24 ساعةأخبار دوليةالواجهةمجرد رأي

التحول في الاستراتيجية الصهيو-أمريكية تجاه إيران: من المواجهة المباشرة إلى تكتيكات التآكل الداخلي

بقلم. عبداللطيف مشرف. أستاذ مساعد التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو.

تمر المنطقة بمنعطف تاريخي يعكس تآكل النظريات العسكرية التقليدية أمام صخرة “الجغرافيا السياسية” الإيرانية. وبناءً على معطيات الواقع، يمكننا قراءة المشهد من منظور استراتيجي وتاريخي معمق وفق النقاط التالية:

– انكسار استراتيجية “قطع الرأس”: بعد إخفاق المقاربات العسكرية المباشرة في تحقيق اختراق استراتيجي يعيد صياغة السلوك الإيراني، أدرك الحلف الصهيو-أمريكي اصطدامه بـ “المعضلة الجيوتاريخية” للهضبة الإيرانية، حيث تحولت الجغرافيا الوعرة والعمق التاريخي إلى حائط صد أفشل محاولات الحسم السريع.
– الانتقال نحو “الاستنزاف البيني” وتوظيف العرقيات: انتقل العقل الاستراتيجي الغربي إلى “خطة الانفجار من الداخل”، عبر تسييس التنوع العرقي (الأكراد، البلوش، وغيرهم) لتحويل التعدد الثقافي إلى ثغرات أمنية، بالتوازي مع محاولة جر المنطقة نحو صراع إقليمي (عربي-إيراني) أو (سني-شيعي)، لضمان تفتيت الكتلة الإسلامية وإعادة تدوير التكلفة البشرية والمادية لتكون بتمويل ودماء إقليمية خالصـة.
– هندسة “الشرق الأوسط الجديد” عبر الفوضى المدارة: تهدف هذه الاستراتيجية إلى تمزيق الجغرافيا السياسية المتصلة وتحويلها إلى كيانات عرقية وطائفية متناحرة، مما يتيح للقوى الدولية دور “الناظم للفوضى” والسيطرة على مقدرات المنطقة بأقل كلفة ممكنة، وهو ما يُعرف بـ إدارة التوحش أو الفوضى الخلاقة.
– عقيدة “التحالفات الدولية” والهروب من عقدة فيتنام: أثبتت التجربة التاريخية (من فيتنام إلى العراق) أن الولايات المتحدة تتجنب الحروب الأحادية الطويلة التي تستنزف مواردها وتآكل قوة ردعها؛ لذا تسعى اليوم لتأطير أي مواجهة مع إيران ضمن “تحالف دولي” يوزع الأعباء المالية والعسكرية، ويمنح التدخل غطاءً شرعياً زائفاً يحفظ هيبتها الاستراتيجية.
– سيكولوجية “حياكة السجاد” مقابل النفس الغربي القصير: في المقابل، تُدير طهران الصراع بمنطق “صبر الغرزة” المستمد من ثقافة حياكة السجاد؛ وهي استراتيجية تعتمد على التراكم البطيء، الدقة المتناهية، وطول النفس الجيوسياسي، حيث يتم تحويل التهديدات إلى فرص للمناورة بانتظار اكتمال المشهد النهائي للوحة النفوذ الإقليمي.
– الغموض النووي كدرع استراتيجي: تبرز قضية “التخصيب” كأقوى أوراق المناورة الإيرانية، حيث انتقلت طهران من مرحلة “السعي للامتلاك” إلى مرحلة “الحافة النووية”. فإعلان الوفد الإيراني عن حيازة أكثر من 460 \text{ kg} من اليورانيوم عالي التخصيب يعني تقليص “زمن الاختراق” (Breakout time) إلى أسبوع واحد، مما يضع الغرب أمام أمر واقع يفرض نمطاً جديداً من “ردع الضرورة” في جغرافيا الفوضى.
– تصارع الإرادات: التكنولوجيا الغربية ضد العمق الجيوسياسي: يبقى السؤال الاستراتيجي معلقاً بين قدرة السيادة التكنولوجية والتقنية الغربية على إحداث خرق أمني أو عسكري خاطف، وبين قدرة إيران على استثمار عامل الوقت والمساومة بالملف النووي لفرض سيادتها كلاعب إقليمي مهيمن لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات دولية قادمة.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى