الحراقية فالشاكمة

بقلم أبو أيوب

    ربما هذه أول مرة أستهل فيها افتتاحية مقال بالمغربية الدارجة وهي معبرة أصدق تعبير، وهذا ما نلاحظه اليوم من مكوكيات وزير الشؤون الخارجية والعلاقات مع إفريقيا وشؤون المهجرين والمغتربين . وسائل الإنفصال الإجتماعي تشير إلى معركة أحد أو غزوة بدر ولا شيء من هذا القبيل قابل للهضم، إذ أن كل القنوات الإلكترونية تتغنى بالتحركات الديبلوماسية للوسيم .

    وزير الشؤون الخارجية وقضايا المغتربين، المغربي السيد بوريطة لم يعد يحط الرحال في المملكة إلا ليغادرها متوجها عبر المكالمات أو من خلال الزيارات في كل الإتجاهات ناشدا الدعم والمساندة، قيل لنا بتأجيل انعقاد منتدى الشراكة الإقتصادية والسياسية … مع الجانب الروسي في الوقت الذي بشرنا فيه بزيارة وزير الخارجية الأمريكي، كما قيل لنا بأن زيارة هذا الأخير السيد بومبييو تباعا ومن خلال خلفية مشاركة الرئيس ترامب في احتفاليات حلف الناتو المزمع انعقادها بلندن قبل متم الأسبوع الأول من الشهر القادم، تعتبر مؤشر دعم ومساندة وتأييد …

    ولحد الساعة، فالإمور على ما يرام لكن بإمكانية المتتبع والمراقب الإشارة إلى بعض التساؤلات : لماذا في هذا الوقت بالذات يعلن عن زيارة المسؤول الأمريكي للمغرب وفي نفس الوقت تأجيل انعقاد اللقاء المغربي الروسي ؟ وهل لهذه التطورات علاقة بما دأب و صرح به وزير الخارجية المغربي بخصوص نزاع الصحراء ؟ وما هو المرجو من الزيارة أو المتوجس من تأجيل انعقاد منتدى الشراكة مع روسيا .

    أكيد وبدون شك أن للأمرين علاقة بالمؤرق المحرق لا سيما على ضوء تسارع الأحداث في كل ما له علاقة بمعظلة الصحراء … فوزير الخارجية المغربي “طار” لشبه الجزيرة الإيبيرية للقاء نظيره الإسباني، في الوقت الذي وجهت فيه الأخيرة تحذيرات لرعاياها بتجنب السفر لمنطقة غرب إفريقيا “مالي/ تونس/ النيجر/ موريتانيا/ الجزائر/ مخيمات لحمادة …”.

    تحذيرات أتت على أبواب انعقاد المؤتمر الخامس عشر لجبهة البوليساريو المزمع انعقاده بتيفاريتي شرق الجدار . وقد يفهم منه بأن التحذيرات الإسبانية جاءت كمحاولة لتقليص أعداد المتضامنين الإسبان أو الناطقين بالإسبانية من دول أمريكا اللاتينية والجنوبية، وهو ما يمكن اعتباره اصطفافا و زيغا عن حياد من مكون أساسي لمجموعة أصدقاء الصحراء التي تضم “أمريكا/ روسيا/ فرنسا/ إسبانيا/ إنجلترا”، وبالتالي فالأمر يستوجب التوازن وهو ما سوف يستدعي فيما بعد إشراك الإتحاد الإفريقي في إيجاد تسوية ما لنزاع الصحراء .

    في هذه الأثناء وتشبيكا لخيوط الملف تطالعنا الأخبار الآتية من ألمانيا، عن استقبال المبعوث الأممي السابق المستقيل هورست كوهلر لغاندي الصحراء بحسب اللقب الذي طبعت به أميناتو حيدر، للإشارة هي اليوم تنتشي بتسلمها جائزة نوبل البديلة بسويسرا، حيث تناول المضيف والمستضافة حيثيات النزاع وسبل تسويته ومسببات استقالته من دور الوسيط، رغم ما قيل وبما فسر الأمر لا يهم لكن ألا يعتبر هذا تصويبا لاتجاه … أو لنقل بوصلة وجب الإنطلاق منها للمزمع تعيينه في منصب المبعوث الأممي ؟

    ولمزيد من الضغوط وما تشكله من عبئ على نفسية الوسيم الضاحك البشوش، زيارة المبعوت الأممي الأسبق الأمريكي كريستوفر روس لمخيمات لحمادة على رأس وفد هام غلفت الزيارة بيافطة الثقافة … بالتالي ألا يعتبر هذا نوعا من الضغط على أحد الطرفين المتنازعين ؟ وهذا أصل بداية حكاية “الحراقية فالشاكمة” أي بما معناه أن سنة 2020 هي سنة سفريات مكوكية متواصلة لرأس الديبلوماسية المغربية في مختلف الإتجاهات، وليكن الله في عون الهادئ البشوش .

    مهما يكن، مستجدات الأحداث تشير إلى تنامي مواقف المناوئين للطرح المغربي سواء على الصعيد المناطقي أي بما معناه الإقليم المجاور لبؤرة النزاع “موريتانيا/ الجزائر” ، أو على الصعيد الإفريقي بزعامة كل من جنوب إفريقيا ونيجيريا دينامو إفريقيا إضافة للمتغير في مواقف دولة ساحل العاج حليفنا التقليدي، فضلا عن المرتقب تغيره في موقف السودان من نزاع الصحراء وما له علاقة وارتباط على خلفية التصريح الأخير لرئيس الوزراء السوداني .. سواء من خلال تخصيصه لزيارته الأولى للجزائر أو من خلال التعاطف مع الخصم المسجل عليه إزاء النزاع، وهذا بالضبط بيت القصيد .

    بحسب المتتبعين هي إشارة واضحة لتشابه الإشكاليتين “جنوب السودان/ تيمور الشرقية” مع الإشكالية الصحراوية، لذا بحسب القانون التأسيسي للإتحاد الإفريقي وجب الإحتكام إلى مبدأ تقرير المصير وإجراء استفتاء الساكنة، وهذا ما يصب فيما تدعو له الأمم المتحدة وروسيا والصين علانية وإنجلترا وأمريكا وإن باحتشام تفاديا لإزعاج الحليف المغربي، وحدها فرنسا تستميت دفاعا عن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب للخروج من عنق الزجاجة .

    هذه الأخيرة “فرنسا” أصيبت بصدمة من حليفها الموريتاني عندما لم تتلق أي تجاوب يذكر من الرئيس ولد الغزواني المنتخب ديموقراطيا، حول أسئلة وجهت له من طرف مسؤول فرنسي تخص معبر الكركرات وموقف موريتانيا من إشكالية الإغلاق والحدود مع المغرب، تجاهل السؤال والصمت الموريتاني يعزوه البعض إلى تمسك الأخيرة بالقانون التأسيسي للمنظمة القارية من جهة أولى، وإلى اعترافها الصريح والمعلن بدولة الخصم من جهة ثانية، وثالثة اعترافها بأن لا حدود مشتركة لها مع المغرب وبالتالي هي غير معنية بالتساؤلات الفرنسية وهذا ما يستوجب البحث عن العنوان الصحيح .

    مسكين السيد وزير الشؤون الخارجية والمغتربين والعلاقات مع إفريقيا، فهو لا يكاد يحط الرحال من سفرة إلا ويباشر أخريات كما صرح به بالفم المليان “هم الديبلوماسية المغربية وشغلها الشاغل نزاع الصحراء”، لذا لا وقت لديه لتدارس ما بقي من اختصاصاته وعليها الإنتظار أو الإدراج في الرفوف، من قبيل مشاكل مغاربة الدياسبورا ومعاناة المهجرين ومأساة المغتربين … ، ولسان حاله يقول لا شيء يعلو فوق نزاع الصحراء .

شيء جميل أن يتم الإجماع على القضية الأولى لكن الأجمل أن تكون الجبهة الداخلية متراصة بكل مكوناتها وألوان طيفها، وإلا فكل المساعي مآلها الفشل وأكيد أن مثواها أدراج الرياح، إذ لا يعقل أن تكون هناك تعبئة شعبية يشارك فيها الجميع من زاوية تقاسم الأحزان والأشجان، بينما الحقيقة تشير إلى لوبي اغتنى على حساب القضية ريعا في رمال أو ثروات بحرية وآخر اقتنص الفرصة باسم القضية وهرب الملايير من زاوية الإستثمار في إفريقيا … والقطيع ورث إرهاصات وتداعيات القضية والأنكى أنه ممولها من ألفها ليائها عبر ضرائب ومكوس …

    اليوم الخصم يعد العدة لمستجدات تيفاريتي بعدما وزع الدعوات والمغرب كما يشاع يكتفي بالمراقبة وتتبع الأحداث، ألا يكفي هذا لتشخيص الوضع الراهن ؟ هل هو موقف قوة كما يشاع أم موقف ضعف كما يداع ؟ وهل بلغت درجة التجاسر والتآمر هذا الحد ونحن بها غير واعين ؟ أم أن المسؤول واهم والقطيع هائم وما بينهما متوهم ؟ 

    في الوقت التي أجمعت فيه الطبقة المخملية المنتفعة لوحدها من خيرات الوطن على التعبئة، تعبأت شرائح المجتمع المغربي على محاربة الفساد وطالبت بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين والمختطفين من صحافيين وحقوقيين …، تيفو الديربي وشعار الغرفة 101 وما لها من رمزية تاريخية وأخلاقية وإنسانية عبر عنها كاتبها الإنجليزي منذ أمد بعيد، وقبلها حكاية فبلادي ظلموني وما بينهما من طراك عاش الشعب وما عتم عليه وغيب، أو التف عليه من أمام مجلس حقوق الإنسان ووقفة عوائل وأسر المختطفين المعتقلين في سجون وطن مثخن بالجراح .

    في هذا الجو المشحون لا أظن أن هناك إجماع على التعبئة، دليلي في هذا ما صدحت به حناجر المت – قاعدين من صفوف الجندية أمام البرلمان ومؤسستي المصالح الإجتماعية والحسن الثاني لقدماء العسكريين …، والذاكرة لا زالت تختزن صور الهراوات تنهال على رؤوس شيوخ وكهول أفنوا زهرة شبابهم دفاعا عن تراب اقتسمه من يتشدقون اليوم بالوطنية، بينما نصيب من دافع وضحى … رفس أرجل وجراح هراوات وترهيب زرواطات .

    سيدي الوسيم البشوش، إن الدعم والمساندة والتفهم الذي تبحث عنه يوجد بالداخل المغربي وليس بالخارج، قوتنا الحقيقية جبهتنا الداخلية المفروض فيها أن تكون متراصة ومتماسكة وما أظنها كذلك طبقا لأحاديث الوقفات وتيفوات المدرجات، لذا في اعتقادى أن الزيارات المكوكية لمختلف الفاعلين الدوليين المرتبطين بالملف “تاريخيا/ أخلاقيا/ قانونيا …” سوف لن تأتي بجديد يذكر وسوف تسمع ما يرضيك ويتماشى مع مسامعك وستتبادل الإبتسامات والمصافحات أمام الكاميرات .

    لكن “عند الفورة يبان لحساب” ويكشف الوجه الحقيقي للمطرقة أبوابهم ويظهر تلكؤهم وتقاعسهم عن إبداء الدعم والمساندة … حينها سنضطر للعودة إلى تجييش الجبهة الداخلية أصل الدعم وضامن السند وسوف نتفرج على مواقف ساخرة ونتلهى بتصريحات مضحكة لا تمت للقضية بصلة، عدا غوغائية الصياح وارتجالية النباح وضبابية المواقف “المتلاوطة” المعبر عنها من بعض من قطيع جيشه الشيخ والمقدم … كما ألفنا وعهدنا .

    فهل تؤرخ السفريات المكوكية لبداية انطلاق العد العكسي لما نخافه ونخشاه ونتحاشاه ؟ أم أن الأمور على أحسن ما يرام لا يقزمها إلا عدمي تبخيسي أو موقف سياسي تيئيسي ؟ الأكيد أن الجواب الصحيح عند السيد الوسيم البشوش .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسرة مغربية تفر من جحيم تندوف وتلتحق بأرض الوطن

    الأخبار القادمة من المخيمات تحدثت يوم الإثنين، عن التحاق أسرة مكونة من 6 ...