الدجاج يفضح لوبيات المضاربة والمغاربة بين هدنة الأسعار وخطر الانفجار القادم

بعد شهور من الاستنزاف اليومي لجيوب المغاربة، سقط القناع أخيرا عن حقيقة ظلت تُخفى خلف مبررات “السوق” و”ارتفاع التكاليف”. التراجع المفاجئ في أسعار الدجاج لم يكن معجزة اقتصادية، بل فضح بوضوح حجم المضاربة والجشع الذي حوّل قوت المواطنين إلى وسيلة للإثراء السريع على حساب معاناة الأسر المغربية.
ففي وقت تجاوز فيه سعر الدجاج داخل الضيعات 17 درهما للكيلوغرام، ولامست الأسعار في الأسواق مستويات أثارت الغضب الشعبي، انهارت الأثمان فجأة إلى ما بين 10.50 و13 درهما، لينخفض سعر البيع للمستهلك إلى أقل من 20 درهما في عدة مدن. هذا التراجع السريع يطرح سؤالا خطيرا: إذا كان الانخفاض ممكنا اليوم، فمن كان يلتهم جيوب المغاربة بالأمس؟
الواقع يؤكد أن السوق تُركت لفترة طويلة في قبضة المضاربين والسماسرة، يتحكمون في الأسعار كما يشاؤون، وسط غياب رقابة حقيقية قادرة على حماية القدرة الشرائية للمواطنين. ومع كل موجة غلاء، كان المستهلك الحلقة الأضعف، يدفع الثمن كاملا بينما تتضخم أرباح الوسطاء بلا حسيب ولا رقيب.
صحيح أن وفرة الإنتاج وتراجع الطلب مع اقتراب عيد الأضحى ساهما في هذا الانفراج، لكن ذلك لا يمحو آثار أشهر من الفوضى والاحتكار المقنع الذي أثقل كاهل الأسر، خصوصا مع استمرار ارتفاع أسعار باقي المواد الأساسية.
وفي الجهة الأخرى، يعيش مربو الدواجن الصغار وضعا مقلقا يهدد مستقبل القطاع بأكمله. فتكاليف الأعلاف والطاقة والنقل تواصل الارتفاع، بينما تتآكل هوامش الربح بشكل خطير، ما يدفع العديد منهم نحو الإفلاس أو مغادرة المهنة نهائيا. وهنا تكمن المفارقة الصادمة: المواطن يئن من الغلاء، والمربي يختنق بالخسائر، بينما المستفيد الأكبر يبقى المضارب الذي يتحكم في السوق من الخلف.
حتى أسعار البيض التي عادت إلى حدود درهم واحد للبيضة، لا تعني أن الأزمة انتهت، بل تكشف فقط أن الأسواق منحت المغاربة هدنة قصيرة قد تنتهي في أي لحظة. فغياب ضبط حقيقي للسوق، واستمرار التبعية لأسعار الأعلاف العالمية، وتقلبات المناخ والطلب، كلها عوامل تنذر بعودة موجة غلاء جديدة قد تكون أشد قسوة.
المغاربة اليوم لا يحتاجون إلى انخفاض مؤقت في الأسعار، بل إلى قرارات حازمة تكسر احتكار المضاربين، وتحمي المستهلك والمربي معا، قبل أن يتحول هذا القطاع الحيوي إلى قنبلة اجتماعية واقتصادية مفتوحة.





