24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسان

الجديدة: عندما تذبح كفاءات “الجرف الأصفر” على مقصلة “باك صاحبي”

يعيش سوق الشغل بمدينة الجديدة مفارقة غريبة تحولت مع مرور الوقت إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي والتنمية المحلية؛ فبينما يضم الإقليم أحد أكبر القاطرات الاقتصادية والصناعية في المملكة، والمتمثل في مركب الجرف الأصفر والمناطق الصناعية المحيطة به، إلى جانب مؤسسات جامعية ومعاهد عليا تضخ سنوياً مئات الكفاءات في مختلف التخصصات، تظل نسبة عطالة الخريجين مرتفعة بشكل يثير الكثير من علامات الاستفهام حول آليات التوظيف المعتمدة.

​إن الواقع المعيش بالمدينة يكشف عن هوة سحيقة بين الوعود الرسمية والشعارات المرفوعة حول تشجيع الكفاءات وتكافؤ الفرص، وبين الممارسة الفجّة لمنطق “باك صاحبي” والزبونية التي باتت تتحكم في مفاصل التوظيف داخل العديد من الشركات والمؤسسات بالإقليم. هذا المنطق الهدّام لا يقتصر فقط على إقصاء الطاقات الواعدة وحرمانها من حقها الدستوري في الشغل بناءً على الاستحقاق، بل يمتد ليزرع مشاعر الإحباط واليأس في نفوس الشباب الذين قضوا سنوات في التحصيل العلمي، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف خارج حسابات سوق الشغل لأنهم لا يملكون “الهاتف المناسب” أو “الوساطة النافذة”.

​هذا الإقصاء الممنهج للكفاءات المحلية يعيد إلى الواجهة التساؤلات المشروعة حول دور الشركات الكبرى المستقرة بالإقليم في تنمية محيطها السوسيو-اقتصادي. فبدل أن تكون هذه الوحدات الإنتاجية صمام أمان لامتصاص البطالة وتشغيل أبناء المنطقة الذين يتحملون الأضرار البيئية والصحية للمصانع، تحولت عمليات التوظيف في كثير من الأحيان إلى صفقات مغلقة وشبكات مصالح عابرة للمدن، مما يعمق الفوارق ويغذي الشعور بالتهميش “المركب” لدى ساكنة الجديدة.

​إن التضحية بالكفاءة لحساب العلاقات الشخصية والمحسوبية لا تضر بالشباب فقط، بل تضرب في العمق تنافسية النسيج الاقتصادي المحلي؛ فالشركات التي تبنى منظومة توظيفها على “الولاءات” والوساطة بدل “المؤهلات” والقدرة على الابتكار، تحكم على نفسها بالركود وتراجع الإنتاجية في عالم لا يعترف إلا بالتميز والسرعة. ومع استمرار هذا الوضع، بات لزاماً على الجهات الوصية، من سلطات محلية ومؤسسات رقابية، تفعيل آليات حقيقية وصارمة لربط المسؤولية بالمحاسبة، وفرض الشفافية الكاملة في مباريات وعروض التشغيل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من طاقات شابة تضيع في رصيف الانتظار، ولإعادة الثقة في قيمة الشاهدة والعلم والجهد.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى