24 ساعةالصحراء المغربيةالواجهةفضاء الصحافة

الدعم الذي يهدد التعددية : صحافيو الصحراء يقرعون جرس الإنذار من قلب الرباط

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي نظمها ممثلو المقاولات الإعلامية والصحافية بالأقاليم الجنوبية أمام مقر وزارة الشباب والثقافة والتواصل بالرباط مجرد احتجاج مهني عابر، بل جاءت كرسالة قوية تحمل الكثير من القلق بشأن مستقبل الإعلام الجهوي في المغرب، في ظل نظام دعم جديد يعتبره المهنيون بوابة نحو الإقصاء أكثر منه آلية للإنصاف والتأهيل.

ففي الوقت الذي تتبنى فيه الدولة خطاب الجهوية المتقدمة وتقليص الفوارق المجالية، يجد الإعلام المحلي نفسه أمام شروط يراها العاملون في القطاع بعيدة عن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه المؤسسات الصحافية بالأقاليم الجنوبية. مؤسسات تكافح منذ سنوات للبقاء وسط سوق إشهارية محدودة، وارتفاع متواصل في تكاليف الإنتاج والتسيير، وتراجع واضح في الموارد المالية.

المحتجون لم يخفوا مخاوفهم من أن تتحول معايير الاستفادة من الدعم العمومي إلى أداة لإعادة رسم الخريطة الإعلامية على حساب المقاولات الصغرى والمتوسطة، بما يؤدي عملياً إلى تقليص عدد المنابر الجهوية وإضعاف حضورها في المشهد الوطني. فالدعم العمومي، بحسب فلسفته الأصلية، يفترض أن يكون وسيلة لحماية التعددية الإعلامية وضمان تكافؤ الفرص، لا أن يصبح حاجزاً إضافياً أمام المؤسسات التي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية مزمنة.

وتكمن خطورة الوضع في أن انعكاساته لا تتوقف عند حدود المقاولات الصحافية، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. فكل منبر إعلامي يختفي من الساحة يعني تراجعاً في مساحة النقاش العمومي، وخسارة لصوت مهني يتابع قضايا المواطنين وينقل انشغالاتهم ويواكب التحولات التنموية داخل الجهات.

ومن قلب العاصمة، رفع صحافيو الأقاليم الجنوبية صوتهم محذرين من أن استمرار العمل بشروط يعتبرونها غير منصفة قد يدفع بالإعلام الجهوي نحو مزيد من التراجع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعلام محلي قوي وقادر على مواكبة الأوراش التنموية الكبرى وتعزيز التواصل بين المؤسسات والمواطنين.

اليوم، لم يعد النقاش مرتبطاً فقط بملف الدعم أو بشروط الاستفادة منه، بل أصبح مرتبطاً بمستقبل التعددية الإعلامية نفسها. فالحفاظ على إعلام جهوي متوازن ليس امتيازاً لفئة مهنية، بل ضرورة وطنية تفرضها متطلبات الديمقراطية والعدالة المجالية.

ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ستستجيب الجهات الوصية لنداءات المراجعة والحوار، أم أن الصحافة الجهوية ستجد نفسها أمام معركة وجود قد تعيد رسم ملامح المشهد الإعلامي لسنوات طويلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى