الواجهةمجرد رأي

“الباذنجانيون” …. وأزمة الضمير العربي

من هم “الباذنجانيون” ؟

    هم ثلة من أدعياء الثقافة والإعلام والسياسة يدورون في فلك سلطة ما، قد تكون سياسية أو إدارية أو عسكرية أو قبلية وغير ذلك من أشكال التحكم في رقاب العباد والبلاد. هؤلاء “الباذنجانيون” هم أبواق مشرعة تنهق ليلا ونهارا بالمديح والثناء لولي نعمتها، وقد يحدث أن يتناقض ولي النعمة مع نفسه ويغير بعض مواقفه، ورغم ذلك فهم لا يجدون أي غضاضة في البحث عن تبريرات غير مقنعة لذلك، وقد يقولون اليوم عكس ما قالوه أمس مادام ذلك يوافق ما قاله صاحب السلطة وولي النعمة .

    وقد جاءت تسمية “الباذنجانيين” نسبة إلى قصة طريفة من التراث العربي، ولكنها تعطي بصفة بليغة المعنى الحقيقي لمن هم “الباذنجانيون”، وسأعطي مثالا حيا من زماننا لهذه الطبقة الانتهازية بعد القصة :

قال الأمير الشهابي لخادمه يوما :
“تميل نفسي إلى أكلة الباذنجان …”

فقال الخادم : “الباذنجان!!
بارك الله في الباذنجان !!
هو سيد المأكولات’ شحم بلا لحم ، سمك بلا حسك،
يؤكل مقليا” ويؤكل مشويا” يؤكل كذا ويؤكل كذا .. “

فقال الأمير : “ولكني أكلت منه قبل أيام فنالني الكرب”

فقال الخادم : “الباذنجان!!
لعنة الله على الباذنجان.!!
فإنه ثقيل غليظ نفاح …”

فقال الأمير : “ويحك !!
تمدح الشيء وتذمه في وقت واحد ؟!! …”

فقال الخادم :
“أنا خادم للأمير يا مولاي لا خادم للباذنجان،
إذا قال الأمير نعم قلت له نعم
وإذا قال لا قلت لا ..!!!”

    وهكذا خلقت طبقة “الباذنجانيين”، وما أكثرهم مع الأسف في زماننا الذي تعددت فيه صور وأنواع السلطة، ولم يبق لها المعنى السياسي وحده، بل أصبحت في أغلب الفضاءات التي تنشأ فيها علاقات تراتبية بين الناس سواء في مكاتب إدارية أو مؤسسة تجارية أو هيئة ثقافية وغيرها. في كل هذه الفضاءات يوجد “باذنجانيون” مستعدون لقول الشيء وعكسه في نفس الوقت دون أن يرف لهم جفن أو يخجلوا من أنفسهم.

    وقد عايشت حالة من هذا النوع في السنوات الأولى للقرن الحالي وبالضبط سنة 2002. كان وقتها الصراع على أشده بين المغرب والنظام الجزائري بسبب مشكل الصحراء المغربية، وكان حكام الجزائر يصرون ويذيعون في العالم أن موقفهم نابع من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وأنهم كدولة ليست لهم أية مطامع في هذه المنطقة. بينما كان المغاربة يدركون أن الهدف الوحيد والأوحد من كل هذه الجعجعة التي خلقها جنرلات الجزائر هو الحصول على منفذ بحري على المحيط الأطلسي، ولو أدى ذلك إلى خلق كيان وهمي سيكون بكل تأكيد تحت سيطرتهم ومجرد أذاة لتنفيذ مخططاتهم التوسعية. في هذه الفترة بالذات كان الأمين العام للأمم المتحدة قد عين مبعوثا أمميا له إلى المنطقة لدراسة الوضع واقتراح بعض الحلول لأزمة طال أمدها. وكان المبعوث الأممي هو الدبلوماسي الأمريكي جيمس بيكر الذي زار المنطقة مرارا والتقى مختلف أطراف الصراع. وبعد عدة لقاءات ومشاورات خرج المبعوث الأممي بمشروع اتفاق إطار يقضي بإعطاء الأقاليم الصحراوية صلاحيات واسعة في ‘دارة الشؤون المحلية في نطاق السيادة المغربية (حكم ذاتي)، وذلك لمدة خمس سنوات، على أن يجرى بعد ذلك استفتاء سكان المنطقة بين تقرير مصيرهم حول الاندماج الكامل مع المغرب أو الاستقلال. ورغم العلاقات الجيدة التي كانت تربط جيمس بيكر بالنظام الجزائري، إلا أن هذا الأخير رفض رفضا مطلقا اقتراح بيكر لأنه لا يحقق طموحه وهدفه الأساسي غير المعلن: الحصول على على منفذ بحري على المحيط الأطلسي.

    ولتجاوز هذه العقبة، تفتقت عبقرية النظام الجزائري عن اقتراح جهنمي يفضح بالواضح كذبه حول “حق الشعوب في تقرير المصير”، إذ التقى الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة المبعوث الأممي جيمس بيكر وأبلغه اقتراحا جديدا من الجزائر لحل مشكل الصحراء، ويقضي هذا الاقتراح الجزائري الجديد باقتسام الصحراء بين المغرب والجزائر (هكذا)، وذلك بأن يأخد المغرب منطقة الساقية الحمراء المتاخمة لحدوده الجنوبية بينما تأخد الجزائر منطقة وادي الذهب المحادي لشمال موريتانيا وبذلك تكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد : الحصول على منفذ واسع على المحيط الأطلسي، ثم عزل المغرب نهائيا عن موريتانيا وعمقه الإفريقي. جيمس بيكر سجل الاقتراح الجزائري ضمن الوثائق الرسمية للأمم المتحدة، وبطبيعة الحال فقد ووجه هذا الاقتراح برفض قاطع واستهجان من طرف المغرب الذي رأى فيه بأن الجزائر هي الطرف الرئيسي الآخر في هذا الصراع المفتعل، وأن مضمون الاقتراح يعري عن النوايا الحقيقية للنظام الجزائري وأكذوبة “الشعب الصحراوي” و “تقرير المصير”.

    وعندما نشرت أغلب الصحف خبر هذا الاقتراح، لم يصدقه أغلب المتتبعين للملف ومن بينهم إعلاميون وسياسيون جزائريون كذلك. ومثل جميع الصحف العالمية نشرت جريدة “الشرق الأوسط” مقالا حول الموضوع بتاريخ 17 فبراير 2002 تحت عنوان عريض: “في تحول كبير في موقفها: الجزائر تقترح تقسيم الصحراء الغربية”. وهذا رابط المقال لمن أراد الاطلاع عليه :
https://archive.aawsat.com/details.asp?section=1&issueno=8482&article=88661&feature=#.X9YJg9gza8k
وكان من ضمن كتاب جريدة “الشرق الأوسط”، الكاتب والإعلامي والوزير الأسبق الدكتور محيي الدين عميمور الذي كنت أتابع مقالاته المتميزة على صفحات الجريدة. د. عميمور فوجئ مثل الكثيرين بهذا الاقتراح الغريب وكان رده التلقائي والطبيعي بأن الأمر لا يعدو أن يكون إشاعة أو قصة مختلقة، وبأن مثل هذا الاقتراح لا يمكن أن يصدر عن الجزائر. ولكن المبعوث الأممي للمنطقة أكد خبر الاقتراح الجزائري، كما أن الأمم المتحدة أكدت أن الاقتراح مسجل رسميا في محاضرها. هنا أسقط في يد د. محيي الدين عميمور وخانته موضوعيته الفكرية وأمانته كرجل إعلام، فركب على موجة الخطاب الرسمي لأولياء نعمته في النظام الجزائري وبدأ يبحث عن مبررات واهية لهذا الموقف الغريب الذي أدانه هو بنفسه في البداية قبل أت تتضح له فظاعة الصورة الحقيقية. وهكذا وبدون حياء زعم الدكتور عميمور أن الوسيط الأممي جيمس بيكر قد حرف الاقتراح الجزائري تماما كما فعل المندوب البريطاني اللورد كارادون قبل حوالي 53 سنة بنص القرار 242 بعد نكسة 1967. وجاء ذلك في مقال نشره في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 7 مارس 2002، وهو دليل على تخبطه في تبرير موقف غريب لا يمكن بتاتا تبريره ومناقض لكل الشعارات التي كان يرفعها النظام عالميا. وهذا رابط مقال الدكتور محيي الدين عميمور لمن أراد الإطلاع عليه :

https://archive.aawsat.com/leader.asp?section=3&issueno=8500&article=91884#.X9YSKtgza8k

    وقد استغرب الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد ورئيس تحرير جريدة “الشرق الأوسط” هذا التباين والتغيير المفاجئ في موقف الدكتور عميمور بين مناهضة اقتراح التقسيم ثم بعد ذلك البحث عن مبررات واهية له بعدما تبين بالفعل بأنه موقف رسمي للنظام الجزائري كما أكدت الأمم المتحدة ذلك. وكتب الإعلامي السعودي مقالا عن هذا التأرجح والتناقض في موقف د. عميمور الذي تغير بين عشية وضحاها مجاراة لأولياء النعمة، وفي تطبيق مخجل للنظرية “الباذنجانية”. ونشر ذ. عبدالرحمن الراشد مقالا في الجريدة بتاريخ 11 مارس 2002 بعنوان يجسد بقوة هذا التناقض: “هل كذب جيمس بيكر، … أم نسي الجزائريون”. وهذا رابط المقال لمن أراد الإطلاع عليه :

https://archive.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=92479&issueno=8504#.X9YOTtgza8k

    بعد هذه الحادثة غاب الدكتور عميمور لمدة عن صفحات الجريدة، ولا أدري إذا كان قد عاد إلى الكتابة بها أم لا.

    مباشرة بعد ذلك كتبت مقالا بعنوان “صوت سيده La voix de son maitre” في إشارة إلى ماركة الكترونيات قديمة اسمها “باتي ماركوني Pathé Marconi” وكان مقالي مرفقا بالشعار الرسمي للشركة وهو عبارة عن جرو صغير يستمع أو يتلقى كلاما من مكبر للصوت كبير. أرسلت المقال إلى السيد عبدالرحمن الراشد، وكما توقعت ذلك لم يتم نشر المقال لأنه كان حادا ضد انعدام الموضوعية والأمانة الفكرية لدى بعض المثقفين والإعلاميين والسياسيين أو كل من ينتمي إلى طائفة “الباذنجانيين”
هذه الحادثة وقعت في سنة 2002، ومنذ ذلك الحين وإلى يومنا الحالي فإنه من المؤكد أن أعداد “الباذنجانيين” قد تكاثرت بيننا، وأن بعضهم أصبح ذا سلطة وبالتالي فرخ “باذنجانيين” صغار تابعين له يطبلون ويزمرون لتفاهاته.

عزيز رزنارة
الشارقة في 16 ديسمبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى