الدروش : ماذا لو حوسب عزيز أخنوش وصودرت ثروته ؟ بين سؤال العدالة ومطلب الدولة

بقلم : عزيز الدروش
ماذا لو أجمع المغاربة، بكل أطيافهم السياسية والنقابية والمدنية، على المطالبة بمحاكمة رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش على ما يعتبرونه إخفاقات كبرى مست القدرة الشرائية، وأثقلت كاهل الفقراء، وعمّقت الفوارق الاجتماعية؟
لوبي المحروقات.
المخطط المغرب الأخضر.
وماذا لو تقرر وفق مساطر قضائية عادلة وشفافة ـ مصادرة ثروته المعلنة وغير المعلنة إن ثبت تضارب المصالح أو الإثراء غير المشروع؟
السؤال ليس شخصياً، بل هو سؤال دولة:
هل نحن أمام دولة مؤسسات وقانون، أم أمام دولة أشخاص ونفوذ؟
العدالة قبل الأرقام
قبل أن نحسب عدد المستشفيات والمدارس والطرقات، علينا أن نؤكد مبدأً شرعياً ودستورياً:
لا عقوبة إلا بحكم قضائي عادل.
فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾،
ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
وفي الحديث الشريف: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، وهو تأكيد أن لا أحد فوق المساءلة، مهما كان موقعه أو اسمه.
إن منطق الدولة الحديثة يفرض ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص الدستور المغربي. فإن ثبت فساد أو تضارب مصالح أو استغلال نفوذ، فالمحاسبة واجبة، لا بدافع الانتقام، بل حفاظاً على هيبة القانون.
لو وُجِّهت الثروة للتنمية
إذا افترضنا ـ جدلاً ـ أن أموالاً طائلة جُمعت بطرق غير مشروعة وأعيدت إلى خزينة الدولة، فكيف يمكن أن تُوظَّف؟
يمكن بناء مستشفيات إقليمية مجهزة تُنهي معاناة المرضى مع التنقل بين المدن.
إنشاء مدارس وإعداديات وثانويات في القرى النائية، بدل الأقسام المشتركة والاكتظاظ.
تشييد جامعات ومعاهد تقنية تُؤطر الشباب بدل تركهم للبطالة أو الهجرة.
تعبيد طرق قروية وبناء قناطر لفك العزلة عن سكان الجبال والبوادي.
دعم صندوق خاص لتعويض المتضررين من الكوارث الطبيعية، من فيضانات وزلازل.
المعادلة واضحة:
كل درهم يُسترجع من الفساد، هو سرير إضافي في مستشفى، أو مقعد دراسي لتلميذ فقير، أو طريق ينقذ حياة امرأة حامل في قرية معزولة.
البعد الأخلاقي والسياسي
القضية أعمق من شخص. إنها أزمة نموذج سياسي واقتصادي سمح بتغوّل المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.
حين تختلط السلطة بالثروة، تضيع العدالة الاجتماعية، ويتحول العمل السياسي إلى استثمار تجاري.
إن المحاسبة، إن تمت، يجب أن تشمل كل من أفسد وأهدر المال العام، أياً كان انتماؤه الحزبي أو موقعه الإداري. فالإسلام حارب كنز المال بغير حق، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
بين الغضب والإصلاح
الغضب الشعبي مفهوم حين تضيق سبل العيش، لكن تحويل الغضب إلى مشروع إصلاح مؤسساتي هو الطريق الأسلم.
المغرب يحتاج إلى:
تفعيل حقيقي لهيئات الحكامة ومحاربة الرشوة.
قوانين صارمة لتضارب المصالح.
استقلال فعلي للنيابة العامة والقضاء.
شفافية في التصريح بالممتلكات وربطها بالمراقبة الجبائية.
إن السؤال ليس كم مستشفى يمكن بناؤه، بل كيف نبني دولة تمنع أصلاً أن تُهدر أموال المستشفيات.
خاتمة
لو أجمعت الأمة المغربية على المحاسبة العادلة، فذلك يعني أنها اختارت طريق الدولة لا طريق الفوضى.
ولو استُرجعت أموال الفساد، فإنها لن تكون مجرد أرقام في ميزانية، بل ستكون حياة تُنقذ، وكرامة تُصان، وعدالة تُقام.
المغرب اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن تبقى السياسة تجارة،
وإما أن تعود رسالة ومسؤولية وأمانة.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





