البحر يحتج بطريقته الخاصة على إسمنت الحوزية

يبدو أن البحر بجماعة الحوزية قرر أخيرا أن يدخل على خط “التعمير العشوائي الراقي”، لكن بطريقته الخاصة… أمواج غاضبة، رمال تبتلع الإسمنت، وبنايات بدأت تكتشف متأخرة أن البحر ليس “جارا مطيعا” كما ظن البعض، بل كائن حي يرفض أن يتحول إلى مجرد خلفية لصور المنتجعات والإقامات المغلقة.
بالأمس كانت بعض الجهات تتسابق نحو الترخيص بالبناء قرب الأمواج، وكأن البحر قطعة أرض إضافية قابلة للبيع والتفويت، واليوم أصبحت نفس البنايات تعيش حالة “الشيخوخة المبكرة”، بعدما بدأت الرطوبة والتآكل والتصدعات تلتهم جدرانها، في مشهد يوحي أن البحر يرسل رسالة واضحة مفادها: “أتركوني أتنفس قليلا”.
شاطئ الحوزية، الذي كان من المفروض أن يكون فضاء مفتوحا للعموم، تحول مع مرور السنوات إلى ما يشبه “شاطئا شبه خاص”، بممرات ضيقة ومتفرقة بين البنايات التابعة لبعض الشركات والمؤسسات، حتى أصبح المواطن البسيط يحتاج أحيانا إلى مهارات “المتاهات اليابانية” ليصل إلى البحر دون أن يصطدم بسياج أو حارس أو جدار إسمنتي يذكره أن البحر أصبح له “ملاك رسميون”.
والأكثر طرافة أن بعض هذه البنايات، التي كانت تقدم نفسها كعنوان للفخامة والإستثمار العصري، بدأت اليوم تبدو وكأنها ديكور قديم لفيلم عن الكوارث الطبيعية… جدران متآكلة، طلاء هارب، وحديد صدئ يعلن إستسلامه للأملاح البحرية، بينما البحر يواصل عمله اليومي دون الحاجة إلى صفقات أو تراخيص.
كان الأجدر، بدل هذا الزحف الإسمنتي نحو الشاطئ، التفكير في فضاءات سياحية تحترم الطبيعة والإنسان معا، كمقاهي عمومية مبنية بمواد طبيعية كالخشب، مفتوحة للجميع، تمنح الزائر متعة البحر دون حرمانه من حقه في الشاطئ. أما المنتجعات والمشاريع الكبرى، فمكانها الطبيعي كان من الجهة المقابلة للطريق قرب الغابة، بعيدا عن أمواج لا تعترف لا بالنفوذ ولا بالخرسانة.
البحر اليوم لا يطلب المستحيل… فقط يريد أن يعود بحرا، لا ممرا ضيقا بين الإسمنت.





