
من الظواهر الغريبة التي تستحق الدراسة والتأمل في الحياة السياسية والنقابية، استمرار بعض الزعماء في مواقعهم لسنوات طويلة، بل لعقود أحياناً، رغم الإخفاقات المتراكمة، ورغم فقدان الثقة الشعبية، ورغم تراجع دور الأحزاب والنقابات في الدفاع و الترافع عن مصالح المواطنين والمناضلين.
في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، تعتبر المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، ويؤدي الفشل السياسي أو النقابي إلى المحاسبة والتجديد وفتح المجال أمام كفاءات جديدة. أما في واقعنا، فإن بعض الزعماء يتصرفون وكأن التنظيمات التي يقودونها ملكية خاصة و أصل تجاري، لا يحق لأحد الاقتراب منها أو منافستهم على قيادتها.
والأخطر من ذلك أن هؤلاء يحيطون أنفسهم في الغالب بدائرة من المصفقين والانتهازيين والمستفيدين و الفاشلين و المنبطحين و المطيعين ، الذين لا يملكون الأخلاق و القيم الإنسانية والجرأة على النقد أو المحاسبة، لأن مصالحهم مرتبطة ببقاء الزعيم الأبدي في منصبه. أما المناضلون الأحرار والنزهاء وأصحاب الرأي المستقل، فيتم تهميشهم أو إقصاؤهم أو دفعهم إلى مغادرة التنظيم او محاكمتهم.
لقد تحولت بعض الأحزاب السياسية والنقابات إلى فضاءات مغلقة تفتقد للديمقراطية الداخلية، وأصبحت الانتخابات والمؤتمرات في كثير من الأحيان مجرد إجراءات شكلية و مسرحية مضللة لإعادة إنتاج الوجوه نفسها والسياسات نفسها والفشل نفسه و الفساد نفسه و الانتهازية نفسها .
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما الذي يجعل بعض الزعماء يتشبثون بالكراسي بهذا الشكل المرضي و الجنوني؟ الجواب بسيط؛ لأن الزعامة لم تعد بالنسبة للبعض مجرد مسؤولية سياسية أو نضالية، بل أصبحت مصدراً للنفوذ والامتيازات والحصانة القانونية و المعنوية والعلاقات المؤثرة ومفاتيح الوصول إلى دوائر القرار. ولذلك يصبح فقدان المنصب بالنسبة لهم خسارة لمكانة ومصالح اعتادوا عليها لسنوات طويلة.
إن ما يثير الاستغراب أكثر هو حالة الخضوع والطاعة العمياء التي يبديها كل المحيطين بهؤلاء الزعماء، حتى عندما تكون حصيلة كارثية والفشل واضحة للعيان. فبدل المطالبة بالمحاسبة والتغيير، يستمر التبرير والتصفيق وتقديس و طاعة الأشخاص، وكأن الزعيم فوق النقد وفوق المساءلة.
ومن هنا يبرز سؤال جريء يتداوله كثير من المواطنين والمناضلين في جلساتهم الخاصة: هل يكفي النفوذ وشبكات المصالح وحدها لتفسير هذا التشبث المرضي بالزعامة؟ أم أن هناك من يلجأ فعلاً إلى السحر والشعوذة والدجل، معتقداً أن ذلك قد يساعده على ضمان البقاء في موقع القيادة وإخضاع المحيطين به لإرادته؟
لسنا هنا بصدد توجيه اتهامات لأشخاص بعينهم، لكن من حق الرأي العام أن يطرح الأسئلة عندما تتحول بعض الظواهر إلى أمور يصعب تفسيرها بالمنطق السياسي و التدافع الديمقراطي وحده. كما أن انتشار الحديث عن السحر والشعوذة في بعض الأوساط السياسية والنقابية يعكس حجم الأزمة الأخلاقية والفكرية التي أصابت العمل العام.
إن الأحزاب والنقابات التي تبنى على الأشخاص لا على المؤسسات، وعلى الولاءات لا على الكفاءة، وعلى المصالح لا على المبادئ، محكوم عليها بالتراجع وفقدان المصداقية. أما التنظيمات الحية فهي التي تتجدد باستمرار، وتفسح المجال أمام الطاقات الجديدة، وتؤمن بأن لا أحد أكبر من المؤسسة، ولا أحد فوق النقد والمحاسبة.
ويبقى السؤال الكبير: متى تنتهي مرحلة الزعماء الأبديين؟ ومتى تصبح الأحزاب والنقابات مدارس للديمقراطية والتداول على المسؤولية بدل أن تتحول إلى إمارات خاصة يديرها أشخاص يعتقدون أن الكرسي حق مكتسب مدى الحياة؟
إن مستقبل العمل السياسي والنقابي في المغرب لن يصنعه السحر ولا الدجل ولا شبكات المصالح و اللوبيات، بل تصنعه الديمقراطية الحقيقية، والنزاهة، والكفاءة، واحترام إرادة المناضلين والمواطنين.
فهل حان وقت تحرير الأحزاب والنقابات من ثقافة الزعيم الأبدي، وفتح صفحة جديدة عنوانها المسؤولية والمحاسبة والتجديد؟
ألم أقل لكم أنه من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





