الحياد الإعلامي… بين المهنية ومحاسبة الضمير

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتصارع فيه الروايات، يطرح سؤال الحياد في الإعلام نفسه بإلحاح شديد: هل الحياد في الإعلام فضيلة مطلقة أم موقف مشروط؟
لطالما جرى تمجيد الحياد باعتباره أحد أسمى مبادئ الممارسة الصحفية، وشارةً تدلّ على النزاهة والمهنية والموضوعية. فالحياد، في ظاهره، هو ألا تميل لجهة على حساب أخرى، وألا تكون صوتًا لطرف دون سواه. هو أن تقف في منتصف الطريق، تراقب وتسجل وتنقل، دون أن تتورط في الانحياز أو التأييد أو حتى الشجب.
ولكن، هل هذه النظرة للحياد صالحة في كل الظروف؟ أم أن هناك لحظات يصبح فيها الحياد تواطؤًا صامتًا؟ بل هل هناك سياقات تاريخية وإنسانية يصبح فيها الحياد خيانةً للأمانة الأخلاقية التي يفترض أن يحملها الإعلامي قبل أن يحمل الكاميرا أو القلم؟
أن نقول إن الإعلام دوره يقتصر على “نقل الأخبار وإطلاع الناس” فقط، هو تبسيط يُفرغ الصحافة من دورها الأعمق: التأثير، التنوير، والدفاع عن العدالة. فالحياد في هذه الحالة لا يكون فضيلة، بل قد يتحول إلى موقف رمادي لا يليق بقضايا واضحة المعالم، ولا بتجاوزات صارخة تتطلب موقفًا لا مراوغة.
تخيل مثلًا، أن تكون صحفيًا في لحظة إنسانية جارحة: انتهاك صارخ لحقوق الناس، عدوان ظالم على الأبرياء، أو مجازر موثقة لا تحتمل روايتين… هل يقبل ضميرك المهني أن تقول: “أنا محايد”؟ ألا يصبح الحياد هنا شكلًا من أشكال الانفصال الأخلاقي عن الواقع؟
حين نرى إعلامًا يتباهى بالحياد، بينما يعجز عن نصرة المظلوم، أو يتوارى حين تُنتهك الحقوق، أو يصمت حين تُسفك الدماء، فإننا لا نكون أمام “حياد شريف”، بل أمام هروب من المسؤولية. والأدهى من ذلك، حين تختبئ بعض المؤسسات الإعلامية خلف شعار الحياد لتبرير الانحياز الصامت لصوت الأقوى، أو التماهي مع رواية المستبد، أو الانبهار بحضارة الغازي، بينما يتجاهلون رواية الضحية.
في المقابل، لا يمكن أن ننكر أن الحياد المهني مطلوب في بعض الحالات. الحياد الذي يُعلي من صوت التحقق من الخبر والابتعاد عن التهويل، ويضمن التوازن في التغطية دون تشويه، هو حياد نابع من النزاهة لا اللاموقف. هو ذلك الحياد الذي يُمارس بدقة وجسارة، دون أن ينحاز لسلطة، أو يُجامل سلعة، أو يبرر جريمة
من اللافت أن كثيرًا من وسائل الإعلام الغربية التي تُقدّم نفسها كـ”نموذج موضوعي“، تتخلى عن حيادها عند الاقتضاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمصالح القومية أو السياسية. نراها تنحاز علنًا، وتُسخّر أقلامها ومنصاتها لخدمة قضية ما أو تأييد تدخل ما، دون حرج. وهنا يكمن التناقض الصارخ: حين يتعلق الأمر بهم، فالموقف “تحليل ودفاع”، وحين يتعلق بغيرهم، فالحياد هو “المعيار الذهبي“
فجريدتنا هاته ملتزمة بالحياد، وهذا أمر محمود، لكنّ الحياد الذي لا يُساء فهمه ولا يُستعمل درعًا لتمييع القضايا، هو الحياد الذي يُشهر الحقيقة في وجه الكذب، والعدالة في وجه التزييف، والصوت المقهور في وجه طغيان البروباغندا.
ليس الحياد الإعلامي دائمًا فضيلة، وليس الانحياز دائمًا رذيلة. فالمعيار الأخلاقي والمجتمعي هو ما يحدد.
الحياد فضيلة حين يكون في خدمة الحقيقة والعدالة، ويصبح نقيض ذلك حين يؤدي إلى طمس الحق أو تبرئة الباطل.
الإعلامي النزيه ليس من يقف صامتًا في وجه القهر، بل من يرفع صوته حين يصمت الآخرون، وينحاز للإنسان حين تُسحق الكرامة.
فليس المطلوب أن نكون محايدين دائمًا، بل أن نكون عادلين دائمًا.





