24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسان

الجديدة المنكوبة تستغيث فهل من مجيب

لم تعد عاصمة دكالة تلك المدينة الهادئة التي تطرب زوارها بصوت موج البحر وعبق التاريخ، بل أضحت تنزف في الصمت وتعيش على وقع تدهور شامل وصل بسكانها إلى أقصى درجات التحمل. إن هذا النداء الموجه من قلب الساكنة المكلومة ليس لمجرد التباكي أو التشكي، بل هو صرخة استغاثة بليغة ومباشرة إلى كل من يهمهم الأمر من مسؤولين ومجالس منتخبة وفعاليات حية، للتدخل العاجل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

​إن الجولة القليلة في شوارع الجديدة تكشف لك عن مشهد مؤلم؛ لعل أبرز معالمه قطاع النقل الذي يمر بأزمة خانقة وجريمة في حق أسطول الحافلات المتهالكة التي باتت تشكل خطراً على حياة المواطنين وتسيء لكرامتهم، فضلاً عن الفوضى العارمة التي يعيشها قطاع سيارات الأجر والشلل الملحوظ في مواعيد سيرها. ولن تكتمل الصورة حتى تنظر إلى الوضع البيئي والجمالي؛ فالنظافة أصبحت عملة نادرة في مجمل الأحياء، وأكداس النفايات تتراكم في الأزقة وعلى جنبات الشوارع لتتحول إلى بؤر للروائح الكريهة والحشرات والميكروبات، وكأن هناك استسلاماً تاماً لواقع الأوساخ والتلوث الذي يهدد صحة الأطفال والكبار على حد سواء.

​ولا تتوقف معاناة الجدديديين عند هذا الحد، فشوارع المدينة الرئيسية وأحياؤها السكنية تحولت إلى خريطة متداخلة من الحفر العميقة والتشققات، حتى أصبحت القيادة داخلها أشبه بالسير في حقل من الألغام الذي يتسبب يومياً في خسائر مادية فادحة لوسائل النقل ويعرض أرواح مستعملي الطريق للخطر. أضف إلى ذلك الغياب الشبه تام للإضاءة العمومية في العديد من الأزقة، مما يخلق بيئة خصبة لانتشار الجريمة ويعزز الشعور بالإهمال والخوف في نفوس المارين ليلاً.

​أما المأساة الكبرى فتتجلى في قطاع الصحة الذي تهاوى بشكل يدعو للقلق والشفقة؛ حيث تشهد المستشفيات والمراكز الصحية الإقليمية نقصاً حاداً في التجهيزات الطبية والأدوية الأساسية، إلى جانب الخصاص المهول في الأطر الطبية والشبه طبية، مما يجعل الحصول على أبسط الخدمات العلاجية أو الاستشفائية أشبه بمعاناة إضافية تكسر كاهل المواطن البسيط وتهدد حقه الأساسي في الحياة والعلاج الكريم.

​وإلى جانب كل هذه الأزمات المتشابكة، تبرز ظاهرة احتلال الملك العمومي بشكل صارخ، حيث صودرت الأرصفة والمساحات الخضراء القليلة من قبل الباعة الجائلين وأصحاب المحلات التجارية والمقاهي دون حسيب أو رقيب، مما حرم الساكنة من حظر أبسط حقوقها في مشي آمن وتجول إنساني، فضلاً عن الانتشار المريب للكلاب الضالة التي باتت تجوب الأحياء وتفزع المارة. إن مدينة الجديدة اليوم تتألم تحت وطأة هذا التردي المركّب، وهي في أمسّ الحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية وخطة إنقاذ شاملة تعيد لها قيمتها التاريخية والجمالية وتوفر لساكنتها العيش الكريم الذي يستحقونه.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى