
نبيل شيخي
————–
في زمنٍ يطغى فيه منطقُ القوة، وتُقرَع طبول الحرب، وتَلْتبِسُ المواقفُ، وتَتَزاحمُ الأصواتُ التي تسعى لتزييفَ الحقائق، وصرفِ الأنظارِ عن حقيقةِ الصراع، من واجبنا أن نَقِفْ قليلاً، ونتأملَ المشهدَ بمنطقٍ وواقعيةٍ وتجرد.
لا مجال اليوم للضبابية، ولا عذرَ لمن يخطئُ قراءةَ المشهد. الصورةُ يجب أن تكون جليّةََ لا لُبْسَ فيها؛ هناك حربٌ طاحنةْ مُدمٍرةْ تدور رحاها الآن، طرفاها واضحان: كيانٌ صه..يوني مستقوٍ بالولايات المتحدة الأمريكية، وطرفٌ آخر هو إيران.
نعم، لنا مع إيران اختلافاتٌ عميقةٌ لا شك في ذلك. قد نعارض سياساتِها في المنطقة، ونختلفُ معها في قراءاتٍ تاريخيةٍ ومذهبيةٍ تمتد لقرون. هذا واقعٌ لا نُنكره ولا يمكننا تجاهلُه. لكن، لِنَلتفِتْ إلى الجانبِ الآخر، ولْنَنْنظُرْ في وجه العدوٍ الأول.
خلافُنا مع الكيان الصه..يوني ليس خلافاً سياسياً ولا مذهبياً، بل هو صراعُ مصيرٍ وحياةٍ ووجود.
نحن أمام كيانٍ غاصبٍ متغطرسٍ، يحتل أرض فلسطين منذ ثمانين عاماً، وتاريخُه ليس سوى سلسلةٍ متصلةٍ من المجازرِ والمذابحِ في حق أمتنا.
نحن أمام كيانٍ لم يعد يَضُمُّ في أروِقةِ سياستِه صوتاً واحداً يعترف بحق الفلسطينيين في الوجود، ناهيك عن حقهم في دولة. التطرفُ لم يعد تياراً هناك، بل أصبح هويةَ الدولةِ ومُحركَها الأوحد.
نحن أمام آلةِ قتلٍ أزهقت أرواحَ أكثرَ من ثمانينَ ألفِ فلسطيني بدم بارد، في حرب إبادةٍ وتطهيرٍ عرقي، تحت غطاءٍ وحمايةٍ وتسليحٍ من راعيها الأول؛ الولايات المتحدة الأمريكية.
نحن في مواجهة كيانٍ يُخطط، فوق الدمارِ وركامِ أجسادِ أطفالِ فلسطين، لتحويلِ غزةَ إلى “ريفييرا” كبرى كمنتجعٍ سياحي وميدانٍ للاستثمار العالمي، بعد أن ينزعَ سلاحَ مقاومتِها، بتواطؤِِ مخزٍ وصمتِِ مطبق.
نحن أمامَ احتلالٍ غيَّر مؤخرا قوانينَه بجرة قلم، ليستبيح الضفةَ الغربيةَ، ويُشرعنَ لقُطعان مستوطنيه ابتلاعَ ما تبقى من أراضيها، في مسعى محمومٍ لِمحوِ الوجودِ العربي من كل شبرٍ في فلسطين.
تذكروا جيداً تلك اللحظةَ التي وقفَ فيها مجرمُ الحرب “نتن..ياهو” في الأمم المتحدة، وبكل صَلَفٍ، ليرفعَ أمام أعينِ العالمِ خريطةَ ما أسماه “الشرق الأوسط الجديد”؛ خريطةٌ تمسحُ فلسطينَ تماماً من الوجود، وتبتلعُ الضفةَ الغربيةَ وغزةَ بالكامل داخل حدود كيانه، في إلغاءٍ وقِحٍ للتاريخ والجغرافيا وإصرارٍ على عقليةِ التوسعِ والإلغاء.
وتذكروا كذلك تصريحاتِ السفير الأمريكي “هاكابي” الذي سار في ذات الاتجاه الاستعلائي، مبشراً بنفس الرؤية التوسعية. تصريحاتٌ خطيرةٌ ووقحةٌ، لم تُكلٍف واشنطن نفسَها عناءَ استدراكِها أو نفيِ حرفٍ واحدٍ منها، بل تَركَتْها تترددُ في الآفاق لتؤكد أن المخططَ واحدٌ والهدفَ مشترك.
وتذكروا سيفَ “الفيتو” الأمريكي المسلطِ باستمرارٍ على رقبة فلسطين، والذي يُشْهَرُ بوقاحةٍ في كل مرةٍ ليمنحَ هذا الكيان رخصةََ مفتوحةََ للقتل، ويوفٍر له الغطاءَ السياسي والقانوني لاستكمال الإبادة، ليثبتَ بما لا يدع مجالاً للشك أن واشنطن ليست مجردَ داعمِِ، بل شريكٌ أصيلٌ في كل المخططات، وفي كل قطرةِ دمٍ تُسفك.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: أنعتقدُ حقاً أن الهجومَ الصهيو-أمريكي على إيران هدفُه الأمنُ والسلامُ بالمنطقة؟
أنعتقدُ للحظةٍ أن طائراتهم تحلق للدفاع عن الدول العربية والإسلامية وحمايةِ مصالحِها واستقرارِها وسيادتِها الحقيقية؟
الهدفُ الحقيقي يا سادة واضحٌ وأبعدُ وأخطر:
. الهدفُ هو تحييدُ كلٍ مركزِِ من مراكزِ المقاومةِ أو الممانعةِ في المنطقة، لكي تخلوَ الساحةُ لهذا الكيان ليعيثَ في الأرض فساداً كما يشاء.
. الهدفُ هو القضاءُ على أيٍ أملٍ في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
. الهدفُ هو تعبيدُ الطريق وإزالةُ كلٍ عقبةٍ أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”.
لذلك، ورغم كل الجراحِ والخلافات، عندما تقع المواجهةُ بين هذا السرطانِ الصه..يوني المُدججِ بالحقد والسلاح الأمريكي والأطماعِ المفضوحةِ المعلنة، وبين أي طرفٍ آخر، فإن بوصلتَنا لا يمكن أن تخطئ.
موقعُنا الطبيعيُّ لا يمكن إلا أن يكون في الخندق المعادي لهذا الكيان. لأننا ندرك يقيناً، أن هذا السرطان، بمجرد انتهائه من كسرِ إيرانَ وتركيعِها، سيلتفت إلينا جميعاً، ليبدأ فصلَه الأخير: السعي للتمكينِ لإسرائيلَ الكبرى، من النيل إلى الفرات.
إزاء هذا المشهدِ البالغِ الوضوح، غيرُ مسموحِِ لنا أن نَفقِدَ البوصلة، فمن يخطئُ تحديدَ عدوٍهِ الوجوديٍ اليومَ، لن يجد غداً أرضاً يقفُ عليها ليُصحٍحَ خطأه ويعتذرَ عن سذاجتَه.





