24 ساعةeljadidanewsأخبار إقليم الجديدةالواجهةثقافة وفنون ومؤلفات

الجديدة تستعيد روحها السينمائية في “أيام مزغان للسينما”

حين يلتقي الشغف بالتكوين والاعتراف الرمزي

 

 

مدينة الجديدة، الحاضنة للتاريخ والمتطلعة إلى المستقبل، والمطلة على ضفاف المحيط الأطلسي، شهدت ما بين 24 و26 يوليوز 2025 حدثاً فنياً وثقافياً استثنائياً، أعاد وهج السينما إلى فضائها العام، وأحيا في النفوس شغف الصورة وقدرتها على ملامسة العمق الإنساني، وذلك من خلال الدورة الأولى من تظاهرة “أيام مزغان للسينما” التي أختير لها شعار “الأندية السينمائية فضاء للتربية على الذوق الفني والجمالي”، والتي نظمتها جمعية النادي السينمائي بالجديدة، بشراكة مع مؤسسة ACT4COMMUNITY، وفي إطار البرنامج الشهري للشراكة الوطنية بين الجامعة الوطنية للأندية السينمائية ووزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبتعاون فعّال مع المديرية الإقليمية للثقافة بالجديدة والثانوية التقنية الرازي.

وقد احتضن مسرح الحي البرتغالي، هذا الفضاء التاريخي العابق بالرمزية،فعاليات التظاهرة، حيث تحوّل طيلة ثلاثة أيام إلى مختبر حي  للعرض والنقاش، جامعاً بين جمالية المكان وروح السينما، في توليفة استثنائية جمعت بين الذاكرة الحية والمعرفة البصرية.

تميزت هذه الدورة  بتنوع فقراتها وتكامل أهدافها، إذ لم تكتفِ بالعروض السينمائية واللقاءات الفنية، بل ركّزت بشكل خاص على الشق التكويني، باعتباره جوهر العمل الثقافي الفاعل. وهكذا، استفاد تلامذة وطلبة الثانوية التقنية الرازي من ورشات تكوينية متخصصة، تمحورت حول القراءة الفيلمية والمونتاج السينمائي، أطرها كل من الأستاذة في مهن السينما وعضوة المكتب المسير للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب سارة حروف والموضبة المحترفة مريم شادلي، حيث تم التركيز على الجوانب العملية المرتبطة بالتوضيب، تحليل الصورة، وتقنيات القراءة النقدية للأفلام، في تجربة تربوية ميدانية مكّنت المشاركين من الالتحام المباشر مع أدوات التعبير السينمائي.


ومن أبرز لحظات التظاهرة، عرض ومناقشة مجموعة من الأفلام القصيرة التي كان أبطالها أطفالاً، وهي أعمال سينمائية شبابية عكست مواضيع اجتماعية وتربوية بعيون الطفولة، وحضرتها مجموعة من الأطفال واليافعين من المدينة. وقد شكلت هذه الفقرة مساحة مفتوحة للتفاعل الإبداعي، حيث أتيحت الفرصة للصغار للتعرف على فن السينما بلغة بسيطة ومؤثرة، مما رسّخ البعد التربوي للتظاهرة، كأداة لبناء علاقة إيجابية بين الناشئة والفن.

وقد كان حفل الافتتاح لحظة مؤثرة بامتياز، من خلال تكريم المخرج والمنتج المغربي الكبير لطيف لحلو، أحد أعلام السينما الوطنية، وصاحب البصمة العميقة في مسار تطوير الخطاب البصري المغربي. ورغم غيابه لأسباب صحية، فقد تسلّم درع التكريم نيابة عنه رئيس الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب عبدالخالق بلعربي، وسط تصفيق حار واعتراف من الحضور بما قدمه هذا الاسم من إضافات نوعية للسينما المغربية.

وفي اللحظة نفسها، تم عرض ومناقشة فيلمه “الدار الكبيرة”، الذي يجسد عمق اختياراته الجمالية وجرأته في ملامسة قضايا مجتمعية أصيلة. وقد كان النقاش حول الفيلم ثرياً ومتعدد الزوايا، بفضل الحضور النوعي الذي جمع بين المهنيين والجمهور العام، في تفاعل نادر بين المبدع والمتلقي.

في اليوم الثاني، استمتع جمهور الجديدة بعرض الفيلم السينمائي “مذكّرات” للمخرج محمد الشريف الطريبق، الذي حلّ ضيفاً لأول مرة على المدينة، وقد عرفت جلسة العرض نقاشاً فنياً مفتوحاً مع المخرج، أضاء العديد من جوانب العمل الفنية والدرامية، وساهم في تعميق الوعي السينمائي لدى الجمهور.

أما اليوم الثالث، فكان مسك الختام، حيث تم عرض فيلم “404.01”،الذي كتب نصه السيناريست محمد حافظي، أحد المكرّمين خلال هذه الدورة، والذي يشكل بدوره أحد الأصوات السينمائية التي تُزاوج بين البعد التكويني والكتابة الإبداعية، في تجربة رائدة تجمع بين التكوين العملي والتأليف الفني. وقد أخرج هذا الفيلم المخرج يونس الركاب، الذي قدّم رؤية إخراجية معاصرة ومُحكمة، لاقت استحسانًا كبيرًا من طرف الجمهور.

ما ميّز عرض هذا الفيلم، ليس فقط قيمته الفنية، بل النقاش المفتوح الذي أعقبه، والذي أداره باقتدار الناقد السينمائي عبد الرحيم الراوي، حيث تحوّلت قاعة العرض إلى مختبر للنقاش الجاد والتحليل الفني العميق، شارك فيه الجمهور والصناع، في تفاعل نادر يعكس نضج الذائقة السينمائية المحلية.

لقد جسدت تظاهرة “أيام مزغان للسينما” رؤية متكاملة للسينما، باعتبارها فناً ومعرفة وتربية في آن. وقد بيّنت بما لا يدع مجالاً للشك أن مدينة الجديدة تزخر بجمهور متعطّش للثقافة البصرية، وأن إعادة الاعتبار للسينما يجب أن تكون أولوية ضمن السياسات الثقافية المحلية، لما لها من أثر تكويني وتنويري على الأفراد والمجتمع.

كما أكدت التجربة على أهمية الأندية السينمائية كفضاءات بديلة للتكوين والنقاش والنقد، قادرة على إنتاج وعي سينمائي جماعي، وإعداد أجيال من الشباب القادرين على التعامل مع الصورة بلغة ذكية وتحليلية.

في الختام، يمكن القول إن هذه الأيام لم تكن مجرد احتفال بالصورة، بل كانت دعوة صريحة إلى جعل السينما جزءاً من المشروع المجتمعي والتربوي، ورهاناً على الذكاء الثقافي المحلي، وهو ما يجعل من تجربة جمعية النادي السينمائي بالجديدة تجربة تستحق كل التقدير والدعم، لما تحمله من رؤى استراتيجية ومضامين إنسانية وفنية راقية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى