تربية وتعليممجرد رأي

التخبط الحكومي في التعاطي مع أزمة التعليم.

بقلم : ذ. هشام امساعدي
يتفق كثير من المهتمين بالشأن التربوي على أن الاحتجاجات الواسعة التي قُوبل بها النظام الأساسي الجديد لموظفي التربية والتعليم بالمغرب، بعد أقل من أسبوع فقط من مصادقة المجلس الحكومي عليه في 27 شتنبر 2023، هو امتداد لإخفاق المنظومة التربوية والتعليمية برمتها. ويُعزى هذا الإخفاق ـ في نظري ـ لسببين رئيسيين: أولهما غياب التخطيط الاستراتيجي عند المسؤولين على القطاع، والاكتفاء بدله باجتهادات شخصية (في وضع البرامج وتحديد الأهداف وطرق التمويل والتنفيذ) من لدن هذا الوزير أو ذاك المسؤول، وربما بشكل منفصل عمن سبقوه؛ وثانيهما غياب الإرادة السياسية لدى الحكومات في الإصلاح الشامل لهذه المنظومة وتنزيله عبر مراحل، وهو أدهى وأعظم بلاءً من الأول. ما يجعل كل البرامج والمقاربات الإصلاحية تبوء بالفشل، ولا نجني منها سوى مزيدٍ من الهدر الزمني وإضاعة الجهود والميزانيات الضخمة، ومزيدا من التراجع في مؤشر جودة التعليم واحتلال رتب متأخرة جدا على الصعيدين العربي والعالمي حسب التقارير الدولية والوطنية؛ إلى أنْ بات كل إصلاح للتعليم في المغرب عنوانا للتأخر وليس عنوانا للتقدم، وتنطبق عليه مقولة: “إصلاحنا يحتاج إلى إصلاح.
لست هنا بصدد مناقشة برامج الإصلاح التي اعتمدتها الدولة المغربية منذ الاستقلال، ولا بصدد جرد المكاسب والخسائر في النظام الجديد مقارنة مع الأنظمة الأساسية السابقة لموظفي قطاع التربية، لكنني أريد التنبيه فقط إلى أن القاسم المشترك بين هذه البرامج وبين الأنظمة الأساسية لموظفي التربية والتعليم هو تهميش الأطر التربوية. فالوزارة المعنية عند إعدادها لبرامج الإصلاح لا تشرك الأستاذ في بناء أفكار الإصلاح بوصفه واسطة العِقد في العملية التربوية والمنفذ الفعلي لجميع خطوات الإصلاح، وتستعيض عنه بالخبراء في الغرف المكيفة ومكاتب الدراسات، ثم تطالبه بتنزيلها بصيغة الأمر الملزِمة، ولا تتحرج في تحميله مسؤولية فشل تلك البرامج في كل مرة. ومن جهة أخرى لا تحفزه على الرضا الوظيفي عند صياغتها لمشاريع الأنظمة الأساسية تحفيزا نقديا أو غير نقدي، بل تسعى جاهدة إلى إعدام ما تبقى من مكتسباته ومصادرة حقوقه المشروعة، كحقه في الإضراب الذي جَرَّمَهُ النظام الجديد وَعَدَّهُ توقفا عن العمل يُعَرِّض صاحبه لأقسى العقوبات، مع إثقال كاهله بمهام إضافية تصيبه بالإحباط عند القيام بدوره التربوي. ولا يعد هذا الاحتقان الذي يعيشه قطاع التعليم مفاجئا بالنظر إلى الاختلالات الكثيرة والتراجعات الخطيرة التي بَصَمَ عليها النظام الأساسي الجديد. لكنَّ ما يغذي هذا الاحتقان الشديد هو تخبط “بنموسى” ووزارته في تدبير الأزمة، بحيث يُخلِّف عندك شعورا بأنه منفصل تماما عما يحدث في الساحة التعليمية أو أنه غير جاد في نزع هذا التوتر المجتمعي. أضف إلى ذلك تواطؤ النقابات التي يُفترض أن تكون صوتا للشغيلة التعليمية، وتماهيها ـ طوعا أو قسرا ـ في التصور الحكومي الخاص بالنظام الأساسي الجديد. وباستحضارنا لمؤشرين اثنين فقط، أولهما رفع الدعم السنوي المخصص للمركزيات النقابية بنسبة 30 % في أبريل 2022، وثانيهما تخصيص إعانة قدرها 15 مليون درهما (1,5 مليار ونصف سنتيم) من ميزانية التسيير الخاصة برئاسة الحكومة لفائدتها في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2023، يبدو أن الحكومة كانت تراهن على ترويض من تبقى من القيادات الجَمُوح (التي استعصت على راكبها) لتمرير هذا القانون الجديد الذي بُني على فلسفة خاصة لها ارتباط بعالم المقاولة ومنطق مدير الشركة في علاقته المميزة بالمراقبين والمُسْتَعْبِدَة للعمال. وبالفعل، فقد طلع مُنَجِّمُو النقابات وعرَّابوها يبشِّرون بالعهد الجديد في خطوة مدروسة لاستطلاع أحوال الساحة التعليمية، ويصفون نظام المآسي تارة بالنظام الموحِّد الذي يسري على كافة موظفي القطاع، وأخرى بالمكسب الكبير لأسرة التعليم، وتارة ثالثة بالمشروع الوطني الضخم تمهيدا للتوقيع عليه في اتفاق 14 يناير 2023 دون أدنى تحفظ على مقتضياته. ورافق ذلك تطبيل إعلامي أضخم من المشروع نفسه في القنوات الرسمية والجرائد الإلكترونية المدعومة بإسناد صحيح من رئاسة الحكومة. وإذا قبلنا جدلا بأن أي نظام أساسي لا يسلم من الملاحظة والنقد والتساؤل، طالما أنه يحمل قرارات ومستجدات قانونية ومقتضيات من المستحيل أن ترضي جميع موظفي القطاع، فإنه عند معالجة الأزمات الناتجة عن أخطاء الحكومة (وأسطر تحت عبارة أخطاء الحكومة) في تدبير قطاع حساس كقطاع التعليم، لا بد لهذه الحكومة/الوزارة من وضع خطة عمل لامتصاص الغضب وتخفيف الاحتقان في صفوف الشغيلة التعليمية، والتحلي بالمرونة اللازمة من أجل التغلب على الصعوبات وإيجاد تصور مشترك بين الطرفين من أجل حل الإشكالات العالقة وضمان عودة التلاميذ إلى مقاعدهم. المثير للانتباه هو أن الوزارة وبعض مكونات الحكومة، منذ 05 أكتوبر 2023 الذي شكل ضربة البداية لمسلسل الاحتجاجات والإضرابات، وهي شاردة وسط دينامية النضال الذي فرضته التنسيقيات، وفاقدة للبوصلة في التفاعل الإيجابي مع المتغيرات الراهنة. لذلك تراها أحيانا تقدم المتأخر وجوبا، وأحيانا تؤخر ما يجب أن يتقدم جوازا. أضف إلى ذلك تصريحات الوزير “بنموسى” وبعض مكونات الحكومة التي تصب الزيت على النار وتؤجج الوضع من جديد. ولعل السخرية التي قوبل بها تدخل وزير التربية بالبرلمان في معرض حديثه عن تحسين دخل الأستاذ خير مثال على ذلك، حين قال: “إن النظام الأساسي الجديد تضمَّن عدة مداخل لتحسين دخل الأستاذ منها أنشطة تصحيح الامتحان المؤدى عنها”. وفيما يلي جرد لأهم الوقائع والإجراءات الإدارية والحلول الترقيعية التي تعكس تخبط الحكومة عامة ووزارة “بنموسى” خاصة في معالجة ملف التعليم، ويفسر أسباب إطالة عمر الاحتجاج إلى اليوم بعد أن تبددت خيوط التآمر على الوظيفة العمومية والمدرسة العمومية. وسأقسمها إلى مرحلتين ضمانا ـ ما أمكن ـ للتسلسل المنطقي للأحداث وما أعقبها من تصعيد في أشكال النضال: مرحلة ما قبل صدور النظام الأساسي:
01 ـ السرية والتكتم:
لأول مرة في تاريخ الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام بالمغرب، طبع التكتم والسرية جلسات الحوار الاجتماعي (بين الوزارة والنقابات الأكثر تمثيلية) التي همت الاشتغال على مسودة النظام الأساسي الجديد، والتي عمَّرت قرابة سنتين من زمن الحوار. وهذا وحده كافٍ لإثارة الشكوك بين موظفي القطاع في نوايا الدولة، وكافٍ لفقدان ما لم يَرْشَحْ بعدُ من جُرعات الثقة المتبقية في قِرْبَةِ النقابات الموقعة، لأن السرية أساس العمل الأمني وليست أساس العمل التربوي. ذلك أن العملية التربوية يجب أن يطبعها الوضوح بين الدولة وبين الأستاذ والأسرة وباقي مؤسسات المجتمع، فالعلاقة بين جميع الأطراف علاقة تكاملية مبنية على الشفافية والصفاء. وقد تعلمنا في المدرسة أن “الوضوح فضيلة المعلمين والمربين”. فحتى الأمثال والحِكم تنتصر للوضوح والشفافية في العملية التربوية بالذات. إن الحكومة بنهجها لسياسة التكتم وفرض تصورها الأحادي دون الأخذ بالرأي الآخر في إخراج النظام الجديد بمعية النقابات الخاذلة، تكون قد ورطت نفسها في أزمة مجانية كانت في غنى عنها لو تبنَّت سياسة الوضوح مع الشغيلة التعليمية؛ كما ورطت معها النقابات الخاذلة حين خرجت تُكذِّب تلك الدعوات التي ما فتئت تحذر من التداعيات الخطيرة للنظام الأساسي في صيغته الحالية، وتتهم الأصوات المناوئة (حتى من داخل تنظيماتها) بمحاولة التشويش على أطراف الحوار الاجتماعي وتضليل الرأي العام. وهو ما أدخل أسرة التعليم في حالة من الانتظار والتوجس لما ستتضمنه مقتضيات النظام الأساسي في صيغته النهائية، نظرا للآمال الكبيرة المعقودة عليه منذ 20 سنة مضت على النظام الأساسي السابق. 02 ـ تغييب الفاعل الأساسي:
من المؤاخذات الكبيرة على وزارة “بنموسى” قبل صدور النظام المشؤوم هو اعتمادها مقاربة فوقية (من مكتب الدراسات) تستجيب لإملاءات الصناديق الدولية، وبعيدة كل البعد عن المقاربة التشاركية مع الفاعلين الأساسيين أثناء استصدار القوانين، والذي كان سيجنبها الكثير من الأخطاء والحرج أمام الرأي العام. فعلى مدار سنتين من الحوار انحازت الحكومة إلى نقاباتها التي تمثل في مجملها ملحقاتٍ سياسية لأحزاب الأغلبية، وأبعدت بعض النقابات المناضلة لحسابات سياسية ضيقة، كما أبعدت التنسيقيات التي لها شرعية حقيقية في الميدان لاعتبارات مصلحية. هذا التعنت من الحكومة وعدم الإنصات للآراء المخالفة في أخذ القرارات المصيرية المتعلقة بالمنظومة التربوية، أظهرها وكأنها تحاور نفسها بجلوسها مع نقاباتها التي تمارس العمل السياسي تحت غطاء نقابي، وتستهتر بقيمة التواصل مع الأطر المناضلة والقواعد الجماهيرية. وهو ما رأت فيه الشغيلة التعليمية إهانة لها وزيادة في الوقع على الصواعق. 03 ـ التسرع والارتجال:
بسرعة البرق أقرت الحكومة مشروع النظام الأساسي الجديد الذي أشرفت على إعداده وزارة “بنموسى”، وبالسرعة نفسها صادق عليه المجلس الحكومي في 27 شتنبر 2023 حتى قبل مناقشة خطوطه العريضة، ليصبح ساري المفعول بعد صدوره في الجريدة الرسمية في 09 أكتوبر 2023. وطبيعي جدا أمام هذا التسرع أن يخاصم الصوابُ الوزارةَ ويقاطعها التوفيقُ والسدادُ في إخراج نظام أساسي يستجيب لمطالب أغلب فئات المنظومة؛ مما تسبب في اندلاع الاحتجاجات مع بداية الموسم الدراسي واستمرارها إلى اليوم. ويبدو أن الحكومة بتهريبها لمشروع النظام الأساسي الجديد إلى المجلس الحكومي (قصد المصادقة عليه) قبل مشاركة خلاصاته مع الشغيلة التعليمية بكل مكوناتها الفئوية وإطاراتها النقابية والتنسيقية، ودون إشراكها في قراراته المصيرية التي تهم المنظومة التربوية، يبدو أن الوزارة كانت مقتنعة بأن احتواءها للنقابات الأكثر تمثيلية سيُعفيها من غضبة رجال ونساء التعليم، وأنهم سيقبلون على مضض بهذا النظام بمجرد توقيع الاتفاق مع النقابات التي تدعي أنها تمثلهم في الظاهر، لكنها تمثل الامتداد النقابي لسياسة أحزاب الأغلبية الحكومية في الباطن، إذ من غير المنطقي لأصحاب القبعات المزدوجة (السياسية النقابية) أن يوافقوا على النظام الأساسي الجديد في الأغلبية الحكومية، ثم يعترضوا عليه في الحوار الاجتماعي مع النقابات. غير أن الصدمة كانت قوية للحكومة والنقابات الأكثر تمثيلية، عندما رفض رجال ونساء التعليم هذا النظام في مهده، وهبُّوا ـ في ظرف قياسي ـ إلى الشارع هَبَّةَ رجل واحد ينددون بمضامينه ويحذرون من خطورة إجهازه على ما استقر من مكتسبات، ومن تكريس الفئوية في صفوف الشغيلة التعليمية بسبب فرز مزيد من الضحايا، تنضاف إلى ضحايا نظام 2003. مما يشكل خطرا حقيقيا على مستقبل التعليم بالبلاد. مرحلة ما بعد صدور النظام الأساسي:
01 ـ تنصل النقابات من اتفاق 14 يناير:
في أقل من أسبوع تلقت الحكومة ونقاباتها صدمة أخرى بظهور مولود جديد عزز الساحة التعليمية حمل اسم “التنسيقية الموحدة لهيئة التدريس وأطر الدعم” يضاف إلى عدد من التنسيقيات الفئوية النشيطة في المجال. ثم سرعان ما انتخبت مجلسا وطنيا لها ـ في ظرف ثلاثة أسابيع تقريبا ـ يضم ممثلين عن الأسلاك الثلاثة وبمباركة من القواعد في جميع المؤسسات التعليمية باستثناءات قليلة. هذه التنسيقية هي التي ستقود النضال بكفاءة عالية في الميدان، من خلال تنظيم المسيرات وتجسيد الوقفات أمام الأكاديميات والمديريات الإقليمية، وبأعداد غفيرة ذكَّرتنا بأيام النضال في زمن اليسار الحقيقي. وهو ما أثار حفيظة النقابات الموقعة وأخرص لسان زعمائها المُفَوَّهِين، مما حَمَلَهم على التبرؤ من اتفاق 14 يناير 2023 بدعوى انقلاب “بنموسى” على المنهجية التشاركية والتراجع عن المضامين المتفق عليها، في مسرحية مخدومة لكسب الشرعية واستعادة المبادرة في التفاوض المغشوش أمام الشغيلة التعليمية. وقد نصت فصول المسرحية على ما يلي: ــ الفصل الأول: تغييب “بنموسى” عن المشهد الإعلامي بتحميله مسؤولية الانفراد بإخراج النظام الأساسي الجديد، وإظهاره بمظهر الوزير المعزول من داخل التضامن الحكومي لبضعة أيام؛
ــ الفصل الثاني: رفض النقابات الموقعة الجلوس مع الوزير “بنموسى” في الاجتماع الذي كان مقررا يوم الجمعة 03 نونبر 2023، ومطالبتها بإشراف مباشر من رئاسة الحكومة على الحوار مع النقابات التعليمية. وهو ما وافق عليه رئيس الحكومة بتكليفه “يونس السكوري” وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات بالإشراف على هذا اللقاء؛
ــ الفصل الثالث: توقيع “بنموسى” قرار طلب إعفاء مدير الموارد البشرية “محمد بنزرهوني” في ظل استفحال الأزمة في 19 نونبر 2023؛ ــ الفصل الثالث: توقيع “بنموسى” قرار طلب إعفاء مدير الموارد البشرية “محمد بنزرهوني” في ظل استفحال الأزمة في 19 نونبر 2023؛
ــ الفصل الرابع: تعيين رئيس الحكومة لجنة وزارية من أجل تسوية المشاكل المرتبطة بالنظام الأساسي الجديد، تتكون من وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي “شكيب بنموسى”، والوزير المنتدب المكلف بالمالية “فوزي لقجع”، ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات “يونس السكوري”.
فكيف ترفض النقابات الجلوس مع “شكيب بنموسى” لوحده، وتقبل الجلوس معه داخل اللجنة الوزارية؟ وهل يصدق عاقل أن ملف الحوار مع النقابات الأكثر تمثيلية سُحب من يد “بنموسى” وهو على رأس اللجنة الوزارية التي عينها رئيس الحكومة؟ والأهم من هذا وذاك، كيف يطمئن الموظفون لهذا النظام الذي تدعي الحكومة أنه يحافظ على مكتسبات الوظيفة العمومية، واللجنة الوزارية ممثلة بوزير الشغل وليس بوزيرة الوظيفة العمومية؟ أليس هذا كافيا للخروج بخلاصة يُستفاد منها أن الوزير “بنموسى” عندما صرح بأن الحكومة صادقت على نظام أساسي موحِّد ودامج لجميع موظفي القطاع، إنما كان يقصد إدماج من بقي من الموظفين المرسمين في قطاع الشغل عوض إدماج الأساتذة المتعاقدين في الوظيفة العمومية؟ … 02 ـ تجميد العمل بالنظام الأساسي:
أمام تزايد موجات الاحتجاج المجتمعي وثبات نسب الإضرابات التي تقودها التنسيقيات التعليمية في 90 %؛ رغم خطاب التخوين تجاه الأساتذة وتحميلهم مسؤولية حرمان التلاميذ من الدراسة، ورغم التهديد بالاقتطاع (دون تقسيط) من أجور المضربين، ورغم قرارات التوقيف الجائرة في حق بضعة أساتذة؛ انعقد لقاء بين النقابات واللجنة الوزارية تحت إشراف رئيس الحكومة يوم الاثنين 27 نونبر 2023، كان من مخرجاته العظيمة تجميد العمل بالنظام الأساسي في أفق التعديل، صاحبته هالة إعلامية ضخمة وصفته بالفتح المبين في أزمة التعليم. المُخْجِل في هذا اللقاء هو أن التنسيق الرباعي (النقابات الأربع الموقعة) هي من جادت على الحكومة بمقترح تجميد النظام الأساسي المشؤوم بدل التشبث بمطلب سحبه بمرسوم. وهو ما عدَّته القواعد المناضلة نوعا من الاستغباء التام لعقول أسرة التعليم.
ثم تظاهرت الحكومة أمام الرأي العام بالاستجابة لمطلب النقابات الذي يعاكس إرادة رجال ونساء التعليم، لأنها تعلم أن القوانين تُنسخ بالقوانين وليس بتجميدها إلى أجل غير مسمى. ومرة أخرى، أبانت الحكومة عن عدم جديتها في تبديد مخاوف رجال ونساء التعليم بمحاولة أخرى للالتفاف على مطالبهم المشروعة، وعدم نزوعها نحو تقديم حل جذري للأزمة. 03 ـ المقاربة المادية للأزمة:
منذ اندلاع الاحتجاجات بقطاع التعليم في أكتوبر الماضي والحكومة تحاول ربط أسباب الأزمة بما هو مادي، والظهور في هيئة الحكومة المسؤولة أمام الشعب المغربي، والمتفهمة لغضب الأساتذة الذين خرجوا يمارسون حقهم في الإضراب من أجل تحسين الدخل والزيادة في الأجور، في تجاهل تام للأسباب الحقيقية المتمثلة في مرجعية النظام الأساسي الجديدة، المبنية على منطق المقاولة ونقل جميع الموظفين خارج نطاق الوظيفة العمومية، وتحول الدولة من دور المشغل إلى دور المنظم لعلاقات الشغل على غرار القطاع الخاص، فضلا عن رزمة العقوبات والمهام الجديدة والتمكين لأطر الإدارة والرقابة على حساب الأساتذة. ومع تصاعد وتيرة الإضرابات، عقدت اللجنة الوزارية المكلفة بحل أزمة التعليم اجتماعا مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية في 10 دجنبر 2023، وافقت فيه الحكومة على زيادة 1500 درهم (عبر دفعتين) لجميع رجال ونساء التعليم، ستهم الأولى زيادة 750 درهما برسم سنة 2024، والثانية زيادة 750 درهما برسم سنة 2025، كما همت الزيادة مجموعة من الفئات الأخرى التي تشتغل بالقطاع. وخرجت عدة منابر إعلامية مأجورة تتكلم باسم الأساتذة، وتدعي أنهم سعداء بنتائج الحوار القطاعي الذي عادت له المصداقية بعد أن لمسوا فيه أثرا ماديا مُقَدَّرا، وأن هذه الزيادة كفيلة بعودة الأساتذة إلى أقسامهم.
لكن التنسيقيات التعليمية والنقابات المناضلة ستكذب هذه المزاعم بعد يومين فقط على الاتفاق، وذلك بدعوتها لخوض إضراب لمدة أربعة أيام (من 14 إلى 17 دجنبر الجاري) مع تجسيد وقفات احتجاجية جهوية وإقليمية يوم الخميس 15 دجنبر 2023، أرسلت من خلالها رسالة واضحة إلى الحكومة ونقاباتها مُفادها أن الأولوية عند رجال ونساء التعليم ليست هي الزيادة في الأجور. فهذه يمكن الصبر عليها لأشهر، لسنة مالية أخرى، لكنهم لن يصبروا على سلبهم كرامتهم والتضييق على حريتهم باسم القانون ساعة واحدة؛ ولن يعود الأساتذة إلى أقسامهم إذا تحقق مطلب الزيادة وحده؛ فالمال لن يصنع الكرامة. 04 ـ إعادة قراءة مضامين النظام الأساسي:
كل البيانات الصادرة عن التنسيقيات والنقابات دعت في البند الأول وبالخط العريض إلى سحب النظام الأساسي لأنه مبني على مرجعيات قانونية ذات إطار خارج الوظيفة العمومية. بالمقابل الوزارة المعنية تشبثت بالنظام الأساسي ليس لأنه غير قابل للسحب ـ في نظرها ـ بعد صدوره في الجريدة الرسمية، ولكن لأن الأساتذة لم يستوعبوا مضامينه. فقد صرح الوزير “بنموسى” في أكتوبر الماضي قائلا: “سنعيد شرح المضامين للأساتذة”. أي أنه ليس هناك حذف وليس هناك تعديل، كل ما هنالك إعادة قراءة لمضامين النظام الأساسي، وكأن كل الأساتذة في القطاع لا يفهمون في لغة القوانين. وهذه إهانة أخرى توجب على صاحبها الاعتذار، لأن قطاع التعليم يضم أساتذة ومناضلين راسخين في القانون، ولن يقولوا آمنا بنظام أساسي جائر. وقديما قالت العرب: “عُذْرٌ أَقْبَحُ مِنْ زَلَّةٍ”، فليس عيبا أن نخطئ ما دمنا بشرا، وما دمنا نجتهد فنصيب أو نخطئ في الاجتهاد. ولكن ما هو أصعب من الخطأ هو معالجة الخطأ بالخطأ والاشتغال بمنطق معكوس. هنا ينتقل الخطأ من خطأ في الاجتهاد إلى غلط قد يؤجج الاحتجاج، لأنه وَضَعَ الشيءَ في غير موضعه. 05 ـ الحوار المشروط:
تمثل الاحتجاجات التي قادتها التنسيقيات التعليمية جيلا جديدا من الاحتجاجات في الحقل التعليمي شكلا ومضمونا. والحكومة بإظهارها عدم الانزعاج من هذا الحراك المجتمعي غير المسبوق، وإصرارها على عدم الحوار مع فاعلين حقيقيين (التنسيقيات وبعض النقابات خارج الخماسي المعروف)، راهنت كثيرا على كسب مزيد من الوقت لإنهاك المناضلين والمناضلات وبث روح اليأس والخيبة من تحقق مطالبهم. ولذلك جاءت تصريحات أغلب مكونات الحكومة كي تبرِّئ المسؤول عن الاختلالات في التدبير وتلوم الضحية على تأزيم القطاع، وحرمان ثمانية ملايين تلميذ من حقهم في التعليم. ولم تستجب الحكومة لمطلب إشراك التنسيقيات إلا بعد فشل جميع أشكال الترهيب والضغط على الأساتذة، وجميع محاولات النقابات الموقعة في دعوة القواعد المناضلة إلى تعليق الإضراب والعودة إلى الأقسام.
فبعد شهرين من الإضرابات والاحتجاجات، وفي خطوة وُصفت بالمفاجِئة، خطبت الحكومة وُدَّ التنسيقيات تحت غطاء نقابة FNE وكلا من نقابتي التعليم التابعتين للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (UNTM) والمنظمة الديمقراطية للشغل (ODT)، ودعتها للجلوس على طاولة الحوار. وهو ما قُرئ حينها في الساحة التعليمية على أنه محاولة جادة من الوزارة في اتجاه إنهاء الأزمة. وبالفعل جلست الوزارة لأول مرة مع أطراف أخرى فاعلة في الميدان بتاريخ: 14 و15 دجنبر 2023، واستمعت بالساعات لملفها المطلبي. ثم اتفقت الوزارة مع الأطراف الجديدة على عقد اجتماع ثانٍ يوم الاثنين 18 دجنبر 2023 للرد على مطالبها. فلما جاء يوم الاثنين، أغلقت الوزارة باب الحوار من جديد في وجهها مشترطة على التنسيقيات وبعض النقابات (خارج الخماسي الموقع) تعليق الإضراب الذي كانت قد دعت إليه في الأسبوع الموالي (بين 18 و24 دجنبر الجاري) وتوجيه دعوة للشغيلة التعليمية من أجل الالتحاق بالأقسام بدل خروجهم في المسيرة الوطنية المقررة يوم الخميس 21 دجنبر 2023 بالرباط. لكن هذه الأخيرة اختارت الاصطفاف إلى جانب الشغيلة التعليمية، وأغلقت باب الجلوس مع الوزارة.
وهكذا، تبين أن إشراك الوزارة كل التلوينات النقابية والتنسيقيات المناضلة في الحوار كان من أجل الاستهلاك الإعلامي فقط، ومن باب “شاورها في الأمر ولا تعمل برأيها”. فمتى تستوعب الحكومة حجم السخط الذي بلغه رجال ونساء التعليم بسبب هذا التخبط في التعاطي مع نضالات الأساتذة؟
* * * * ********
إن الرضا الوظيفي لدى الأستاذ رهين باستقرار المنظومة التربوية، واستقرار المنظومة رهين بنزع فتيل الأزمة والمتمثل في سحب النظام الأساسي، مع ضرورة العودة به إلى طاولة الحوار الجاد مع كافة الفاعلين الحقيقيين، في أفق بناء نظام جديد يتجاوز الثغرات ويستجيب لمطالب الشغيلة التعليمية المشروعة؛ وليس رهينا بتعديلات شكلية وطفيفة لا تمس جوهر النظام في فلسفته الجديدة. فالإصلاح يظهر عندما يكون الأستاذ مستعِداً لممارسة دوره التربوي ومحفَّزاً على الإصلاح، ولن ينشد المسؤولون أي انخراط للأستاذ في برامج الإصلاح، وما قدَّروه حق قدره، وما كرَّموه تكريما.
وإذا كان من المتوقع جدا أن يصادق المجلس الحكومي على التعديلات ـ مع التحفظ مرة أخرى على كلمة التعديلات ـ التي تقدمت بها النقابات الأكثر تمثيلية يوم الاثنين 25 دجنبر 2023 أملا في إنهاء الاحتجاجات والإضرابات التي شلت المدرسة العمومية لأزيد من شهرين، فإن هذه التعديلات غير كافية لإقبار ملف نظام المآسي وإسكات أصوات المناضلين القادرين على إبداع أشكال جديدة من الاحتجاج، ستُبقي القضية حية في الميدان طالما أنها حية في ضمائرهم.

تيط مليل في: 24/12/2023

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى