24 ساعةأحزابأخبار دوليةالواجهةعالم السياسة

الدروش :عندما تتحول المعارضة إلى شاهد صامت

قراءة في قوله تعالى “وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم.”

بقلم: عزيز الدروش – محلل وفاعل سياسي

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
“وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”
(سورة الأنعام).
هذه الآية الكريمة ليست مجرد توجيه ديني في مجال العقيدة فحسب، بل تحمل أيضاً بعداً أخلاقياً وسياسياً عميقاً: فإذا تحول المجلس أو الجماعة إلى فضاء للظلم أو العبث أو التلاعب بالقيم والحقوق، فإن الواجب الأخلاقي هو الابتعاد عن مجالسة الظالمين وعدم إعطائهم الشرعية بالصمت أو الحضور.
ومن هنا يطرح سؤال سياسي وأخلاقي حارق في المغرب اليوم:
لماذا تستمر أحزاب المعارضة داخل البرلمان في الجلوس داخل مؤسسة تشريعية يتهمها كثير من المواطنين بالعجز عن حماية مصالح الشعب؟
البرلمان، الذي يفترض أن يكون حصناً للديمقراطية والدفاع عن حقوق المواطنين، أصبح في نظر فئات واسعة من الشعب فضاءً تمرّ فيه قوانين وسياسات يراها كثيرون منحازة لمصالح فئات مالية واقتصادية قوية، بينما يعاني المواطن البسيط من الغلاء والبطالة وتدهور الخدمات الأساسية.
فإذا كانت المعارضة تعلن صباح مساء رفضها لهذه السياسات، فلماذا تستمر في البقاء داخل نفس المؤسسة التي تمرّر تلك القوانين؟
أليس في ذلك تناقض بين الخطاب والممارسة؟
إن الآية الكريمة التي تأمر بالإعراض عن مجالس الظلم تذكّرنا بأن السكوت على الظلم نوع من المشاركة فيه. فالمعارضة الحقيقية ليست مجرد خطابات داخل القاعة البرلمانية أو بيانات صحفية، بل هي موقف سياسي وأخلاقي واضح عندما تتحول المؤسسات إلى أدوات لفرض سياسات يراها الشعب ظالمة أو منحازة.
لو كانت أحزاب المعارضة تمتلك الجرأة السياسية الكافية، لكان بإمكانها اتخاذ موقف قوي مثل الانسحاب الجماعي من البرلمان وتقديم استقالات جماعية، الأمر الذي قد يفتح نقاشاً دستورياً وسياسياً حول شرعية المؤسسة التشريعية، وربما يقود إلى انتخابات سابقة لأوانها تعيد الكلمة للشعب.
لكن الذي يراه المواطن اليوم هو العكس: معارضة تشتكي من السياسات الحكومية، لكنها في الوقت نفسه تستمر في المشاركة في نفس اللعبة السياسية، مما يجعل الكثيرين يتساءلون بمرارة:
هل أصبحت المعارضة مجرد ديكور ديمقراطي يمنح المشهد السياسي مظهراً تعددياً دون أن يغير شيئاً في الواقع؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي هو فقدان الثقة بين الشعب ومؤسساته. وعندما يشعر المواطن أن البرلمان لا يمثل صوته، وأن المعارضة لا تدافع عنه بجدية، فإن ذلك يفتح الباب أمام اليأس السياسي والعزوف عن المشاركة.
لقد حذر الإسلام بوضوح من الظلم ومن الجلوس مع الظالمين، لأن العدالة ليست مجرد شعار بل واجب أخلاقي وديني. فالرسول صلى الله عليه وسلم قال:
“انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.”
قيل: يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟
قال: “تمنعه من الظلم.”
وهنا يكمن جوهر السياسة الأخلاقية: منع الظلم ومواجهة الفساد، لا التعايش معه أو التكيف معه باسم الواقعية السياسية.
إن الشعب المغربي اليوم يعاني من غلاء المعيشة، ومن اختلالات عميقة في التعليم والصحة والسكن وفرص الشغل. وفي مثل هذا الوضع، لا يكفي أن تتحدث المعارضة عن معاناة المواطنين، بل المطلوب هو مواقف سياسية شجاعة تعيد الاعتبار للسياسة كخدمة للصالح العام لا كامتياز أو منصب.
إن الآية الكريمة تضع أمامنا قاعدة واضحة:
عندما يصبح المجلس مجلس ظلم، فإن الجلوس فيه دون مقاومة حقيقية قد يتحول إلى شراكة غير مباشرة في ذلك الظلم.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المغاربة اليوم:
هل تمتلك المعارضة الشجاعة السياسية للوقوف في صف الشعب فعلاً، أم أنها ستستمر في الجلوس داخل المؤسسات بينما يعاني المواطن خارجها؟

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عزيز الدروش
محلل وفاعل سياسي

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى