
الداعية حسن العقاد يكتب:
التصوف حالة وجودية و وجدانية تجعل المرء أكثر تواضعا وأكثر تسامحا وأكثر عطاء واقل تشبثا بالأشياء والمسميات . وهو في حقيقته مقام الإحسان الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ” .
وقد أطلق أول ما أطلق على الزهاد والفقراء والعباد وأهل العزلة وأهل الصمت وأهل الخلوة وأهل الذكر وأهل الإرشاد .
وقد تعددت تعريفات هذا المصطلح فقد عرفه سيد الطائفة الإمام الجنيد رضي الله عنه : بكونه استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني .
– وقال عنه بعض العارفين إنه : الجد في السلوك إلى ملك الملوك .
– وقالوا : هو الموافقة للحق ، والمفارقة للخلق .
– وقالوا : هو ابتغاء الوسيلة إلى منتهى الفضيلة .
– وقالوا : هو حفظ الوفاء وترك الجفاء .
– وقالوا : هو الرغبة إلى المحبوب في درك المطلوب .
– وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله : التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية .
– وقال سيدي أحمد زروق رحمه الله : التصوف علم قصد لإصلاح القلوب، وإفرادها لله تعالى عما سواه، والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام، وظهور الحكمة بالأحكام .
– وقال الإمام المجدد سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية .
– وقال سيدي أحمد زروق رحمه الله في قواعد التصوف : وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين ، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه .
– وقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء تعريفا للتصوف في كل ترجمة من تراجم كتابه تقريبا، وفي كتابه أكثر من ألفي ترجمة .
– وقال الإمام أبو علي الروذباري : هو من لبس الصوف على الصفاء، وأطعم الهوى ذوق الجفاء، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم .
– وقال الإمام سهل بن عبد الله التستري : الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر .
فكيف استحال التصوف من تهذيب سلوكي وروحي إلى حالة ابتزاز وارتزاق، باتت الخرافة والأساطير المكسوَّة بهالة دينية سمةً بارزةً فيه، كما أنه بات مطية من مطايا أقوامٍ يزعمون آصرة قربى بنبيِّ الله الخاتم، إمعانًا في إخضاع المتلقِّين من الدهماء والسوقة؛ لكونهم يحملون سلاحًا ذا حدَّين، إنَّ التصوف الأصيل أبعد ما يكون عن الظهور والتفرُّد عن الخلق، فقد كان القادم يدخل المجتمع النبويَّ ويسأل: أين محمد؟، سؤال العظمة الصارخ، نبي مؤيد من السماء والأرض يذوب في الحشود فلا يعرف بشارة تدل عليه، هذه الشخصية المحمدية المهولة في ارتفاعها، المدهشة في اقترابها، فأين أصحاب العمائم الملونة والسُبُح المطولَّة عن هدي نبينا، لو كان عدد حبات سبحكم صنو رمل عالج، وبطول سور الصين فلأنتم أبعد الناس عن هدي سيد الأنام صلى الله عليه وآله وسلم .






