
قرأتُ لي ولكم:
من اعداد الاستاذ محمد انين رئيس المنتدى الوطني لحقوق الانسان
بقلم: الأستاذ مولاي العربي نواس المنسق الجهوي للمنتدى الوطني لحقوق الانسان بجهة الدار البيضاء – سطات
الانتخابات التشريعية على الأبواب، وحلبة السباق والتسابق والهفت وراء الحصول على التزكية بدأت تشتعل حدتها من جديد. أسماء تتحرك، ووجوه تعود إلى الواجهة، واتصالات تكثف، وطموحات انتخابية تستعيد حضورها… وكأن المشهد يعيد نفسه بكل تفاصيله.
لكن، للأسف، يبدو لي أن لا جديد يذكر، ولا تغييرا حقيقيا ننتظره، ولا أملا كبيرا يرجى ما دام المشهد السياسي يعيد إنتاج الوجوه نفسها والعقليات نفسها والأساليب نفسها.
هذا واقع يصعب على أحد إنكاره.
لقد دق جيل Z ناقوس الخطر، ووجه رسالة واضحة، غير مشفرة، تحمل أكثر من دلالة. رسالة كان يفترض أن تكون مناسبة للتأمل والمراجعة وإعادة ترتيب الأولويات، غير أن كثيرا من الفاعلين السياسيين، مع الأسف، لم يستوعبوا الدرس كما ينبغي، أو اختاروا التغاضي عنه، وكأن أفضل طريقة للتعامل مع الرسائل المقلقة هي تجاهلها.
حتى حلم الهجرة، والهجرة الجماعية نحو سبتة، وما حملته تلك الواقعة من دلالات اجتماعية ونفسية عميقة، مر وكأنه حدث عابر، رغم أنه كان سابقة في تاريخ المغرب ويستحق قراءة هادئة ومسؤولة لما وراءه من أسباب ودوافع.
والأخطر أن الصمت أصبح، في كثير من الأحيان، هو لغة التعامل مع القضايا التي تؤرق المواطن.
وقبل أيام قليلة، تكررت محاولة الهجرة الجماعية، وفي مناسبة وطنية غالية على قلوب المغاربة، هي ذكرى عيد العرش المجيد. تناقلت المنابر الإعلامية العالمية الحدث، بينما خيم في الداخل صمت ثقيل ومقلق.
فهل أصبحنا نعتاد الأشياء التي كان ينبغي أن تقلقنا؟
واليوم، ونحن على بعد أيام معدودة من استحقاق انتخابي جديد، وبعد غياب طويل دام خمس سنوات عن ممثلي الأمة، بدأت بعض الوجوه في الظهور من جديد، وبدأت اللقاءات والزيارات والتواصل مع المواطنين.
وربما يسأل المواطن نفسه:
أين كنتم طوال هذه السنوات؟
قد تكون بعض الأسماء قد نسيت، وربما حتى الوجوه والملامح لم تعد حاضرة في ذاكرة المواطن، قبل أن تعود فجأة مع اقتراب موعد الاقتراع.
ولهذا قلت في البداية: لا جديد… ولا تغيير.
فحين تعاد تزكية العناصر نفسها، وتعاد صياغة المشهد بالوجوه نفسها، فإننا لا نكون أمام تجديد حقيقي، وإنما أمام إعادة إنتاج للمشهد ذاته.
وهنا تتحمل الأحزاب السياسية المسؤولية الأولى؛ لأنها مطالبة بأن تكون مدارس حقيقية للديمقراطية، وأن تفتح أبوابها أمام الكفاءات الجديدة، وأن تجعل معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين، وليس فقط الولاء التنظيمي أو العلاقات أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
كما يتحمل المواطن جزءا من المسؤولية، خصوصا عندما يتحول التصويت إلى عادة أو انتماء أو مجاملة، بدل أن يكون اختيارا واعيا ومسؤولا لمن يستحق أن يمثل الأمة.
أما المجالس الوطنية واللجان المركزية للأحزاب، باعتبارها بمثابة البرلمانات الداخلية التي تصنع التوجهات وتحدد الاختيارات، فعليها مسؤولية تاريخية في الدفع نحو تجديد النخب، وفتح الطريق أمام الشباب والكفاءات، وإعطاء السياسة معنى جديدا يعيد إليها الثقة والاعتبار.
ومع ذلك، ورغم كل هذا التشخيص، لا ينبغي أن نفقد الأمل.
فالمغرب، ولله الحمد، لا يفتقر إلى الطاقات والكفاءات. لدينا شباب واع، متعلم، طموح، يمتلك من القدرات ما يؤهله للمساهمة في بناء مجتمع أكثر عدلا وتقدما وكرامة.
المطلوب فقط هو أن نمنحه الفرصة.
أن نفتح الأبواب أمام الكفاءات بدل أن نبقيها خلف الأبواب المغلقة، وأن ننتقل من منطق إعادة إنتاج الوجوه إلى منطق إنتاج الأفكار والحلول، ومن سياسة الوعود الموسمية إلى سياسة القرب والمسؤولية والمحاسبة.
فالانتخابات ليست مجرد يوم نضع فيه ورقة داخل صندوق.
إنها لحظة لاختيار من سيحمل صوت المواطن، ويدافع عن قضاياه، ويصون كرامته، ويشارك في صناعة مستقبل الوطن.
وإذا كانت بعض المشاهد اليوم تبعث على القلق، فإن الأمل يبقى قائما ما دام في هذا الوطن شباب يؤمن بأن المغرب يستحق الأفضل، ومواطنون يرفضون أن يكونوا مجرد أرقام انتخابية، وكفاءات مستعدة لتحمل المسؤولية.
فلنجعل من الاستحقاق القادم فرصة للتجديد، لا مناسبة لإعادة إنتاج الماضي.
ولنجعل من السياسة خدمة للوطن، ومن التمثيلية مسؤولية، ومن الانتخابات موعدا لاستعادة الثقة.
فالمغرب الذي نريده جميعاً… يستحق وجوها جديدة، وأفكارا جديدة، ونخبا جديدة، وأملا جديدا.
والأمل، مهما اشتدت التحديات، يبقى دائما ممكناً…
حين نمتلك الشجاعة لنغير.
معا من أجل مواطن كريم.. في وطن عادل.
الحقوق الكونية اختصاصنا والإنسان ومحيطه اهتمامنا.





