24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةمجرد رأي

الجشع و التواطؤ فمن يحمي الشعب ؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في مغرب اليوم، لم تعد الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات مجرد تقلبات اقتصادية عادية، بل تحوّلت إلى عنوان صارخ لمرحلة تُستباح فيها جيوب المواطنين بشكل ممنهج. زيادة بدرهم أو أكثر دفعة واحدة ليست مجرد رقم، بل هي قرار يثقل كاهل شعب أنهكته الغلاءات، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام اقتصاد سوق، أم أمام اقتصاد لوبيات متوحشة؟
دفتر التحملات واضح، ويُلزم شركات المحروقات بتوفير مخزون احتياطي لا يقل عن شهرين. فإذا كان هذا الشرط قائماً، فبأي منطق تُفرض زيادات فورية وبحدة صاروخية؟ أليس هذا دليلاً على غياب الشفافية؟ بل أليس مؤشراً على وجود تلاعب ممنهج في الأسعار لتحقيق أرباح فاحشة على حساب قوت المغاربة؟
لكن الأخطر من ذلك، ليس فقط في هذه الزيادات، بل في الصمت المريب الذي يلف المشهد السياسي والإعلامي. أين الأحزاب السياسية؟ أين النقابات؟ أين الجمعيات الحقوقية؟ أين الإعلام الذي يُفترض فيه أن يكون سلطة رقابية؟ لماذا لم نرَ دعوى قضائية واحدة تُرفع ضد لوبيات المحروقات؟ لماذا هذا الصمت الجماعي الذي يكاد يرقى إلى مستوى التواطؤ؟
إن هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا بكونه تعبيراً عن غياب إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد، بل أكثر من ذلك، هو دليل على أن جزءاً من هذه البنية السياسية والنقابية والإعلامية قد أصبح جزءاً من منظومة الريع والامتيازات.
والأخطر من الصمت، هو غياب الفعل القانوني.
ففي دولة المؤسسات والقانون، كان من المفروض أن تبادر الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع المدني والهيئات الحقوقية إلى اللجوء إلى القضاء، ورفع دعاوى ضد المسؤولين عن هذا الارتفاع غير المبرر، وعلى رأسهم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وكل الفاعلين في لوبيات المحروقات.
إن اللجوء إلى القضاء ليس خياراً، بل واجب وطني وأخلاقي لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، ولفتح تحقيق شفاف حول مدى احترام شركات المحروقات لدفتر التحملات، وحول شبهة الاحتكار والتواطؤ في تحديد الأسعار.
فلماذا هذا الإحجام عن سلوك المساطر القانونية؟
هل هو عجز؟ أم خوف؟ أم تواطؤ؟
أم أن هذه الهيئات فقدت استقلاليتها وأصبحت جزءاً من نفس المنظومة التي يُفترض أن تراقبها وتحاسبها؟
لقد تحولت مؤسسات الحكامة، التي كان يُفترض أن تحمي المال العام وتضمن المنافسة الشريفة، إلى مجرد واجهات شكلية، تُزيّن المشهد السياسي دون أن يكون لها أثر فعلي على أرض الواقع. إنها مؤسسات بلا روح، بلا جرأة، بلا استقلالية… مؤسسات “ديكور” في مسرحية عنوانها: الإفلات من العقاب.
وفي خضم هذا كله، تنشغل الأحزاب السياسية اليوم في سباق محموم نحو التزكيات وملء الدوائر الانتخابية، وكأن همّها الوحيد هو اقتسام الكعكة، لا الدفاع عن المواطنين. أما الشعب، فمكانه الطبيعي – في نظرهم – هو الانتظار والصبر… أو الجحيم.
لكن الله سبحانه وتعالى حذّر من الظلم وأهله، فقال:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ”
وقال أيضاً:
“إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ”
فالظلم، مهما طال، مصيره الزوال. والتاريخ مليء بنماذج الطغاة الذين ظنوا أن قوتهم دائمة، فإذا بهم عبرة لمن يعتبر.
إن ما يقع اليوم ليس مجرد أزمة أسعار، بل هو أزمة عدالة، أزمة ثقة، وأزمة دولة تُترك فيها الفئات الضعيفة فريسة للوبيات لا ترحم. وإذا استمر هذا الصمت، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الفقر، بل في فقدان الأمل.
إن اللحظة تقتضي جرأة في قول الحق، وتحمّل المسؤولية، وفتح نقاش وطني حقيقي حول من يحكم فعلاً: هل هي المؤسسات المنتخبة، أم لوبيات المال؟
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى…
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى