الجديدة خارج حسابات الإصلاح الصحي ؟ مسؤولون يعمرون في مناصبهم والقطاع يترنح

بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار الدولة الاجتماعية، والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن بإقليم الجديدة، تتسع هوة يصعب تبريرها . فمع كل إعلان عن تقدم في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، يجد المرتفق نفسه أمام طوابير الانتظار، وخصاص حاد في الأطر الطبية، وأعطاب متكررة في التجهيزات، ومواعيد علاجية تمتد لأشهر طويلة، وكأن الإقليم يوجد خارج خريطة الإصلاح الصحي.
لقد شكل تعميم الحماية الاجتماعية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس، ورشاً استراتيجياً يراهن عليه المغاربة لضمان الولوج العادل والمنصف إلى العلاج . غير أن هذا الرهان يظل معلقاً حين يتعلق الأمر بإقليم الجديدة، حيث تتكرر الشكايات من ضعف الخدمات بالمؤسسات الصحية، وعلى رأسها المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة، الذي يفترض أن يشكل العمود الفقري للعرض الصحي بالإقليم .
الواقع أن أي إصلاح حقيقي للقطاع لا يمكن أن ينجح دون ربط المسؤولية بالمحاسبة . فحين يعمر مسؤول إقليمي في منصبه لسبع سنوات متتالية، في قطاع حيوي يعرف اختلالات متراكمة، يصبح من المشروع طرح سؤال التقييم والمساءلة . هل تحققت الأهداف المسطرة ؟ هل تحسنت مؤشرات الخدمات ؟ هل تم تقليص معاناة المرضى ؟ أم أن استمرار الوضع على ما هو عليه يعكس غياب دينامية جديدة قادرة على ضخ نفس إصلاحي مختلف ؟
إن التداول على المسؤولية ليس إجراءً شكلياً، بل آلية لتجديد الرؤية وضخ أفكار ومقاربات جديدة، خاصة في قطاع حساس كالصحة . فاستمرار نفس التدبير لسنوات طويلة، في ظل تعاقب مدراء وشكايات متكررة من المواطنين والمنتخبين، يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير التقييم وآليات المراقبة .
المفارقة أن إقليم الجديدة، بما يتوفر عليه من مؤهلات اقتصادية وصناعية، وبما يساهم به في الدورة الاقتصادية الوطنية، لا يستفيد من عرض صحي يرقى إلى مستوى انتظارات ساكنته، سواء في الوسط الحضري أو بالعالم القروي . فالمراكز الصحية تعاني خصاصاً في الأطباء العامين والاختصاصيين، وحالات الإحالة نحو مدن أخرى أصبحت أمراً مألوفاً، ما بات يثقل كاهل الأسر بمصاريف إضافية ومعاناة نفسية واجتماعية .
إن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية لا يقاس بعدد المسجلين في أنظمة التغطية، بل بمدى جودة الخدمات المقدمة داخل المستشفيات، وبقدرة المواطن على الحصول على العلاج في ظروف تحفظ كرامته . ومن دون تقييم جدي لأداء المسؤولين الترابيين، وفتح نقاش صريح حول أسباب التعثر، سيظل الشعار متقدماً على الواقع بخطوات .
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الجديدة إلى جرأة في التشخيص، ووضوح في تحديد المسؤوليات، وقرارات تعيد الثقة للساكنة في مؤسساتها الصحية. فالصحة ليست امتيازاً، بل هي حق دستوري، وأي إخلال بهذا الحق يستوجب المساءلة، لا الصمت ولا التبرير .





