية المحورية في الرواية، آلت على نفسها ألا يشغلها شاغل عن دراستها، تبادلت الأدوار بينها وبين هابيل المريدية والمشيخة، فعنها يقول هابيل “ارتجت أركان إيماني .. لولا لطف قرأته في عيني سنبلة، فأدركت أن السماء أذنت بأن تكون سنبلة شيخي الآتي، وأن أكون أنا مريدها الفاني”14. فحضورها بارز على امتداد صفحات الرواية. كانت نافذة للاطلاع على عالم التصوف بروح مقاماته، وجذباته، وتشوفاته وتشوقاته وفيوضاته وطريق الإشارات والمنارات التي لا تحدها العبارات، ومدارج السالكين، وظواهر الأمور وبواطنها، وأنوار اليقين وسدرة المعارف، والأوراد والتراتيل، والمكاشفات والمكابدات، ف”لغة الشيخ والمريد حالة تعاش، وليست أصواتا تتردد ثم تتلاشى في الفضاء ويطويها النسيان”76. فسنبلة لم يكن اختيار اسمها عبثا. فالسنابل رمز الخير والعطاء والنماء. فعلاوة على تصوفها بمعنى من المعاني، فعبرها تناول معضلة تؤرق عددا من الأسر، ويتعلق الأمر بالزواج المتسرع وغير الناضج، كما جاء على لسانها في حوارها الشائق مع أحد محاميدها، رغب في الارتباط بها، استغرق حوالي عشر صفحات (237-247)، فبقدر اندفاعه نحوها للارتباط بها، بقدر صدها له بكل الوسائل كقولها له في ص241 “ما أدراك أن تتغير رؤاك ومواقفك، وتصبح كائنا آخر ينبذ ما كان يعتقده حقا وصوابا..؟ من أدراك أن تتغير عندك مقاييس الارتباط وأذواق الجمال .. قل لي بربك، أليس من الخير أن لا يكون هناك ارتباط أصلا، فلا عين بكت، ولا أذن تأذت، ولا قلب انجرح” ثم تضيف قائلة في ص242″الارتباط اختيار وخيار، وهو أحوج القرارات إلى نضج تلك الصيرورة”، لتبلغ ذروة مرافعتها في الدفاع عن قناعتها قائلة “الارتباط المبكر انتحار، لأنه قائم على مراهقة منحازة لا تعرف الإنصاف والاعتدال”243 وتذكره قائلة “ويمكنك أخ محمود أن تزور محكمة الاسرة لترى بعينيك، وتسمع بأذنيك عدد الزيجات اللواتي ارتبطن مبكرا ثم انصرم حبل الارتباط بينهن، وصار الوفاء خبرا لكان”243. ومما عززت به دفاعها التمثيل بما هو ملموس ومعيش. ففي فصلها تعرف ثلاث طالبات ارتبطن باسم التحصن والحب. ماذا كانت النتيجة؟ من حسن حظ اثنتين لم ينتج عن هذا “الزواج الذي يشبه الأكلات السريعة أبناء، فإن الثالثة تجر خلفها بنتا لا تجد من تناديه “بابا””246 يتوافق رأيها مع رأي هابيل الذي يحمل حملة شعواء على الآباء ممن “البنات عند بعض الآباء مشروع زواج أو رحلة إزعاج.. تكبر فتعنس ثم تصير بضاعة كاسدة يعشش تلافيفها الديدان”246-247 فاختياره التريث “إذ تكون حاسة الاختيار مكتملة التركيب، قادرة على أن تلتقط صورة متكاملة عن الذات وعن الآخر الذي سيلتحم مع تلك الذات” وبسخرية يقول عن هؤلاء “أرادها المحاميد قبرة تحضن بيضها، وتنكمش في عش ضيق يلفه المألوف، ويتراقص فيه الرفاه والبنون”247، وفي حوار مطول لهابيل مع الشاب محمود عن الزواج يصحح مسألة الزواج نصف الدين الرائجة “إذ ليس هناك نص من آية أو حديث ينص مضمونه على أن الزواج نصف الدين ولن يكتمل تدين المرء إلا أن يهرع إلى الزواج مثلما يهرع المدمن إلى حشيشه والسكير إلى قنينته .. أحلام أكبر من الجبال تبث الأشواق وتسبح في الافاق”171. وعبرها أيضا وجه سهام النقد إلى الوضع الصحي بالبلاد. فما معنى انتظار “ليصل الظرف السحري من مختبرات العجم حاملات في طياته نارا أو نورا”78. وضع صحي عرت عن جزء منه جائحة كورونا. عبر عنه الكاتب على لسان هابيل بتعبير دقيق في ص83 “إن كورونا لا يرضى بأن يقتحم هذه الفضاءات. هو في غنى عنها يكفي أن يترك المجال لهذه الفيروسات اللقيطة المنتشرة في جميع الأركان كالغربان”.
وعبر شخصية مريم تناول بالتفصيل مسألة الإجهاض، (295-304)، وخاصة في صفوف الطلبة باسم التحرر والحب، فيقع الحمل خارج مؤسسة الزواج، فيتنصل فارس الأحلام من مسؤوليته فيروغ روغان الثعالب، ليتحول إلى فارس أسقام، كما وقع لمريم “نجت بأعجوبة من الآثار المدمرة للإجهاض”302 ختمت كارثتها صائحة بقولها بعدما وغل الفأس في الرأس “ليتني حذرت .. ليتني حذرت”304 وطبعا ساهم في هذه النتيجة مغادرتها لبيت أبيها بسبب الشنآن الدائم مع زوجته، فكانت لقمة سائغة في فمه لينال منها ويتركها غارقة في محنتها تقول وهي تجذب شعرها المنسدل بعنف “الحق معك يا لئيم .. أنا التي مكنتك من قلبي .. ومن جسدي .. أنا التي مكنتك من..”296 وصولا إلى الخنساء، رمز الطالبة المفروض أن يكون الطلبة والطالبات على شاكلتها، انسجاما مع سنهم في مقتبل العمر، زمن البحث عن الذات، وانسجاما مع موقعهم بالجامعة المفروض المشاكسة العلمية والمعرفية والسؤال، فالإيمان، أي إيمان، أبدا لا يمكن إلا أن يكون مبنيا على الحجة والبرهان. ذلك شأن علاقتها مع هابيل داخل المجموعة. فكانت كما ورد في ص132″الخنساء شواظ من لعنات”.
واتته المناسبة عبر هذه الشخصية، ليحاكم جيله جملة وتفصيلا. كان النقد قاسيا لكنه بحجم المأساة التي خلفها وأورثها للأجيال اللاحقة. كانت مداخلة نارية استغرقت صفحات، بمثابة محاكمة قاسية، خلصت فيها بالقول صائحة “أنت جبان .. وجيلكم جيل الجبناء .. تفننتم كسحرة في رضع الجبن وإرضاعه للنشء”312، وبفورة الشباب والاندفاع الطلابي وبزهو زائد صرخت في وجهه “الثورة قادمة أيها الجبان”312 ففي نظرها فجيله عاش على الوهم دون أن يحقق شيئا من شعاراته. فلا الوحدة حققها و لا الحرية ولا الكرامة شم رائحتها ولا القومية ولا غيرها. بل كان جيل الخنوع والخضوع والفرقة والطائفية وتزييف الحقائق وشرعنة الظلم بالفتاوى الزائفة. فكم من الأبرياء اقتيدوا إلى مقصلات الموت “أدخلتم النشء في متاهة أعنف من متاهة “ديدالوس” متاهة ليس لها مخرج .. ألا تستحق أن تتنزل عليك اللعنات أنت وجيلك العقيم..”138. وزادت قائلة “حولتمونا إلى بدعة في تاريخ الإنسانية، أمم وشعوب تمضي إلى الأفق المضيء وعيونهم حبلى بالآمال، ونحن نرتكس بكم إلى الوراء، … بينما الخيانة ضاجعتكم سحرا، وفضت بكارة عروبتكم وتدينكم الحربائي” وفي غمرة حماستها و حملتها الشعواء على هذا الجيل في شخصه، رفعت من سقف لومها قائلة بيقين العارف “محكوم عليكم أن تتلاشوا في مزبلة التاريخ مثل نفايات عتيقة.. ثم يصب عليكم محاليل كي لا تمتد نتانتكم إلى الآتي”138.
باستنكار شديد قابلت سنبلة ما صدر عنها في حق هابيل، فحاولت تجييش بقية الصويحبات وعمر ضدها، لكن هابيل كان له رأي آخر، إذ فاجأهم بتزكيته لحكمها بمعنى ما قائلا، “بأن ما يصدر عن الخنساء هو الماء العذب .. غير أنه ينهمر في قوة الشلال”139 إقرارا منه بما جرى على لسانها.
الإبداع الفني والمحسنات الجمالية في الرواية:
ويبقى الإبداع له خاصيته الجمالية، لن تعوضها إذا افتقدت، لا الرسائل ظاهرة أو مشفرة مهما بلغت شدتها، ولن تعوضها الإشارات والدلالات مهما بلغت قوتها، ولن تعوضها المواقف السياسية، ولا الدينية ولا الظواهر الاجتماعية مهما بلغت مأساويتها. فماء الإبداع هو أساس أي منجز أدبي؛ شعرا أو سردا أو زجلا أو أي فن من الفنون التعبيرية، وإلا فيمكن أن نسميه أي اسم إلا أن نقول عنه أدبا. فقد أبان الكاتب عن قدرات كبيرة في بناء روايته الفني، لا من حيث لغته الانزياحية القوية تذكر بلغة فطاحلتها في عصورها الزاهية، ولا من حيث أسلوبه وطريقة نحته للصور الجمالية باعتبار الأسلوب في اللاتينية هو الإزميل، ولا من حيث تشبيهاته لتقريب مضامين رسائله، ولا من حيث تناصاته وتعبيراته ومجازاته. بالمثال يتضح المقال. لنتأمل معه هذه الصورة الحية في قوله “أما هو فقد كان غارقا في عيني سنبلة .. يسبح في بحور آياتها المعجزات”42، و لنتأمل معه هذا التعبير البديع في سياق وصفه لحراس مقهى المثليين بباريس “اثنين من أشباه بني آدم غلاظ شداد، يحرسون المقهى أحدهما أسود اللون، وأما الثاني فعليك أن تخلط العديد من الألوان، كي تحدد وصفا دقيقا للون بشرته.. أما باطن المقهى، فأقسم لكم بالأيمان المغلظة أنكم لا تستطيعون أن تميزوا ذكرا من أنثى، ولو كان معكم جن سليمان”203. وفي سياق حديثه عن كورونا كان لها نصيب أوفى في هذه الرواية نجده يقول في ص91، في سياق وصفه لغرفة سنبلة بالعيادة الخاصة “مكتب صغير تعلوه شاشة تسعف في صد جيوش الارق التي لا تلين”. صورة بديعة إذ يجعل للأرق جيوشا صلبة المراس لا تلين. وفي نفس سياق الحديث عن الجائحة وما أحدثته من انقلاب كلي في حياة الناس، نجد هذا التعبير البليغ في ص155″أخرجوا ما تزودوا به قبل أن يأكله السوس ويفسد طعمه، وتعافه الكلاب”. وفي سياق رده الشديد على سنبلة بسبب ارتداء شروق ل “البرودكان”، حتى ضاقت ذرعا به فخاطبته قائلة “كفى .. كفى أستاذ هابيل أرجوك كفى، فالرأس مرجل تلتهمه النيران”53. وفي ص42 نجد تعبيرا غاية في الرومانسية الروحية “أما هو، فقد تلاشت المسافات بين الهو والهو، لم تعد المسافات تعني له شيئا، … فقد كان غارقا في عيني سنبلة ..، يسبح في بحور آياتها المعجزات”. وفي ص 111 في سياق حديث هابيل مع سنبلة عن مريم يحدث نفسه قائلا بمجاز معبر “على أمل أن تنفرج الأزمات التي تحفر أخاديد في نفوسنا ومحيطنا بلا سابق إنذار”.
تعابير بالعشرات إن لم تكن بالمئات تستحق الوقوف عندها. حتى إذا توقفنا مليا مع التشبيهات في الرواية فهي أكثر من أن تحصر. تشبيهات كثيرة بكل أنواعها التام والمؤكد والمجمل والبليغ بحذف وجه الشبه وأداة التشبيه. تشبيهات غاية في البلاغة والجمال، فشبه بالسلاحف الخمولة، وشبه بحرون الفرس، وشبه بأمشاج الصوف، وبأقفال الفاتيكان، و بالتيجان هامة رؤوس السلاطين، وبلسع العقرب، وبأرنبة حزينة، وبعيدان شجرة الكالبتوس، وبالغربان وبالقمر وغير هذا كثير يصعب الإتيان عليها مجتمعة. ففي سياق إحدى مُسارّاته لسنبلة قالت له “ذكرني .. فأنت تعلم أن ذاكرتي غربال .. له سبعون ألف عين أو يزيد”226، وهو بباريس من أجل شروق يرثي حاله بقوله، “وهذا الهابيل الجالس إلى جنبها مثل يتيم يبحث عن من يكفله”200، وهو يعدد مناقب سنبلة وأفضالها عليه لدورها في تشجيعه على الدراسة الجامعية وهو الخمسيني يقول “حين اهتزت أركان إيمانه وهو يلج الحرم الجامعي كقادم من زمن أهل الكهف”187. وقوله “حدثيني عن هذا الذي يقلبك ذات الذكورة والانوثة كما يقلب الخبز في أتون النار”208. تشبيهات كثيرة، تمتح من القرآن الكريم خاصة، نورد بعضها كقوله “ذرفت عيناها دموعا حرى نزلت على قلبي كأنها شواظ من نار وعتاب”84 ففضلا عما يميز لغة الرواية من انسيابية وسلاسة وانزياحية، وهو ما يميز الكتابة الروائية عن غيرها، فالرواية حافلة بالتناصات مختلفة المشارب، أوردها بفنية، حتى ليصعب تمييزها عن النص الروائي. تناصات بكل ضروبها؛ معنى من المعاني وبعض لفظه أو أكثر من لفظه. إنها حسب رائدته البلغارية كريستيفا “تداخل النصوص في النص الجديد أو التعالق النصي”، دون الدخول في علاقته بالسرقات الأدبية أو ما يصطلح عليه الشاعر والناقد الفلسطيني عز الدين المناصرة ب”التلاص”. فهو كما عبر عنه عبد الله الغدامي ب”التداخل النصي”. فمن القرآن الكريم نجد في ص220 “وهزي إليك بجذع أنثاك يا شروق .. هزي .. تساقط عليك ذاتا شهية مثل ملاك” وفي ص 50 نجد “يا ويلتاي لقد نسيت أمرا آخر .. وما آخر ملح أجاج، وبينهما برزخ لا يبغيان” ومن القرآن أيضا قوله في ص72 “متحجرة كأصنام مصطفة في انتظام، تنتظر معول إبراهيم وهو يدمرها في تحد ويصيح في وجوهها الكالحة كرائحة الطغيان: ما لكم لا تنطقون؟
ومن التراث الصوفي نجد في ص 86 “يا صاحب السر إن السر قد ظهرا فهل أطيق ثباتا بعدما اشتهرا ومن الشعر الجاهلي نجد في ص199″يا لك من جلمود صخر حطه السيل من صدري”. ومن الأمثال ما نجده في ص31، في سياق حديثه عن أحد طلبة فصيل يقول لا كاريزمية له ولا قدرة على الإلقاء، تردد في مقاطعته خشية من أستاذه يجده يجادل “شبابا تزببوا قبل أن يتعنبوا” في إشارة إلى المثل العربي المعروف “تزببوا قبل أن يتعنبوا”. يقال لمن يضع نفسه موضع ليس في مستواه. ومن الرواية نجده يقول “جارات أبي موسى” “أحب أن تتعرف على شخصية شامة وأن تستروح بعضا من ارتقائها في مسالك النورانية والتزكية على يد السيدة مولاتي الطاهرة”93، ومن الرواية أيضا نجد في ص35 “لماذا تقف متهالكا مسلما يديك إلى الأسفل مثل “ليني” في رواية جون ستينبيك “من الفئران والرجال”35. ومن المسرح نجد مسرحية “جونو والطاووس” ل “شان أوكيسي” المبادئ هي المبادئ174 وكان للأمثال نصيبها من الحضور، لما للمثل من دور في تبليغ المعنى بأقصر الطرق، دون الحاجة للكثير من الكلام، من مثل هذا المثل الإنجليزي “كمن يستلقي مع الكلاب، فيستقيظ مع البراغيت”. و كان للحكمة نصيب في بناء الرواية الفني، نقتبس للتمثيل هذين النموذجين “إن للمحن آجالا وأعمارا كأعمار ابن آدم لا بد أن تنتهي”165 وقوله “المبادئ هي المبادئ .. والعهود هي العهود مهما زمجرت الرعود”175.
وعلى الرغم من طبيعة الرواية الواقعية أو الاجتماعية بمآسيها، وطبيعة التيمات التي اشتغلت عليها وما تضمنته من نقد اجتماعي وسياسي وديني وتعليمي، فإنها لا تخلو من سخرية وفكاهة. لنضحك معه قليلا لجواب سنبلة، وهما بباريس لما قال لها “لكن احذري أن يصيبك حمار الليل” فكان جوابها “كن مطمئنا .. فليل باريس لا حمير فيه”217، وقوله أيضا لسنبلة “وهل تملكين رأسا أيتها البلهاء..؟ رأسك مثل يقطين يابس تسترينه بشالك هذا ..، رأسك يقطين يابس لو اطلع عليه المشعوذون وبعض الرقاة لانتزعوه منك، وجعلوه قطعا تباع بثمن باهظ لترمى في “مجامير” ملتهبة النيران، ثم يستحيل بخورا تخنق الخياشيم”53.
كما أنها لم تخل من لحظات رومانسية حميمة، بمعنى من المعاني. فالإنسان عواطف ومشاعر لا عمر لها، تتحرك في أية لحظة لما تلامس شغاف القلوب فيتم التعبير عنها برومانسية جميلة، مثل ما نجده في قوله “بينما شرعت سلمى في العد العكسي لتتهيأ الجماعة لالتقاط صورة تذكارية، أحس هابيل بيد سنبلة تمتد إلى يده، وتشد عليها شدا يستمطر بها المريد شآبيب الغيث الذي يخصب مروجه الظمأى”167، ومن هابيل لسنبلة قائلا “إن المكان دافئ بسبب احتضانه لك.. لولا وجودك لكان المكان صقيعا .. احمرت وجنتاها تصنعا أو تطبعا”44 وهي بجانبه يقلها إلى عيادة خاصة يتأمل طلعتها ف”تمنى لو أودعها في قوارير روحه ثم أحكم عليها الإغلاق، كهدية يخشى عليها أن تمتد إليها أعين الناس وأيديهم فتعبث بها غيرتهم التي تنمو كفيروسات في كل مكان”88.
على سبيل الختم: أؤكد أن رواية “صويحبات الجامعة” للكاتب محمد إقبال عروي، بزخمها المعرفي، وبجمال بنائها الفني، تحتاج إلى أكثر من قراءة من زوايا مختلفة وبخلفيات متعددة. يتداخل فيها ما هو نفسي، بما هو اجتماعي، وبما هو سياسي و ديني وتعليمي، تهم فئة الشباب الجامعي بالخصوص، باعتبار الجامعة هي مشتل الأطر في كل القطاعات، قلما نجد أعمالا روائية تعكس ما ينفعل على ركح ساحتها، بالمستوى الذي عليه في هذه الرواية.
رأي اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى