الدروش : رمضان والرداءة الممنهجة: الأحزاب السياسية ومسؤولية تخريب الذوق العام للمواطنين

بقلم عزيز الدروش
مع حلول شهر رمضان من كل سنة، يتجدد النقاش حول برامج التلفزة المغربية، وخاصة قنوات القطب العمومي، التي ظلت تراوح مكانها لعقود: نفس الوجوه، نفس الوصفات، نفس السطحية، ونفس الاستخفاف بعقول المغاربة. وكأن الزمن الإعلامي في المغرب متوقف منذ سنوات طويلة، لا تجديد في الشكل ولا ارتقاء في المضمون.
لكن السؤال الجوهري ليس فنياً ولا تقنياً. السؤال سياسي بامتياز.
إذا عدنا إلى مرحلة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، من حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمان اليوسفي، مروراً بحراك حركة 20 فبراير، وصولاً إلى حكومات ما بعد دستور 2011 بقيادة عبد الإله بنكيران، ثم سعد الدين العثماني، وصولاً إلى الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش، نجد أن أكثر من سبعة وزراء تعاقبوا على قطاع الاتصال، ومن مشارب حزبية مختلفة.
لكن النتيجة واحدة:
رداءة مزمنة، تكرار ممل، إنتاج سطحي، وهدر للمال العام.
ما الذي تغير إذن؟
الأحزاب تغيرت في المواقع. لكن العقليات لم تتغير.
القاسم المشترك: فشل حزبي جماعي
المشكل لم يكن يوماً في تقنيي التلفزة ولا في الممثلين ولا في المخرجين، بل في الإرادة السياسية الغائبة. فالإعلام العمومي هو مرآة التوجه السياسي للدولة، وعندما يغيب القرار الإصلاحي الحقيقي، يصبح الإعلام أداة لتكريس التفاهة بدل صناعة الوعي.
منذ 1998 إلى اليوم، تداولت الأحزاب على تدبير القطاع، من الاتحاد الاشتراكي و التقدم والاشتراكية و الحركة الشعبية ثم العدالة والتنمية إلى التجمع الوطني للأحرار، مروراً بحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. ومع ذلك، بقي المنتوج الرمضاني عنواناً للسطحية، والاستخفاف بالمواطن، وتغييب القضايا الحقيقية للمجتمع.
إن تمييع الذوق العام ليس صدفة.
وتكرار الرداءة ليس خطأ تقنياً.
بل هو انعكاس لأزمة سياسية عميقة.
دستور 2011… والرهان الضائع
جاء دستور 2011 في سياق سياسي خاص، بعد حراك شعبي طالب بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. وكان من المفترض أن يشكل لحظة تأسيسية لبناء دولة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس استقلالية القرار الثقافي والإعلامي.
لكن ماذا حدث؟
الأحزاب التي تصدرت المشهد بعد 2011 لم تمتلك الجرأة السياسية ولا الرؤية الفكرية لتنزيل روح الدستور. اكتفت بالشعارات، واندمجت في منطق التدبير المحافظ على الوضع القائم. وتحول الإعلام العمومي إلى مساحة آمنة لإعادة إنتاج نفس الرداءة، بعيداً عن النقاش الجدي حول الهوية والثقافة والعدالة الاجتماعية.
إن الحكومة الحالية، مثل سابقاتها، تتحمل مسؤولية سياسية مباشرة عن استمرار هذا الوضع، لأنها جاءت في سياق مختلف، وكان بإمكانها أن تؤسس لقطيعة حقيقية. لكنها اختارت الاستمرارية بدل الإصلاح، والتكيف بدل التغيير.
لماذا لا يتغير المشهد؟
لأن أزمة الإعلام ليست معزولة عن أزمة الأحزاب.
أحزاب ينخرها الصراع على المواقع، وتغيب عنها الديمقراطية الداخلية، وتعاني من ضعف التأطير الفكري والسياسي، لا يمكن أن تنتج إعلاماً يعلي من قيمة الوعي والنقد والتفكير الحر. بل بالعكس، مصلحتها الضمنية أن يبقى المشهد الثقافي سطحياً، وأن ينشغل المواطن بالفرجة السهلة بدل مساءلة السياسات العمومية.
عندما يتراجع المستوى الثقافي والمعرفي، يسهل التحكم في المجال السياسي.
وعندما يغيب الوعي، يضعف الحساب.
وهنا تكمن الخطورة:
الاستمرار في هذا النهج يراكم الاحتقان الاجتماعي، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويهدد الاستقرار على المدى البعيد. فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تقبل إلى ما لا نهاية أن يُستخف بعقولها وكرامتها.
الخلاصة السياسية
من المستحيل بناء دولة قوية وديمقراطية بمؤسسات وأحزاب ينخرها الفساد السياسي، وضعف الرؤية، وغياب الجرأة الأخلاقية.
ومن المستحيل الحديث عن تنمية حقيقية في ظل إعلام عمومي لا يواكب تطلعات الشباب، ولا يعكس عمق المجتمع المغربي وتنوعه وغناه الحضاري.
المشكل أعمق من برنامج رمضاني رديء.
المشكل سياسي بامتياز.
وإلى أن تتحمل الأحزاب مسؤوليتها التاريخية، وتقطع مع منطق الزبونية والمحسوبية، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، سيظل المشاهد المغربي كل رمضان أمام نفس السؤال:
من يحاسب من؟
وكل رمضان والمغاربة بين أمل الإصلاح وواقع الرداءة . إلى حين.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.
عزيز الدروش
محلل و فاعل سياسي





