“الحلقة” كفرجة شعبية مغربية .. لماذا حافظت على وجودها ؟ (2-2)

بقلم:  أسامة خضراوي.

“الحلقة ذاكرة حية وكتاب تاريخي لأحداث الساحة الوطنية بالمغرب”
الحلقة بين الممارسة الشعبية وتقنيات الأداء.
اختلف الباحثون في تصنيف هذا النوع من الفرجة هل هي مسرح أم شكل ما قبل مسرحي؟ لن نحاول الدخول في هذا الجدال، ما يهمنا هو دراسة الحلقة كممارسة فرجوية ثقافية حية ومنظمة.
من الصعب التأريخ لظاهرة الحلقة[1]، فهذه الظاهرة ذات الأصل الشفوي، توازنت عبر الأجيال وتكاد تنعدم أصولها المكتوبة، الأهم من هذا هو أن هذه الظاهرة لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا؛ فلماذا استطاعت الحلقة أن تحافظ على وجودها رغم التغيرات التي حدثت في المجتمع المغربي؟ وكيف نجحت هذه الممارسة في الحفاظ على جمهورها واندماجها في مختلف الأوساط، الشيء الذي لم يستطع تحقيقه المسرح المغربي حتى الآن؟
مما لا شك فيه أن ظهور الحلقة ارتبط بعوامل تاريخية واجتماعية خاصة في البداية، كانت تعقد حلقات حول المساجد وكان الراوي يحكي عن سير الرسل ومقتطفات من الحديث والسنة، يلتف الناس حوله لأخذ العبرة.
وتشير بشرى شاكر إلى أن الحلقات بلغت أوجها في العهد المرابطي، لكن، مع بداية انحلال الدولة ولأسباب سياسية اندثرت الحلقات من حول الجوامع، فاضطر الرواة إلى التجمع حول حدائق الكتبية. ارتبطت هذه المرحلة بضعف الحكام، وتراجع كبير في الاهتمام بأمور الدين واللغة حتى أصبح الحكام يبعدون من بلاطهم المثقفين ويقربون منهم الأميين والجهلة ذوي المال والسلطة. وقد بلغت درجة تردي اللغة العربية إلى حد أنهم كانوا يكتبون رسائلهم بالدارجة وفي نفس الوقت تلاشت الثقافة المدرسية “لتحل محلها ثقافة شعبية”.[2]
“الحلقة سلوك فرجوي منظم وحي، يرتبط ارتباطا وطيدا بالمخيال الشعبي المغربي، وهذا الشيء هو الذي يعطي له مصداقية واستمرارية في الأوساط الشعبية”
أصبحت الحلقة لسان الشعب، مهمتها التثقيف وإعطاء العبر والدروس في الحياة. انتشرت في الأسواق، كما ارتبطت في بعض المناطق بالمواسم وبأيام الأسبوع التي تعقد فيها السوق، (لا تزال قائمة في سوق الثلاثاء بأنزكان مثلا).
ومما ساعد على تبلور هذا الفن في مراكش، هو أنها تهيئ وسطا حكائيا متميزا فبالإضافة إلى أنها كانت عاصمة، فإنها كانت ملتقى وملجأ مختلف الأجناس، حضنت السودانيين، الصحراويين، الأندلسيين، الأوروبيين الداخلين إلى الإسلام، مما أكسبها غنى ثقافيا وفنيا. إضافة إلى السمة التي تطبع المراكشي وهي ميوله للضحك والبسط، وخفة دمه وقبوله الاختلاف، حتى بالنسبة لتخطيط المدينة فكان دائما يراعي تخصيص ساحات عمومية في الأحياء والمدينة القديمة كلها بأزقتها تأخذ شكلا حلزونيا، والحلقة اسم على مسمى تتميز بشكلها الدائري. وهي عدة أنواع سبق أن ذكرناها.[3] . 
اليوم لم يبق من “الحلايق” الاحترافية سوى أسماء قليلة نذكر منهم حلقة الراوي “باريز” وهو أصغرهم سنا، وهؤلاء المحترفون لا يأتون إلى الساحة إلا في أوقات خاصة. إما باكرا ابتداء من الساعة الثامنة، أو حول الكتبية بعد صلاة العصر، ولا يزال البعض منهم يتجول في الأسواق ويأتي مرة في كل أسبوع إلى ساحة جامع الفناء.
اعتبارا لتنوع مشاهد الحلقة، سنركز في دراستنا هذه على حلقة باريز، وسننطلق من أسئلة البحث كالتالي:
–         ما هي خصوصيات المنجز داخل الحلقة؟
–         هل حركاته مستنبطة من المعيش أم هي حركات مصطنعة؟
–         ما البعد الرمزي لهذه الممارسة؟
استراتيجيــات اللعب عند “باريـــز”[4]
في الحلقة المؤدي أو الراوي ليس إنسانا عاديا، لكنه شخص تعرض لمس من الجن ويحظى ببركة الأسياد. كما تعرض إلى ما يمكن أن نصطلح عليه “عوامل التعرية الاجتماعية” وقساوة الظروف المادية، وهو شخص له القدرة على الرؤيا. ويؤكد باريز في هذا الإطار أن هذا العمل أو الممارسة عرض عليه منذ كان طفلا وهو بذلك يحظى بحضور غيبي إلى جانبه، يقول بحد العبارة بالدارجة ان هذا الفن “معطي لو”، المؤدي إذًا صاحب علم ومعرفة غالبا ما تكون متميزة وتفوق قدرة الحضور أو المتلقي.
إضافة إلى هذا فإنه يستطيع أن يؤسس علاقة خاصة يربط فيها بين جسده وروحه، وهو يعني أن مشاهدة المؤدي والممثل ليست صورية فقط، أو مسألة إنصات وإنما جسد المؤدي يحرر مجموعة من الطاقات يلتقطها جسد المتلقي (مثلا عند مشاهدة عرض راقص نلاحظ أن أعضاء جسد بعض المتفرجين تهتز لإيقاع الرقص- أو مثال الجدبة). فالراوي إذ يستغل مجموعة من التقنيات والاستراتيجيات أو حتى المهارات والحيل لشد انتباه المتفرج. وأهم ما يميز هذا الأخير، قدرته على التذكر والارتجال والإيحاء، هدفه الرئيسي الحفاظ على انتباه المتلقي الذي هو شرط استمراره ومصدر عيشه. يحاول إثارة ضحك هذا الأخير، أو رعبه أو دهشته بحيث يجعل الكلمة فعلا حيا ومتحركا في ذهن المتلقي.[5] 
ولذلك فهو يعتمد على “امتثالية شفهية- وضعية- إيمائية- حركية ” Chaine verbo-posturo- mimo- gestuelle”، والمؤدي بتعامله مع هذه العناصر يصبح مخرجا يقسم دوره إلى أجزاء.
اللبـــاس: ليس له علاقة مباشرة بالمحكي. هو لباس مغربي متداول في الأوساط الشعبية التقليدية: جلابية بيضاء، عمامة وبلغة صفراء، والجديد هو سيف من نحاس أو عصا، عندما تتوتر الوضعية الدرامية في الرواية يقسم تلك العصا إلى شقين ويأخذ يحلق في الجمهور حيث يشوب الصمت والانتظار.
العيـــون: عيون مكحلة، ونظرة حادة تنتقل من الترهيب إلى محاولة إثارة الضحك، ثم التعجب والتأمل.
وضعيــة الجســم: يحاول دائما الحفاظ على تمركز عمودي، فباريز مثلا لم يسبق له أن جلس أرضا عندما يروي في نفس الوقت، معظم المتفرجين المحيطين واقفون باستثناء الصفوف الأمامية. والمؤدي بفضل الشكل الدائري يستطيع أن يهيمن على كل الحضور ويوزع نظراته كيف ما يشاء.
الموقف والتنقـــلات: كل حركات المؤدي هي حركات مقننة، طقوسية وشعائرية، فالإنسان المتوسطي يتميز بمرافقة الكلمة بحركات سريعة ومتعددة، كذلك المؤدي في الحلقة يحرك كثيرا يديه، رأسه وخصوصا عينيه، وبالمقابل فإنه يقوم باقتصاد في تنقلاته، أي أنه لا يغير مكانه كثيرا وقد يتقدم بخطوتين أو ثلاث أو قد يتراجع.[6]
الصــوت: الصوت كتعبير جسدي هو أهم ما يرتكز عليه الراوي- المؤدي، قد نفسر ذلك بأن ثقافتنا ثقافة شفوية والناس تعودوا على الإنصات أكثر من المشاهدة.
يتميز حديث المؤدي بسرعة الكلام وميوله إلى التبسيط، وهو عموما ما يميز لهجتنا الدارجة المنطوقة (كتعويض بعض الحروف بأخرى)، ولغة باريز لها مقاييس خاصة بحكم انتمائه إلى وسط شعبي. كما أنها تحمل اللكنة التي تميز منطقة مراكش.
وتختلف نبرات صوته بين كلمة لطيفة يرافقها صوت معبر إلى نبرة صوت، يصعد، تتبعها وقفة تعلن عن نهاية مؤقتة، يعم بعد ذلك الصمت والسؤال. يستغل المؤدي هذا الوقت لجمع الصدقات من الحضور، ثم ينتقل من همس اللام إلى شراسة في الإلقاء ثم يتدارك كلمة مضحكة أو مثيرة للتعجب. فالصوت يوحي والمتفرج ينغمس في عالم الحكاية.[7]
الحركـــة: نتحدث هنا عن حركات اليد، وحركات الميم (وهي قليلة) وحركة الشفتين والعينين والرأس، ما يميز هذه الحركات هو الاقتصاد، أي ما يخدم الحلقة من حركات دون زيادة أو نقصان.
الجســـد: غالبا عندما نتحدث عن الجسد نطرح سؤال مدى علاقة جسد المؤدي بوضعية جسده العادي قبل أن يصبح ممثلا في الحلقة؟ في هذا الإطار يميز باربا بين “الجسد اليومي” Corps quotidien و “الجسد خارج- اليومي” Corps extra- quotidien.
جسد الراوي- المنجز جسد مستنبط من الثقافة التي ينتمي إليها، كل حركاته مقننة وقد تصبح مبالغًا فيها (كحركة العينين أحيانا)، وهي حركات مدروسة أي ليست اعتباطية، وهكذا فالمؤدي يلجأ إلى أشكال عدة من التفكير ليشد انتباه المتفرج فيدخل العضوي في المتخيل، وعلى حد تعبير Pradier فإن هذا الأخير يوظف “بيولوجيا المتخيل”biologie de l’imaginaire” أو “Physique de l’imaginaire” “Bios” هنا بمعنى الحياة و “logos” هنا بمعنى الحياة و “logos” بمعنى التنظيم، اللعب يحافظ على طابع بسيط حركيا مدروسا لصنع شخصية الراوي.[8]

مراسيـم الحلقـــة وأبعــادها
يفتتح الراوي – المؤدي حلقته برسم دائري رمزي يهمس بمجموع من التلاوات يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك يبارك المكان برشات الماء وأدعية لأولياء المدينة تجمع باسمهم الصدقات، وهو دعاء للشيخ أبي العباس السبتي سيد أسياد المدينة.
                    بجاه رايس الرياس
                   عليه الناس تنده من كل أجناس
                   عساس البهجة الحمراء
                   أمفاجي الضيم مول القبة الخضراء
                   الشيخ سيدي بلعبــاس
                   حاط رجل على رجــل
                   ما يتهنى حتى يتعشـى
                   الدخلانــي والبرانــي
بعد الانتهاء من افتتاح الحلقة، يشرع الراوي في سرد حكاية شعبية ألفت بالدراجة، أنتجت داخلة بيئة مغربية، أو مستمدة من قصص دينية (قصة يوسف مثلا) أو (قصص ألف ليلة وليلة) أو حلقات السير (العنترية- الأزلية- الهلالية..) وغالبا ما يخلط بين هذه القصص ودون أن يعي المتلقي بذلك.
لا يهمنا الآن ما تحتويه هذه الحكايات من ثيمات وموضوعات، بقدر ما يهمنا أن نتحدث عن البعد الأنثروبو- ثقافي والإثنوسينولوجي لهذه الممارسة، وتشير الباحثة بشرى شاكر في مقالها: “نحو مقاربة إثنوسينولوجيا للحلقة”، إلى أن الراوي ليس إنسانا عاديا وإنما هو “إنسان مسار” (أي مطلع على سر) initie وخبير بعالم الغيبيات، وما طقس الافتتاح هذا إلا مرحلة تمهيدية للدخول إلى العالم الآخر، مهمته إذًا مهمة مسارية، هنا تتضح علاقة الممارسة بالمعتقدات الدينية وبالمقدس. فما هي أبعاد عملية الرش بالماء؟ وماذا عن استحضار الأسياد وطلب البركة.[9]
البعد الرمـزي- القدســي للممارســة
نتطرق لهذا الموضوع انطلاقا من ثلاث نقط:
1-   رسم الدائرة.
2-   الرش بالماء
3-   الدعاء للأسياد
ورد في لسان العرب: “الحلقة (بسكون اللام)، كل شيء استدار كحلقة الحديد والفضة والذهب، وكذلك هو في الناس (أي) الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب[10].” ويقول ابن الأعرابي “هم كالحلقة (هنا بفتح اللام) لا يدري أيها طرفها. يضرب مثلا للقوم إذ كانوا مجتمعين مؤتلفين كلمتهم وأيديهم واحدة لا يطمع عدوهم ولا ينال منهم”.
وفي قاموس الرموز: “من أهم ما ترمز إليه الدائرة انعدام التفرقة والتمييز، الشكل الدائري ليست له بداية ولا نهاية ولا يقبل الانحرافات[11].” كلما ابتعدنا عن المركز تتعدد الأجزاء وتنقسم وعكس ذلك، في وسط الدائرة تلتقي كل الإشاعات في إطار مركزي وموحد في النقطة المركزية التي تنطلق منها كل الخطوط المستقيمة، وكلما اقتربنا من المركز يزداد الانسجام والتوحد والعكس صحيح.
انطلاقا من هذا المفهوم يتضح البعد السوسيولوجي للحلقة فهي تجمع الناس رغم اختلاف انتماءاتهم.
وشكل الدائرة شكل ورمز متجذر في المخيال العربي الإسلامي، فبمجرد مشاهدتنا لأشكال العمران، أو لتخطيط المدن العتيقة كفاس ومراكش يتضح لنا كيف أن هذه المدن تأخذ شكلا حلزونيا ينطلق من المركز الذي غالبا ما كان يبنى فيه المسجد، يحوم حوله مجموع المباني. “والابتعاد عن المركز يعكس المستوى المعيشي للساكنة إذ كان يقطن قرب المركز المترفون وذوو المال والجاه في الوقت الذي كان فيه الضعفاء يتمركزون على الهوامش، هكذا فإن الحلقة تميز أكثر من غيرها المخيال العربي الإسلامي، فسطوح المنازل تأخذ شكلا دائريا وحتى الدواوير، فكلمة “دوار” من دائرة وهكذا فالدائرة تتجذر في الشكل العمراني العربي المغربي الذي ليس إلا انعكاسا للمخيل الاجتماعي.”[12]
انطلاقا من مختلف هذه التعريفات للأبعاد الرمزية للشكل الدائري، يتضح أن رسم دائرة فوق الأرض ليس اعتباطيًا وإنما هو رسم معقلن له أهداف روحية وغيبية، فالحلايقي عندما يرسم دائرته يغدو من المحرمات اختراقها أو تجاوز حدودها.
الرش بالماء:
الماء أصل الحياة، ونعمة من نعم الله، يرمز إلى النقاء والصفاء والتطهير، هو أيضا رمز الخصوبة، رمز الحكمة، ورمز الكلام.
يقول Malek chebel [13] إن المتخيل المرتبط بالماء له علاقة وطيدة بفكرة التطهر. فالطهارة نصف الإيمان والله لا يقبل دعاء ولا تقرب من ليس على طهارة، وهي من أهم مراسيم الصلاة ولها دور كبير في إعداد الشخص وتحضيره لدخول عالم المقدس.
من هنا يتضح لنا البعد “المساري” initiatique للماء، فالماء ضروري كمرحلة افتتاحية لدخول المقدس، وقد نذهب بعيدا أو نقارن الرش بالماء بما يحدث عند زيارة الولي أو الدخول إلى “الزاوية”، حيث يقوم معظم الزائرون بتقديم قربان لأهل المكان، غالبا ما يكون أضحية تذبح في عتبة الباب وترش بها الأرض وجدران المبنى (نفس العادة لا يزال يتبعها البعض وهي رش جدران البيت الجديد بدم ذبيحة).[14]
إذًا فرش الأرض بالماء يكتسي قيمة “مسارية” عند “الحلايقي” للدخول إلى العالم الآخر، العالم الذي لا يحده الزمان ولا المكان. في نفس الوقت يهيئ المتفرج إلى نفس الدخول. وعملية الرش بالماء ترافقها أدعية واحتضار للغيب. فما هي أبعاد ذلك؟
الدعاء باسم الأسياد:
في التراث العربي، الطقوس السحرية الشفوية لا تقل أهمية عن الممارسات اليدوية لكلمة قدرة سحرية كبيرة، هذه القدرة هي التي يبحث عنها المنجز في عملات التعزيم، أو الدعاء باسم الأولياء.
“بجاه راياس (…) لمفاجي الضيم، مولا قبة خضراء، الشيخ سيدي بلعباس”.
نلاحظ في معظم التعازيم والأدعية قافية متقنة، معظم الكلمات تتشابه ولا يختلف فيها إلا حرف من الحروف ولهذا النوع من الدعاء القدرة على تحقيق المراد، فاسم الولي نفسه يحمل هذه القوة السحرية.[15]
“الفرجة الشعبية لها جمهورها الذي يؤثر في شكلها وطقوسها وعاداتها وأعرافها، وتعتبر الحلقة نمطًا من أنماط الأدب الشعبي، تتنوع بتنوع مواضيعه واختلاف جمهوره”
والدعاء باسم الولي “كسيدي بلعباس” أو “الأولياء سبعة رجال” في مراكش منغمس ومتجذر في المجتمع المغربي، قد يطلق البعض على هذه الظاهرة اسم “التدين الشعبي”، ما يهمنا هو أنها جوهر وأساس المعتقدات والممارسات الشعبية. والشيخ وليا كان أم إماما، أم حتى فقيها في المدرسة القرآنية الشعبية، هو ضامن استمرارية مجموع هذه الممارسات. فالولي يرمز إلى العلم، والمعرفة، والحكمة، يعرف أمور الدين وأمور الدنيا، زيارته ضرورية للمشاورة في كل الأمور اليومية كمن يدعي فتح مشروع- من يريد الزواج- من يريد الحرث الخ. الولي إذًا هو الأمل وكل ولي تقام له زيارة، ولكل زاوية مراسيم وطقوس خاصة بها يفيد إليها الناس لنيل “البركة”.[16]
والحلايقي نفسه ليس إنسانا عاديا بل هو إنسان مسار يحظى ببركة الأسياد والأولياء لذا عليه احترامهم، وذكرهم في أي ممارساته وبالمقابل يحظى بثقة الحضور، بإنصاتهم واحترامهم.هكذا إذًا الحلقة سلوك فرجوي منظم وحي، يرتبط ارتباطا وطيدا بالمخيال الشعبي المغربي، وهذا الشيء هو الذي يعطي له مصداقية واستمرارية في الأوساط الشعبية، والراوي المنجز بطل الحلقة، ومخرجها أيضا، يوظف مجموعة من الاستراتيجيات وتقنيات الأداء يعتمد فيها على معرفته المسبقة بجمهوره وبأفق انتظاره، مما يجعل هذا الأخير يستغل كل مهاراته لكسب رضا الحضور، إذًا هناك مخيال غني مشبع بثقافة شفوية حية، تتعرض للإخراج ولإعادة الانتاج، فتصبح بذلك فنا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن المتخيل كما يقول جيلبير دوران هو البناء الرمزي للذهن، أي أن الجمهور/المتلقي، يستحضر في ذهنه كل الذكريات والترسبات التي أحدثتها زلازل الماضي وبقيت مترسخة في الذاكرة الشعبية.
محاولة للختم:
نستشف من ثنايا هذه الدراسة أن الفرجة الشعبية لها جمهورها الذي يؤثر في شكلها وطقوسها وعاداتها وأعرافها، وتعتبر الحلقة نمطًا من أنماط الأدب الشعبي، تتنوع بتنوع مواضيعه واختلاف جمهوره، المدمن عليه لأنه يعتبرها ضالته الوحيدة في التفريج عن همومه اليومية في واقعه المعيش، من خلال سرديات وحكائيات تعتبر أنيسته الوحيدة في عالمه الخاص.
الحلقة شاهد عيان على حقبة تاريخية، مرت من مخاض عسير من خلال الأزمات التاريخية التي تمخض عنها مولود ناطق من يومه الأول، المتمثل في شخص الحكواتي (الحلايقي) الذي امتلك قدرات خارقة في استمالة جمهور معين، بعبارات مستنبطة من واقعه المرير الذي يحتم عليه تحدي العقبات من أجل استشراف مستقبل جيد للأجيال، من خلال ربطهم بماضيهم الذي يشكل هويتهم وثقافتهم، لأن من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل لديه. والحلقة ذاكرة حية وكتاب تاريخي لأحداث عاشتها الساحات الوطنية في المغرب.
*باحث في الأدب تخصص: الإثنوغرافيا والموروث الثقافي، جامعة محمد الخامس ـ الرباط/المغرب.
هوامش: 
[1]  بشرى شاكر، نحو مقاربة إثنوسينولوجيا للحلقة، الفرجة بين المسرح والأنثروبولوجيا، مرجع سابق، ص 144، بتصرف
[2]  نفسه، ص 145
[3]-  نفسه، ص 145، بتصرف
[4] محمد باريز أحد أشهر الحكواتيين المغاربة، الذين عرفتهم ساحة جامع الفناء: شيخ حلقة، أسمر اللون ولد سنة 1959 بمراكش، سمي بباريز إحالة على العاصمة الفرنسية، احترف مهنة الحكي سنة 1969 
[5] – بشرى شاكر، مرجع سابق، ص 146، بتصرف
[6] – نفسه، ص 146، بتصرف
[7] – نفسه، ص 147.
[8] – نفسه، ص 148، بتصرف
[9] – نفسه، ص 149.
[10]  ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، ج10، ص، 61 ــــــ 62.
[11]  Dictionnaire des symboles,j.chevalier et alain cheerbant, robert laffont/jupiter 1982,pp_ :191-195
[12] –  بشرى شاكر، مرجع سابق، ص 150.
[13] -imaginaire arabe musulman, collection scociologie d’aujourd’hui, Malek Chebel. P.U.F, 1993, P : 129
[14] –  بشرى شاكر، مرجع سابق، ص 151. بتصرف.
[15]- Edmond poulte, magie et religion dans l’afrique du nord, j- Maisonneuve et P. Geuthenr, paris, 1994, pp : 103-104.
[16] –  بشرى شاكر، مرجع سابق، ص 152. بتصرف.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

رامي عياش يوجه رسالة شكر للملك محمد السادس لهذه الأسباب

رامي عياش يوجه رسالة شكر للملك محمد السادس لهذه الأسباب