التعاليم الخالصة و العميقة عن الله في القران تحتل اسبقية للاسلام في حقول الفكر الانساني و المصلحة الروحية

🔻يقول الرئيس المفكر علي عزت بيجوفيتش رحمه الله في كتابه«هروبي إلى الحرية » : الإسلام قوي، وبشكل فريد في نقطة هامة: في تعاليمه عن الله، فهذه التعاليم مثل السماء بسيطة، لكنها في الوقت نفسه مهيبة ولا تنضب.
في كل الأديان الكبيرة الأخرى حدث تصدع في هذه الموضوعة الرئيسة، التعاليم الخالصة والعميقة عن اللّٰه في القرآن تحتل أسبقية للإسلام في أحد حقول الفكر الإنساني والمصلحة الروحية من الأهمية بمكان.
إنه حقل يمكن من خلاله تطوير الفكر الإسلامي بلا حدود.
🔻هذه العبارة من علي عزت بيجوفيتش من أعمق عباراته؛ لأنها لا تتحدث عن الإسلام من جهة التشريع، ولا من جهة الحضارة، ولا من جهة الاجتماع، بل تذهب إلى المركز الذي منه يستمد الإسلام قوته كلها: تصور الله.
فهو يقول، بعبارة مكثفة، إن قوة الإسلام الفريدة ليست في كثرة التفاصيل أولًا، بل في نقاء الأصل الذي تنبثق منه التفاصيل.
إن الإسلام قوي لأنه يملك تعليماً عن الله لم يصبه التشويش، ولم تتداخل فيه الأساطير، ولم تتكاثر حوله الوسائط، ولم يتحول إلى بناء لاهوتي معقد يثقل الفطرة أكثر مما يهديها.
الله في القرآن ليس فكرة غامضة تحتاج إلى متاهة فلسفية كي تُدرك، ولا صورة مجسّمة تجرّ الإنسان إلى التشبيه، ولا مبدأً بارداً بعيداً عن القلب، بل هو الله الواحد الأحد، الصمد، الحي القيوم، الرحمن الرحيم، العزيز الحكيم، القريب المجيب، العلي العظيم، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
هنا موضع الدهشة عند علي عزت: أن التعليم القرآني عن الله يجمع بين أمرين نادرين: البساطة والجلال.
البساطة لا تعني السذاجة.
والجلال لا يعني الغموض.
إنها بسيطة كالسّماء: تراها كل عين، ولا يحتاج الإنسان إلى وسيط كي يعرف اتجاهها.
لكنها، في الوقت نفسه، مهيبة لا تُستنفد؛ كلما نظرت إليها وجدت فيها اتساعاً جديداً، وعمقاً جديداً، وصمتاً يعلّم أكثر مما تصرخ به الشروح.
وهكذا التوحيد في القرآن.
ليس التوحيد جملة عقائدية جامدة تقول: الله واحد.
بل هو هندسة كاملة للوعي.
حين يعرف الإنسان أن الله واحد، يتغير معنى الوجود كله، لا يعود الكون فوضى، ولا يعود الإنسان عبثاً، ولا يعود التاريخ لعبة عمياء، ولا يعود الخير مجرد ذوق، ولا الشر مجرد وجهة نظر.
يصبح للوجود مركز، وللأخلاق سند، وللابتلاء معنى، وللموت تتمة، وللعدل موعد، وللإنسان ربٌّ لا يضيع عنده شيء.
ولهذا يقول علي عزت إن هذا الحقل يمكن أن يُطوَّر فيه الفكر الإسلامي بلا حدود، لا يقصد أن نبتدع في ذات الله أو نخوض فيما لم يأذن به الوحي، بل يقصد أن التصور القرآني لله يفتح أمام الفكر الإنساني آفاقاً لا تنفد: في معنى الحرية، والكرامة، والمسؤولية، والجمال، والعدل، والرحمة، والمصير، والإنسان، والتاريخ، والكون.
كل فكرة كبرى في الإسلام تعود إلى هذا الأصل.
•العبادة تعود إلى أن الله مستحق للحمد.
•الأخلاق تعود إلى أن الله يعلم السر وأخفى.
•الكرامة تعود إلى أن الإنسان عبد لله لا عبد للإنسان.
•الحرية تعود إلى أن الخضوع لله وحده تحرير من كل ما سواه.
•العدل يعود إلى أن الله لا يظلم مثقال ذرة.
•الصبر يعود إلى أن الله لطيف لما يشاء.
•التوبة تعود إلى أن الله غفور رحيم.
•المقاومة تعود إلى أن الله أكبر من الطغيان.
•والآخرة تعود إلى أن الله ليس غافلاً عمّا يعمل الظالمون.
هنا تتجلى عبقرية القرآن في بناء الإيمان: إنه لا يقدّم الله باعتباره موضوعاً نظرياً منفصلاً عن الحياة، بل يقدّم معرفة الله باعتبارها القوة التي تعيد ترتيب الحياة من الداخل.
ولذلك كان التصدع في تصور الله، عند أي أمة، تصدعاً في كل شيء بعدها. إذا اختلّ تصور الإنسان عن ربه، اختلّ تصوره عن نفسه، وعن العالم، وعن الخير، وعن الشر، وعن الحرية، وعن المصير. ومن هنا فهم علي عزت أن نقاء العقيدة في الإسلام ليس مسألة مدرسية أو جدلاً كلامياً مجرداً، بل هو أصل حضاري وروحي ومعرفي.
الإسلام لا يبدأ بسؤال: ماذا نملك؟
ولا بسؤال: كيف ننتصر؟
ولا بسؤال: كيف نبني الدولة؟
بل يبدأ بالسؤال الأعلى: من الله؟
فإذا استقام الجواب، استقامت بعده خريطة الإنسان.
إن أعظم ما في التوحيد أنه لا يترك الإنسان صغيراً أمام الكون، ولا متكبراً عليه.
يجعله عبداً لله، وهذه العبودية هي أعلى صور التحرر؛ لأنها تقطع السلاسل من جذورها. فالذي يسجد لله وحده لا يركع للمال، ولا للسلطة، ولا للعرق، ولا للشهوة، ولا للخرافة، ولا لصنم الذات.
من هنا كان التوحيد في القرآن ليس عقيدة فحسب، بل ثورة صامتة في بنية الإنسان.
إنه يربّي القلب على المهابة دون رعب مرضي، وعلى الرجاء دون أمن كاذب، وعلى القرب دون تشبيه، وعلى التنزيه دون تعطيل، وعلى الحب دون ذوبان، وعلى الخوف دون يأس.
وهذا هو السر الذي لمحه علي عزت: أن الإسلام يمتلك في تعليمه عن الله من الصفاء والعمق ما يجعله قادراً دائماً على إنتاج فكر جديد، لا لأنه يغيّر أصله، بل لأنه يعود إلى أصل لا ينفد.
فالقرآن حين يعلّمك عن الله، لا يعطيك تعريفاً مغلقاً، بل يفتح لك أفقاً.
وحين يقول لك: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لا يضيف معلومة فقط، بل يعيد تشكيل بصرك.
وحين يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} لا يلغي علوّه سبحانه ولا ينزله إلى مشابهة خلقه، بل يملأ الوجود برقابة الرحمة والعلم والقدرة.
وحين يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يقطع طريق الوهم كله، ثم يقول: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ليبقي القلب متصلاً برب يسمع ويرى، بلا تشبيه ولا تعطيل.
هذه هي البساطة المهيبة.
إنها عقيدة يستطيع الطفل أن يحيا بها، ولا يستطيع الفيلسوف أن يستنفدها.
يفهمها الأمي في سجوده، ويظل العالم يطوف حول أسرارها ما بقي له عقل وقلب.
وهنا عظمة الإسلام: أنه لا يجعل الطريق إلى الله امتيازاً لنخبة لاهوتية، ولا يحصر المعرفة بالله في طبقة من الوسطاء، بل يجعل السماء مفتوحة للفطرة، ثم يجعل هذه الفطرة نفسها قابلة للترقي بلا نهاية.
لذلك يمكن القول إن بيجوفيتش أراد أن ينبه إلى أن مستقبل الفكر الإسلامي لا يبدأ من استيراد الأسئلة من خارج روحه، بل من إعادة اكتشاف مركزه الأول: الله كما يعرّفنا به القرآن.
فكل نهضة لا تبدأ من التوحيد تبقى نهضة ناقصة.
وكل فكر لا يعيد الإنسان إلى الله يبقى ذكاءً بلا قبلة.
وكل حضارة لا تجعل الله فوق الإنسان ستجعل الإنسان، عاجلاً أو آجلاً، إلهاً صغيراً يفسد الأرض باسم الحرية أو العقل أو التقدم.
ومن هنا تكون عبارة علي عزت ليست مدحاً عابراً للإسلام، بل مفتاحاً لمنهج كامل:
أن نعيد بناء الفكر الإسلامي من صفاء التوحيد، لا من ضجيج الهوامش.
من معرفة الله، لا من الاستغراق في الردود.
من القرآن، لا من تراكمات الخوف والجمود.
من الجلال البسيط، لا من التعقيد الذي يظن نفسه عمقاً.
إن الإسلام قوي لأنه يقول للإنسان أولاً: اعرف ربك.
فإذا عرفه حق المعرفة الممكنة للعبد، عرف نفسه، وعرف طريقه، وعرف حدوده، وعرف كرامته، وعرف أن العالم ليس مغلقاً، وأن الحياة ليست عمياء، وأن الموت ليس النهاية، وأن وراء كل شيء رباً حكيماً، لطيفاً، عليماً، لا يشبه خلقه، ولا يغيب عن خلقه.





