التاريخ لا يعيد نفسه

بقلم أبو أيوب

      الوثيقة التاريخية لمؤتمر باندونغ سنة 1955 من القرن الماضي لدول عدم الإنحياز، قبيل استقلال المغرب بسنة جاءت لتؤكد على أن التاريخ لا يعيد نفسه، بل ليؤكد المؤكد كون الدول الإستعمارية قد خططت بإحكام للخروج من الباب، تاركة كل النوافذ مشرعة للعودة عبر أزلامها و شبه زعماء مرحلة الإستقلال، ناصبة الشراك في وجه كل عظماء ثورات التحرير لثنيهم عن فكرة السيادة الوطنية و استقلال القرار السياسي في بلدانهم . 
      كثيرة هي الدول التي عانت و لا زالت من مخلفات الإستعمار، و أكثرها الدول الإفريقية و العربية على الخصوص و التي لا زالت تحت رحمة اتفاقيات مشبوهة، كمعاهدة سايس بيكو التي قسمت نفوذ الدول الإستعمارية ” بريطانيا و فرنسا ” على طول منطقة الشرق الأوسط و الخليج، منتهزة النصر الذي حققته على حساب الرجل المريض ” الدولة العثمانية “، بفضل تآمر بعض مشيخات و شيوخ القبائل في شبه الجزيرة العربية، حيث أن الذاكرة العربية لا زالت تحتفظ بالدور الخبيث الذي لعبه الجاسوس البريطاني المكنى بلورانس العرب، أو معاهدة إيكس ليبان بدول شمال غرب إفريقيا في تونس و الجزائر و المغرب، و التي قضت بتبعية مطلقة لفرنسا في كافة المجالات، السياسية منها و الإقتصادية، بحيث بقيت هذه الدول ليومنا هذا تئن تحت وطأة ابتزاز فرنسا و استغلالها البشع للثروات الطبيعية لهذه البلدان ” نفط/ غاز/ معادن…. “، ناهيك عن تضمينها بالإتفاقية بنودا سرية من قبيل انتفاعها من الغاز الجزائري مجانا كما جاء على لسان رئيس الحكومة الإيطالية الحالية و بعض من وزرائها، أو تلك المتعلقة بالمملكة المغربية من خلال مساهماتها النقدية في صندوق التضامن الإجتماعي الفرنسي ” حوالي 9000 درهم عن كل عاطل فرنسي حتى حدود سنة 2055 ” .
      و لتوضيح الرؤيا و إزالة الغشاوة عن أعين من لا زال لديه شك و ريب، نستعرض اليوم عبر موقع الجديدة نيوز  بعض الحقائق التي جاءت على لسان الزعيم التاريخي الهندي جواهر لال نهرو، بالتطرق لمقتطفات من خطابه الذي وجهه للدول المشاركة من على منصة مؤتمر باندونغ الشهير، أملنا بنية صادقة لا نبتغي من ورائها سوى تنوير الزعامات و القيادات و الشعوب العربية، لما فيه خير للأمة جمعاء . 
          مقتطفات الخطاب جاءت كالتالي و نستهلها ب : 
         ( قلت لكم أنكم تثيرون فزعي، لأنكم لا ترون ما هو أبعد من موقع أقدامكم، تشغلون أنفسكم باللحظة التي مضت ” إشارة إلى حقبة الإستعمار” و ليس باللحظة القادمة. تطلبون الإستقلال، رائع، تريدون الحرية و تطالبون بها، حسنا، سوف يعطونكم ما تطلبون، و سوف يوقعون معكم قصاصات من ورق، لم يعد في ذلك من شك لأسباب كثيرة، أولها، أنهم لم يعد في مقدورهم أن يسيطروا عليكم بقوة السلاح، و لسبب ثاني، أنهم لم يعودوا راغبين في السيطرة عبر السلاح . 
          سوف تتولون المسؤولية و سوف تجدون أنفسكم زعماء لشعوبكم و رؤساء لدولكم، لديكم قصور و حرس و عسس و ناس، لديكم سيارات و طائرات و …..،  ليس هذا هو المهم، لكن هل لديكم سلطات اتخاذ القرارات و استقلال القرار السياسي و السيادي ؟ لست متأكدا من ذلك، لماذا ؟، لأنكم جميعا منهوبة مواردكم أو هي مرتبطة بنظم دولية تواصل عملية النهب. و إذا لم تكن لكم سلطة غير سلطتكم على رعاياكم، و إذا طالبتكم الرعية بما سوف تكتشفون أنه غير موجود، فماذا سوف تفعلون ؟ تغيرون وجهة سلاحكم من الأعداء القدامى نحو أعداء جدد ترونهم داخل بلدانكم . 
      لكن ما العمل ؟ سوف تجدون في أوطانكم طبقات أكثر نفوذا و قوة من جماهير شعوبكم، لأنهم تعلموا كيف يتعاملون مع أسياد النظام القديم، و في ظله و حماه كونوا ثروات و رتبوا مصالح، فإلى من سوف تنحازون ؟ إلى القلة القوية أو نحو الأغلبية المقهورة ؟؟. البعض من إخواننا داخل القاعة لديهم بترول، و بعضهم لديهم زنك و نحاس و فوسفاط، و بعضهم لديهم ذهب و ألماس و يورانيوم و ……، بعضهم سيتحمس و يعلن عن عزمه استرداد هذه الموارد من مغتصبيها و ناهبيها، رائع و جميل، مصدق بإيران فعلها و أمم البترول، فماذا كانت النتيجة ؟ لقد وجد نفسه في طريق مسدود و محاصر ثم السجن بعد عملية الإنقلاب . 
       مستعمروكم السابقون رتبوا أنفسهم قبل أن يوافقوا على منحكم شبه استقلال أو قل حكما ذاتيا تحت سيادتهم، فبدلوا أعلامهم القديمة بأعلام جديدة، فهل يغير هذا من واقع الأمر شيئا ؟ سوف تجدون أمامكم مشاكل و مطبات، و سوف تدفعون دفعا لطلب قروض من صندوق النقد الدولي أو من البنك الدولي نفسه، فهل سألتم أنفسكم من هؤلاء الذين يسيطرون على الصندوقين معا ؟ إنهم نفس جلاديكم السابقون، فأي وضع هذا الذي تستنجد فيه الضحية بالجاني ؟ حتى يساعده على تلافي آثار جريمته. جريمة الإستعمار لن تصححها قروضه بل ستزيدها سوء و ارتهانا له و تبعية) . ثم أضاف موجها كلامه للحضور : سمعت بعضكم يتحدث عن الأمم المتحدة  و عضويتها و ميثاقها وكأنها ملكوت الله، فهل هذا صحيح ؟ بالطبع لا و العكس هو الصحيح، مهما كثر عدد الدول المنضوية، فهل تقبل مثلا الولايات المتحدة أن يتساوى صوتها مع صوت كوستاريكا ؟ أو الإتحاد السوفياتي مع أفغانستان ؟. القوة الحقيقية في العالم لا يمكن أن تتحقق بعملية حساب، تجمع فيها الأصوات أو تطرح . انتهى الكلام. 
      فبتأني و روية، يستشف من خلال كلمته بالمؤتمر، أن السيطرة الجديدة على العالم لن تكون بالجيوش و إنما بمستوى التقدم المعرفي و التكنولوجي ” الصين مثال حيث لم يسبق لها أن استولت على دولة بقوة السلاح رغم ما لديها من إمكانيات “، لكنها بالمقابل خطفت الألباب و هيمنت على العقول و قضت مضجع القوى الإستعمارية القديمة و الحديثة معا، التقدم هو وسيلة السيطرة الجديدة، أنتم متقدمون إذن أنتم السادة، أنتم متخلفون إذن أنتم مقهورون مهما وقعتم من قصاصات ورق و مهما رفعتم من قطع قماش سميتموها أعلاما. كون التقدم يحتم بالدرجة الأولى أن من بإمكانه أن يعطي للشعب نظاما إجتماعيا عادلا ” صحة/ تعليم/ شغل/ عدل /حقوق رأي و تعبير…. ” ، هكذا نظام كفيل بأن يحقق التنمية المستدامة، و لا سبيل لها إلا بالعلم و المعرفة فقط، و لنا في تجارب أمم عديدة خير مثال، فماذا لدينا منه نحن كأمة عربية ؟ .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مؤسسة المهدي بن عبود ومركز المقاصد والدراسات والأبحاث ينظم ندوة لمساءلة كتاب ” الأزمة الدستورية” للشنقيطي

    شكل كتاب ” الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع ...