الدروش : هل بدأت ترتيبات مرحلة جديدة؟ و قضية علي المرابط تفتح باب الأسئلة الكبرى
بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

ليست كل الأحداث السياسية تُقرأ من ظاهرها، فهناك وقائع قد تبدو قانونية في شكلها، لكنها تفتح الباب أمام تساؤلات سياسية عميقة حول السياق والرسائل والمرحلة. ومن هذا المنطلق، فإن قضية الصحفي المغربي علي المرابط، بعد دخوله إلى المغرب وما أعقب ذلك من توقيفه ثم متابعته في حالة سراح، تستحق قراءة تتجاوز ظاهر الحدث إلى محاولة فهم دلالاته المحتملة .
فقد كان علي المرابط، وفق ما صرح به سابقاً، يعلم أن عودته إلى المغرب قد تعرضه للمساءلة القانونية بسبب مواقفه وكتاباته ومحتواه المنشور على المنصات الرقمية. ومع ذلك قرر العودة، وهو ما يثير سؤالاً مشروعاً : لماذا اختار هذا التوقيت بالذات ؟ وهل كان يتوقع أن تتحول قضيته إلى قضية رأي عام ؟
وفي المقابل، يبرز سؤال آخر : لماذا انتهت الإجراءات إلى متابعته في حالة سراح ؟ هل يتعلق الأمر فقط بتطبيق المساطر القانونية، أم أن الدولة أرادت أيضاً إرسال رسائل سياسية إلى الداخل والخارج ؟
هناك من يقرأ هذه القضية باعتبارها رسالة موجهة إلى الصحفيين والمدونين وصناع المحتوى والمعارضين السياسيين، مفادها أن الفضاء الرقمي لم يعد بعيداً عن المتابعة القانونية … وهناك من يقرأها بصورة مختلفة، ويرى أن إطلاق السراح مع استمرار المتابعة قد يعكس التزاماً بالإجراءات القضائية دون أن يحمل بالضرورة أبعاداً سياسية .
وفي تقديري، لا يمكن فصل هذا الحدث عن السياق السياسي العام الذي تعيشه البلاد، حيث تكثر التحليلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحول كيفية ضمان استمرارية المؤسسات واستقرار الدولة … وفي هذا الإطار، يطرح بعض المراقبين فرضيات متعددة بشأن إعادة ترتيب المشهد السياسي، إلا أن هذه تبقى فرضيات وتحليلات وليست وقائع مثبتة.
ومن هنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاهلها :
- لماذا اختار علي المرابط العودة الآن؟
- هل كان يعلم أن قضيته ستتحول إلى حدث سياسي؟
- لماذا تمت متابعته في حالة سراح؟
- هل أرادت الدولة إرسال رسائل إلى الصحفيين والمدونين والمعارضين؟
- وهل نحن أمام بداية مرحلة سياسية جديدة، أم أن الأمر يتعلق بقضية فردية لا أكثر؟
مهما اختلفت الإجابات، فإن المؤكد أن المغرب يعيش مرحلة دقيقة تتطلب قراءة هادئة لمختلف المؤشرات، بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام أو تحويل الفرضيات إلى حقائق .
أما على المستوى الحزبي، فإن المشهد السياسي يثير بدوره أسئلة عميقة . فالكثير من المتابعين يرون أن الأحزاب السياسية تحولت إلى دكاكين انتخابية وأصبحت عاجزة عن التأثير في القرارات الاستراتيجية الكبرى، وأن حضورها يتركز أساساً في المنافسة الانتخابية للحصول على المقاعد التي توصلها إلى المناصب و الإمتيازات الحزبية و الشخصية والشعب وتطلعاته للجحيم ، بينما تبقى الملفات الكبرى بيد الدولة العميقة . ومن هذا المنطلق، يعتبر منتقدون أن الأحزاب تحولت إلى ما يشبه “ديكوراً ديمقراطياً” يمنح التعددية السياسية مظهرها، دون أن يكون لها، في نظرهم، تأثير حاسم في رسم الخيارات الكبرى للبلاد . ويبقى هذا التقييم محل نقاش واختلاف بين الباحثين والفاعلين السياسيين.
ويبقى المستقبل كفيلاً بالكشف عما إذا كانت قضية علي المرابط مجرد ملف قانوني عادي، أم أنها ستُقرأ لاحقاً باعتبارها إحدى إشارات مرحلة سياسية جديدة . وحتى ذلك الحين، سيظل السؤال مفتوحاً : هل نحن أمام حدث معزول، أم أمام بداية إعادة تشكيل للمشهد السياسي المغربي ؟
فمن المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





