الدروش :حين تعود الأموال المنهوبة. أيُّ مغربٍ نريد أن نبنيه؟ 1 رمضان

بقلم: عزيز الدروش
في أول أيام شهر رمضان المبارك، شهر التوبة والمراجعة والمصارحة مع النفس، لنفترض—افتراضًا أخلاقيًا وسياسيًا جريئًا—أن جميع السياسيين والنقابيين والإعلاميين والتقنوقراط الذين باعوا الأوهام ونهبوا المال العام واستغلوا السلطة خلال العقود الثلاثة الماضية، قد تابوا توبة نصوحًا، واعترفوا بأخطائهم، وأعادوا كل ما اغتنموه بغير حق إلى خزينة الدولة.
ماذا سنفعل حينها بهذه الثروة المسترجعة؟
وأي مشروع وطني سنبنيه بها؟
وهل نملك الجرأة الفكرية والسياسية والأخلاقية لتحويلها من غنيمة منهوبة إلى رافعة للتحرر والتنمية؟
أولًا: البعد السياسي من دولة الامتياز إلى دولة الحق
استرجاع الأموال المنهوبة ليس مجرد إجراء مالي، بل هو تحول جذري في طبيعة الدولة.
إنه انتقال من:
دولة الريع والامتيازات
إلى دولة القانون والمؤسسات
من حكم العلاقات
إلى حكم المساءلة
حين تعود الأموال، فهذا يعني سقوط منطق الإفلات من العقاب، ونهاية ثقافة عفا الله عما سلف، و تفعيل الدستور
وبداية عهد جديد عنوانه: ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمال العام ليس ملكًا للنخبة، ولا هبة من الحاكم، بل هو ملك للشعب و الى الشعب. وكل درهم يُنهب هو اعتداء مباشر على مستقبل الوطن.
ثانيًا: البعد الاقتصادي الاستثمار في الإنسان أولًا
المشكلة في المغرب لم تكن يومًا في غياب المال فقط، بل في سوء تدبيره وتوجيهه.
فلو استُرجعت الثروات المنهوبة، وجب توجيهها إلى الأولويات الحقيقية:
1. تعليم عمومي موحَّد وقوي وديمقراطي
مدرسة واحدة للجميع
مناهج حديثة
أساتذة مكرَّمون
تجهيزات محترمة
لأن التعليم هو السلاح الأول ضد الجهل والفساد والتبعية.
2. صحة تحفظ الكرامة
مستشفيات مجهزة
أطر محفَّزة
علاج مجاني للفقراء
قطيعة مع طبقية العلاج
فلا يعقل أن يموت المواطن في طوابير المستشفيات، بينما أمواله تُهرَّب إلى الخارج.
3. سكن لائق للجميع
محاربة مدن الصفيح
وقف المضاربات العقارية
دعم السكن الاجتماعي الحقيقي
السكن حق إنساني، لا ورقة انتخابية.
4. اقتصاد منتج لا ريعي
تقييم المخطط المغرب الأخضر و استرجاع الأموال المنهوبة.
دعم الفلاحة الصغيرة
تشجيع الصناعة الوطنية
تمويل الشباب
محاربة الاحتكار
حتى لا يبقى الوطن مجرد سوق للاستهلاك.
ثالثًا: البعد الاجتماعي استرجاع الثقة المهدورة
أخطر ما دمره الفساد ليس المال فقط، بل الثقة.
ثقة المواطن في الدولة
في السياسة
في الانتخابات
في العدالة
واسترجاع الأموال يجب أن يكون بداية مصالحة حقيقية، قائمة على الصدق والشفافية والاعتراف بالأخطاء، لا على الشعارات الفارغة.
رابعًا: البعد الحقوقي. الحرية شرط التنمية
لا تنمية بدون حرية.
ولا كرامة بدون حق في التعبير.
جزء من الأموال المسترجعة يجب أن يوجَّه إلى:
إصلاح منظومة العدالة
حماية الصحافة الحرة
دعم المجتمع المدني
ضمان الحق في الاحتجاج السلمي
فالوطن الذي يخاف فيه المواطن من الكلام، وطن مريض مهما بلغت ميزانيته.
خامسًا: البعد الديني
التوبة ليست شعارًا
في الإسلام، التوبة لا تكتمل إلا برد الحقوق.
قال رسول الله ﷺ:
من كانت له مظلمة لأخيه من عرض أو مال، فليتحلله منه اليوم.
فالمال المنهوب لا يُغسله الحج ولا الصدقات ولا الخطب، بل إرجاعه إلى أصحابه.
ورمضان ليس موسم تبييض الذنوب السياسية، بل موسم الصدق مع الله والشعب.
سادسًا: البعد الأكاديمي. نحو نموذج تنموي جديد في خدمة الشعب و الوطن.
من منظور علم السياسة والتنمية، يجب أن يندرج استرجاع الأموال ضمن:
استراتيجية وطنية واضحة
مؤشرات قياس
رقابة مستقلة
تقارير علنية
وإحداث صندوق وطني للتنمية الاجتماعية، يُدار بشفافية، وتحت رقابة برلمانية وقضائية ومجتمعية.
حتى لا تتحول أموال التوبة إلى ريع جديد.
خاتمة: التوبة السياسية. بداية الوطن لا نهايته
لو تاب الفاسدون حقًا، وأعادوا الأموال، فلن يكون ذلك نهاية المعركة، بل بدايتها.
بداية:
معركة بناء دولة عادلة
معركة تحرير السياسة من المال
معركة استرجاع الأخلاق في الحكم
الوطن لا يحتاج إلى ملائكة، بل إلى:
مسؤولين يخافون الحساب
مؤسسات لا تُشترى
شعب واعٍ بحقوقه
رمضان يذكّرنا بأن الإصلاح يبدأ من الضمير، لكنه لا يكتمل إلا في الواقع.
فهل نملك الشجاعة لتحويل التوبة إلى مشروع وطني؟
أم سنبقى أسرى الوعود؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.
عزيز الدروش
محلل وفاعل سياسي





