الثورات المباركة المربكة، هل هي بداية خريف نظم و أنظمة ؟

بقلم أبو أيوب

لم يشهد العالم العربي طيلة تاريخه الحديث شبيها بما يعيشه اليوم من مخاض إجتماعي قل نظيره، هبة ثورتين شعبيتين أطاحتا بنظامين جمهوريين، أقله في الوقت الحاضر الإرغام على التنحي لأعلى رأس هرم السلطة و بعض ممن كانوا يدورون في الفلك، ثورة شعبية مسالمة و سلمية، عفوية و حضارية، أطلت برأسها، بعد أن بلغ السيل الزبى و طفح الكيل، على واقع عربي كئيب، بروزها و ظهورها في هذا الوقت أنعش الآمال في إمكانية حدوث التغيير بضغط من الأمواج البشرية الهادرة، سلميتها و عفويتها و تلاحمها مع قواتها المسلحة لم يفوت الفرصة فقط على المتربصين  بكلتى الدولتين المستهدفتين من الدولة العبرية، دولة سعت منذ زمن بعيد إلى إضعاف محيطها العربي عبر تحطيم الجيوش ” مصر و استنزافها في حرب اليمن/ الحرب الثلاثية 56/ قناة السويس/ حرب 67…./ العراق/ ليبيا…. “، و إنما كذلك فوت الفرصة على أهل النفاق و الشقاق من عربان الخليج العاربة و من يدور في فلكهم، حيث صدحت الجماهير الشعبية بكون الوطن و جيشه خطان أحمران لا يسمح بالإقتراب منهما، عملية صد لكل محاولات الإختراق و التدخلات الأجنبية أو الركوب على الأحداث من أي كان، لا صوت يعلو فوق صوت الشعب .
ظاهرة فريدة من نوعها في عالمنا العربي لم يسبق لها مثيل عدا الثورة الإيرانية في العالم الإسلامي التي كان من بين نتائجها اقتلاع عرش دركي الخليج رضا بهلوي، نظام آخر فاسد من أنظمة بالية، ثورة إيران في وقتها ألهمت شعوبا كثيرة، ما حدى بطواغيت العصر الحديث إلى إلهائها بمعارك جانبية ” حرب الثماني سنوات مع العراق بدعم و مساندة و تمويل عربي، ” لينتقلوا من بعد ما فشلوا إلى محاصرتها و محاولة خنقها ” العقوبات الأمريكية كمثال “، لحدود الساعة و حسب المعلومات المتوفرة، الأمور في الجزائر و السودان تتجه نحو الأفيد و الأصوب و الأصلح لطموحات و مطالب الشعبين، حراك شعبي سلمي من أجل تغيير جدري، لكن مع بعض التفاوتات و إن كان الأمر يصب في بوتقة واحدة ” إنتصار إرادة الشعب “، الأولى لم يرد جيشها التدخل مباشرة في المعترك السياسي رغم مطالبة الشعب بذلك، إذ اكتفى بالإصطفاف مع المطالب المشروعة إلى جانب احترامه للدستور، كي لا تتفكك مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، مطالبا الشعب التفكير بوعي و روية و تجنب كل ما من شأنه أن يفسد الفرحة، و أن التغيير سيحصل طبقا لإرادة الشعب عبر انتخابات حرة و نزيهة تفضي إلى حكومة وطنية منبثقة من صناديق الاقتراع، ضمن هذا السياق،  برمجت الإنتخابات شهر يونيو القادم، بالتالي ما على الجميع إلا التجاوب و الإمتثال  لمقتضيات و بنود الدستور إلى حين تحيين دستور جديد، كمحاولة للإقناع، وعدت قيادة الجيش بحماية البلد و الإنصات لمطالب الشعب التي هي جزء لا يتجزأ منه، متوعدة بإحالة كل ملفات الفساد دون استثناء على القضاء، في إشارة إلى ملفات سابقة ” بنك خليفة أو ملف سوناطراك كمثال “، و عدم التسامح مع كل من ثبت تورطه، علاقة بهذا بادرت إلى اعتقال بعض الرؤوس كما أغلقت الأجواء في وجه البعض الآخر، و في نفس الوقت تفادت القيادة العسكرية كل الضغوط التي مورست عليها سواء من فرنسا أو الإمارات و السعودية، كما تحاشت الدخول في مناكفات مع الإتحاد الإفريقي إن هي استولت على السلطة، قانونه التأسيسي لا يعترف بحكومة انبثقت عن إنقلاب عسكري ” حالة مصر سابقا أو جمهورية إفريقيا الوسطى كمثال، حيث جمدت العضوية حتى إجراء الإنتخابات “، أما الشقيقة السودانية، الإطاحة أو عزل الرئيس البشير أفضى إلى تسلم الجيش مقاليد الحكم كمرحلة انتقالية قد تدوم لسنتين، تتلوها انتخابات، وضع قد يؤلب من جهة الإتحاد القاري و يجبره على إبداء موقف صريح مما يجري في البلاد و قد يصل حد تجميد العضوية، ليس في صالح السودان في الوقت الراهن على ضوء ما يعرفه من أزمة اقتصادية خانقة، و من جهة أخرى قد يفاقم من الوضعية الصعبة التي يعيشها البلد، ما يزيد من حالة الإحتقان و التذمر و السخط الشعبي، هذا ما اثبتته الوقفات اليومية المتصاعدة المستمرة، وقفات يومية تزيد من حالة ارتباك و تخبط من تولوا المقاليد، بخلاف مسيرات الجزائر الأسبوعية ” كل جمعة “، هذا ما يفسره الوضع الحالي، تنحي وزير الدفاع فاسحا المجال لرئيس الأركان الذي أدى القسم على القرآن كرئيس للمجلس العسكري الإنتقالي، المؤتمن على مستقبل البلاد، لإبداء حسن النية، أصدر قرارات من قبيل، إطلاق كافة المعتقلين السياسيين، البدء في حوار سياسي مع مختلف ألوان الطيف الحزبي و جمعيات المجتمع المدني السوداني على أمل الإتفاق و الخروج بآليات و مقاربات جديدة تجنب البلاد الإنزلاق نحو الأسوء، واضعا نصب أعينه مهلة شهر أو ما يفوق في حالة حدوث توافق بين مختلف الفرقاء السياسيين ليسلم السلطة إلى حكومة مدنية، أما إذا ما تعذر أمر التوافق و هذا هو المرجح،  ففترة حكم المجلس العسكري قد تطول قرابة العامين، لدغدغة الأحاسيس و العواطف الوطنية انطلاقا من نبل و أنفة و كبرياء الإنسان السوداني، تعهد بعدم تقديم البشير المخلوع إلى محكمة الجنايات الدولية، عرف عن المشير عبد الفتاح عبد الرحمان البرهان، ربما إسم على مسمى، وطنيته و نزاهته و صرامته، لم يشر إلى إسمه في أي ملف فساد، بعيد عن الشبهات و أيادي نظيفة، متدين و متخلق، لم يذكر إسمه فيما عرفه السودان من مجازر جماعية سواء بجنوب السودان أو دارفور، غير متابع و لا بمطلوب للعدالة الدولية، هذا ما قد يشفع له أمام الشعب السوداني و المجتمع الدولي، تقلد عدة مناصب قيادية من ضمنها مشاركته في حرب اليمن على رأس القوات السودانية، بحسب بعض المراقبين الدوليين، فورة الجزائر و ثورة السودان تشكل منعطفا مصيريا لكل الشعوب العربية، إن لم نقل نبراسا يحتذى به، ساهمت في إشعاعه مختلف وسائل التواصل الإجتماعي، رغم المحاولات الخبيثة لبعض أعلام البيترودولار و صحافيي من يدفع اكثر، سقوط و انهيار حائط الخوف قد يعجل بانتقال العدوى و تعميم القدوة لتشمل بلدانا اخرى ” السعودية أو الأردن مثالا لا حصرا ” ،كما أن بعضا منهم يصفها ببداية حقيقية لربيع عربي طال انتظاره، بعدما سئمت الشعوب من مواعيد عرقوب الديموقراطية، و ضاقت ذرعا بخدام الأجندات الخارجية، أنظمة عربية شاخت و ترهلت و لم يعد في جعبتها ما تضفيه من نكهة آسنه في مياهها العكرة برائحة فساد الطغم الحاكمة النثنة لتستهوي به شعوبها، طفوح الكيل و استفاقة الشعوب من شأنه أن يساهم في مزيد من التعرية لواقع يائس بئيس أفل نجمه و ما عاد ملبيا الطموحات، هبة شعبية واعدة بغد أفضل، متمسكة بسلمية و حضارية حراكها، ناشدة اقتلاع من أقصى الجذور، الماسكين بالنواصي و المرتكبين للمعاصي، ليفرض التساؤل على من الدور الآن ؟ و أي بلد مرشح لاقتفاء الأثر ؟
ارتعاد فرائص الحكام تحصيل حاصل و ما علينا سوى الإنتظار، إنتظار المزيد بعدما نجحت الفاتنة الأولى بموطن الأمير عبد القادر ، لتتلوها على نفس الخطى صنوتها بجبال النوبا، لا يعكر صفوهما إلا ما يقترفه مشير ليبيا بتشجيع و تمويل أمريكي/ فرنسي/ سعودي/ إماراتي، محاولا زرع الضبابية و سرقة النجومية، عملية سحب الأضواء الكاشفة، مبتغيا سحب البساط من تحت أقدام الحراكات الشعبية، في أكبر عملية حرف للأنظار و الإلهاء ريثما يطرأ جديد قد يقلب المعادلة، لكن بعض المحللين يدفعون بفوات الأوان كون تحركات الغرب و الأزلام من بنو قينقاع الخليج دخلت غرف الإنعاش، تحركات الوقت البذل الضائع، لا سيما على ضوء الإنكفاء الفرنسي ” عموم المستعمرات السابقة تغلي / إتهام إيطاليا لفرنسا بسرقة و إفقار البلدان الإفريقية، بداية التمرد على عملة الفرنك الإفريقي… ” و التقهقر الأمريكي ” جزيرة القرم / فنيزويلا/ أزمة كوريا الشمالية/ العلاقات المتدبدبة مع المكسيك… “، واقع جيوسياسي ينضاف له تنمر كل من الصين و الهند و روسيا، عوامل اجتمعت و أرخت بظلالها متسببة في انطلاقة قطار التغيير بقيادة مشتركة بين شعوب مقهورة و جيوش مغمورة، هذه معشر المتتبعات و المتتبعين ليست سوى البداية،  بداية مشروع واعد بأعناق مشرئبة نحو نهاية حقبة و بزوغ أخرى، دون أية قطرة دم أو تهشيم أظلع، فأبشروا لزمن المقاربات الأمنية الذي ولى إلى غير رجعة، و من يريد السباحة عكس التيار خسأت نواياه و لن يفلح في مسعاه و لا من حيث أتى و الأيام بيننا، و الأكيد المؤكد أن خارطة الوطن العربي لا زالت ولادة.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إهانة الموتى بمطار محمد الخامس

بقلم رشيدة باب الزين     وصلت جثامين مواطنين، مغاربة توفوا بالخارج، على متن الطائرة ...